رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : مصطفي الأسواني

 

 

تزداد معاناة الشعب الفلسطيني مع توسع المستوطنات الإسرائيلية، التي تلتهم المزيد من الأراضي، مما يهدد الكثير من المحميات الطبيعية بخطر المصادرة ووضع اليد عليها بالقوة من قبل المستوطنين في المستوطنات المجاورة، فضلاً عن أنها ستشكل عقبة كبيرة في إعلان دولة فلسطين، وستقسم القدس التي يتطلع الفلسطينيون لأن تكون العاصمة المستقبلية لدولتهم.

 

 

وما تشهده الضفة الغربية من هجمات استيطانية متواصلة، وإنشاء بؤر استيطانية غير شرعية منتشرة على طول الضفة، دليل على أن إسرائيل تسارع في ضم أراضي القدس الشرقية، حيث إنها تستخدم توسيع المستوطنات وتدمير المساكن وسياسة التشييد العشوائية، والحاجز الأمني الفاصل بالضفة الغربية كغطاء لتسريع وتيرة «الضم غير الشرعي» للقدس الشرقية، وبهدف التقويض من مصداقية السلطة الوطنية الفلسطينية، وإضعاف الدعم لمباحثات السلام.

 

 

إن الأنشطة الإسرائيلية داخل وحول القدس تمثل واحدة من أخطر التحديات لعملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، حيث إن بناء مستوطنات جديدة، وتشييد  الحاجز الأمني، وسياسات سكنية اعتباطية، وتدمير للمنازل، ومواصلة إغلاق المؤسسات الفلسطينية، وتزايد تواجد القادة اليهود في القدس الشرقية، يضعف المجتمع الفلسطيني في المدينة، ويعترض سبيل المساعي الفلسطينية لتنمية المدينة، ويفصل القدس الشرقية عن بقية الضفة الغربية، فضلاً عن أن هدم منازل الفلسطينيون غير شرعي بموجب القانون الدولي، ولا يخدم غرضًا محددًا، وله تأثيرات إنسانية حادة، ويولد المرارة والتشدد.

 

*****

 

وبالرغم من تزايد الأصوات الدولية المطالبة بضرورة تجميد النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية، تُصر إسرائيل على الاستمرار ببناء المستوطنات، واضعة بذلك واحدةً من أكبر العثرات أمام سير العملية التفاوضية بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، ومع استمرارها في توسيع المستوطنات تعيق إسرائيل أي تقدم يذكر على صعيد المفاوضات بين الجانبين، فها هي إسرائيل  تغلق آذانها عن الأصوات الدولية التي ما انفكت تؤكد على أن الاستمرار في بناء المستوطنات في الضفة الغربية يقف كحجر عثرة أمام سير العملية التفاوضية، ويتذرع الإسرائيليون من طرفهم بالبناء في القدس من باب الفصل بين أراضي القدس وباقي الضفة الغربية، واستكمالاً لمشروع «القدس الكبرى»، التي يعتبرها المستوطنون حقًا وبيتًا لهم.

 

 

ولمن لا يعلم، فإن بناء إسرائيل للحاجز الأمني الذي يخترق القدس، يعمل على عزل آلاف الفلسطينيين عن الضفة الغربية، فيما تزعم إسرائيل أن الحاجز يحول دون دخول الانتحاريين فقط، متعهدة باستكمال الجزء الخاص بالقدس خلال العام الحالي، ومؤكدة أنها لن تبني أي مساكن خارج هذه المناطق، التي ستكون جزءًا من الأراضي النهائية، انطلاقًا من اعتبار القدس عاصمة إسرائيل الأبدية بما يبرر لها البناء في القدس في أي وقت، لذا نجد أن نتنياهو اتخذ قرارًا ببناء 1600 وحدة سكنية استيطانية في حي رمات شلومو شمال القدس المحتلة في 17 من ديسمبر الجاري، في إطار مشروع استيطاني كبير يبلغ حجمه حوالي 3000 وحدة استيطانية، مؤكدًا أن حكومته ستواصل البناء في القدس مثل ما قامت به سابقاتها؛ كون المدينة عاصمة الشعب اليهودي منذ 3000 عام.

 

 

ووفقًا لما نشرته صحيفة "هآرتس" العبرية، فإن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية تشمل 12 مليون متر مربع من المساكن والطرق والمصانع، التي تقدر كلفة بنائها بما يقارب 17 مليار دولار، وتوجد في المستوطنات الإسرائيلية 868 منشأة مملوكة للقطاع العام، وتشمل المنشآت 127 كنيسة و344 روضة أطفال و211 مدرسة و68 مدرسة دينية يهودية، بالإضافة إلى مكتبات ومنشآت رياضية وقاعات أفراح، أما بالنسبة للوحدات السكنية الاستيطانية فيبلغ مجموعها 32 ألفًا و711 شقة، بالإضافة إلى 22 ألفًا 997 بيتًا خاصًا، كما يوجد في المستوطنات 187 مركزًا للتسوق و717 مجمعًا صناعيًا.

 

 

ما يعني أن الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية قد يتضاعف حجمه إلى 3 أمثال، ويصل إلى مليون شخص، على الرغم من الضغوط الغربية لوقف نمو الجيوب الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

 

*****

 

ويكتسب قرار الحكومة الإسرائيلية الحالي ببناء المزيد من المستوطنات في القدس أهمية خاصة؛ كونه يأتي قبيل الانتخابات الإسرائيلية المبكرة، وبعد أقل من شهر من حصول فلسطين على وضع دولة مراقب بالأمم المتحدة، الأمر الذي يعني أن الغرض الأساسي لحكومة نتنياهو من ذلك الإعلان، هو مغازلة المستوطنين والمتطرفين الإسرائيليين لكسب أصواتهم في الانتخابات المقبلة، وتأكيداً على أن نتنياهو ما زال الرجل القوي القادر على استكمال مخطط تهويد القدس، الذي يعتبره حقًا إسرائيليًا، كما يعتبره رئيس الكنيست «حقًا غير قابل للتفاوض».

 

 

كذلك فإن الإعلان عن بناء المزيد من المستوطنات في القدس حاليًا يعني عقابًا إسرائيليًا للفلسطينيين على خطوتهم في الأمم المتحدة، الذي اعتبره نتنياهو «اعتداءً على الصهيونية وعلى دولة إسرائيل»، مؤكدًا أن «إسرائيل لن تكتفِ فقط بتوقيف تمويل أموال الضرائب المستحقة للفلسطينيين.. بل ستبني مزيدًا من المستوطنات في المنطقة E1 بين القدس ومستوطنة معالية اودميم»، وهو الأمر الذي سيستخدمه نتنياهو أيضًا ليؤكد للرأي العام الإسرائيلي على صلابته وقوته في التعامل مع الفلسطينيين دونما اعتبار للمجتمع الدولي، حيث إن قراره ذلك يتعارض مع القانون الدولي وخطة خارطة الطريق، ويشكل ضربة جديدة لجهود السلام، وخطوة لتدمير وقتل عملية السلام التي تتم برعاية أمريكية.

 

 

فضلاً عن أن بناء المستوطنات في المنطقة E1 يعتبر شائكًا؛ لأنها تُعد من أكثر المناطق الحساسة، وقد أكدت جميع الحكومات الإسرائيلية السابقة للرئاسة الأمريكية أنه لن يتم بناء أي مستوطنات في هذه المنطقة، إلا أن نتنياهو خالف كل هذه التطمينات، وقد يؤثر قراره هذا على العلاقات الدبلوماسية مع العديد من الدول الصديقة لإسرائيل، كما أن العلاقات «الإسرائيلية – الأمريكية» قد تتأثر جراء هذا القرار، ويبدو أن هذه الخطوة من جانب إسرائيل رغم مطالبة اللجنة الرباعية بوقفها، والتهديد الفلسطيني بوقف مفاوضات السلام في حال واصلت إسرائيل خرقها للتعهدات، هما مؤشران على أن عملية السلام تدور في حلقة مفرغة.

 

*****

 

وجميعنا يدرك أن الاستيطان الإسرائيلي في القدس يمثل جوهر العملية الاستيطانية؛ إذ تحتل القدس منزلة هامة لدى اليهود، وهي تمثل منطقة جذب لهم وللمهاجرين إلى إسرائيل، ولم تعبأ إسرائيل عبر العقود الستة الماضية بإدانة ذلك الاستيطان من معظم الدول والقوى الدولية التي ترى فيه خروجًا سافرًا على الشرعية الدولية، إذ انتهكت إسرائيل بأنشطتها الاستيطانية العديد من القرارات الدولية التي أنكرت أي صفة قانونية للاستيطان أو الضم، وطالبت بإلغائه وتفكيكه، بما في ذلك الاستيطان في القدس الشرقية، تأكيدًا على أن الاستيطان ونقل السكان الإسرائيليين للأراضي الفلسطينية المحتلة هو أمر غير شرعي.

 

 

أخيرًا وليس آخرًا، أؤكد أن قرار الحكومة الإسرائيلية بالتمادي في الاستيطان في القدس، هدفه الأساسي هو حصول نتنياهو على تأمين أكبر قدر من الأصوات في الانتخابات المقبلة، عبر الظهور بمظهر الرجل القوي المتشدد في التعامل مع الفلسطينيين، سواء كان ذلك عبر حرب ضد قطاع غزة، أو عبر الاستيطان في القدس، ومحاولة إرضاء المستوطنين المتطرفين ليبدو المعبّر الأفضل عن اليمين الإسرائيلي المتشدد في الانتخابات؛ أي أن بنيامين نتنياهو يعيد استخدام الورقة الفلسطينية كورقة انتخابية كما فعل سابقًا هو وغيره من رؤساء الحكومة الإسرائيليين.

 

تم نسخ الرابط