بقلم : مصطفي الأسواني
.jpg)
لقد تعايش سكان القدس على مدى قرون بمختلف أعراقهم ودياناتهم في تآخٍ وسلام، لكن قيام إسرائيل قبل 60 عامًا ومحاولات تغيير الواقع الديموجرافي للمدينة، وقرارات بناء المستوطنات في القدس، قلب التآخي إلى عداوة، وجعل من السلام أمرًا صعبًا، إن لم يكن مستحيلاً.
ونعلم جيدًا أنه لم تلعب مدينة من المدن على وجه البسيطة دورًا في التاريخ كالذي لعبته مدينة القدس؛ المدينة التي تعددت دياناتها واختلفت قومياتها، لكنها بقيت متمسكة بشعار «السلام والعيش معًا»، الشعار الذي رسخه القائد صلاح الدين على أسوار مدينة تغيرت فيها المعاني، وانقلبت فيها المفاهيم على مر الزمن.
وفي الشهر الأخير من العام المنصرم أطلقت إسرائيل مشروعًا استيطانيًا خطيرًا، وطالت المخططات الاستيطانية المنطقة «إي 1»، وهي واحدة من أماكن معدودة حول القدس لم يطرأ عليها أي تغيير منذ أيام السيد المسيح عليه السلام، وكشفت إسرائيل عدة مخططات للبناء في هذا المنحدر الحجري الترابي القاحل الواقع على الطريق المؤدي إلى الصحراء والبحر الميت، وفي حال نفذت إسرائيل مشروعها المذكور على أراضي الضفة الغربية تكون بذلك قد أنهت عملية عزل القدس عن محيطها العربي، وتقسيم أوصال الضفة الغربية؛ مما يحبط فعليًا أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية ذات مقومات للبقاء، ويقضي أيضًا على حل الدولتين.
*****
واليوم تتعرض قرى ومدن الضفة الغربية إلى اعتداءات وحشية من المستوطنين، وبعد الاعتراف بفلسطين كدولة بصفة مراقب في الأمم المتحدة كشفت إسرائيل عن مخططات لبناء 12 ألف وحدة استيطانية، ربعها في منطقة «إي 1» قرب القدس؛ ما يعني فصل وسط الضفة عن جنوبها، فيما تُغيّر 2600 وحدة استيطانية بين القدس وبيت لحم من الواقع الديموجرافي في القدس الشرقية لقطع الطريق على أي حديث عن عروبة القدس، أو ضم أي أجزاء منها إلى الدولة الفلسطينية في حال خرجت للنور.
كذلك فإن إسرائيل لم تكتفِ باتخاذ قرار التوسع الاستيطاني، فحسب، بل سارع المستوطنون اليهود في الآونة الأخيرة من خطى بناء وحدات سكنية جديدة في الضفة الغربية، فخلال الفترة الأخيرة تم البدء ببناء 1700 وحدة سكنية في 67 مستوطنة، وهذا الرقم يشير إلى أن فترة تجميد الاستيطان التي امتدت لنحو عشرة أشهر، يتم تعويضها الآن؛ حيث إن الاختبار الحقيقي أمام قرار التجميد هو فيما إذا كان سيستمر أم لا، وفي حال عدم تمديده سيقوم المستوطنون بالتعويض عما فاتهم خلال هذه الأشهر العشرة.
ولا يُخفي المستوطنون حقيقة أنهم سيُقبلون على عملية البناء بسرعة فائقة، وأعتقد أن لدى اليهود تخوفًا من أن يسري قرار تجميد الاستيطان، لذا فإنهم يعملون بسرعة لإتمام بناء منازلهم قبل حدوث أي تغيير في القرار.
*****
وبالرغم من أن المستوطنات غير قانونية وفقًا للقانون الدولي، إلا أن إسرائيل تسعى جاهدة لدحض ذلك، ما يجعلها أهم العوائق في طريق استئناف عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، باستمرار الأخيرة في مصادرة الأراضي، أو ما يسمى في إسرائيل بـ«النمو الطبيعي للمستوطنات»، بالإضافة لاعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين، وهو ما يعيد هذه العملية إلى نقطة الصفر.
واللافت للنظر، أن كافة الحكومات الإسرائيلية تُصر على الاستمرار في الاستيطان، بصرف النظر عما إذا كانت حكومة عمالية أو ليكودية، إذ أن تلك الحكومات تعتمد في تشكيلها غالبًا على أحزاب تعتبر الاستيطان خطًا أحمر لا يجب تجاوزه؛ فالاستيطان لا يمثل فقط أحد المرتكزات الأساسية للصهيونية، باعتباره الركن الأساسي الذي قامت عليه إسرائيل كدولة منذ بداياتها الأولى، حيث كانت الخطة التي وضعها مؤتمر «بازل» بسويسرا لإنشاء وطن قومي لليهود تقوم على إنشاء المستوطنات، بل إنه كما قال عضو الكنيست الإسرائيلي السابق "يشعياهو بن فورت" في صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، في يوليو 1972، «إن الحقيقة هي: لا صهيونية بدون استيطان، ولا دولة يهودية بدون إخلاء العرب ومصادرة أراضي وتسييجها».
ويعتبر الإسرائيليون أن البناء الاستيطاني في القدس ليس موضوعًا للتفاوض، وأن إسرائيل لن تتنازل في إطار أي تسوية سياسية عن السيطرة على المنطقة المسماة «أي 1»، وهو الموقف الذي يواجه داخليًا بالمعارضة من قبل اليسار الإسرائيلي، حيث انتقد حزب "ميريتس" ذلك القرار محذرًا من أن استمرار نتنياهو في تلك السياسة قد يفتح الباب لانتفاضة فلسطينية ثالثة، وقد تؤدي تلك السياسة أيضًا إلى فرض عقوبات اقتصادية من قبل الدول الأوروبية على إسرائيل، كما اتقد حزب "يش عتيد" قرار الحكومة، واصفًا إياه بأنه يفتقر إلى المسؤولية، أما تسيبي ليفني- وزيرة الخارجية السابقة ورئيسة حزب الحركة، ورغم أنها لا تعارض الاستيطان من حيث مبدأ البناء في المستوطنات المعزولة، التي قد تتخلى عنها إسرائيل في الحلول السياسية مستقبلاً، أكدت أنه: «يتوجب على إسرائيل الاستيطان في الكتل الكبيرة الثابتة التي لا مجال لزوالها، فـهي لا تحتاج إلى إنفاق المال على مبانٍ هنا وهناك لن تكون جزءًا من إسرائيل في المستقبل».
بالإضافة إلى ذلك، فقد دعا أكثر من 400 رجل دين يهودي أمريكي، رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، إلى الامتناع والتوقف عن تنفيذ مشروع البناء في منطقة «أي 1»، مؤكدين أن هذا المشروع يمثل ضربة قاضية للتسوية السلمية، ومحذرين كذلك من تداعيات هذا القرار على العلاقات الحيوية بين إسرائيل والولايات المتحدة، فضلاً عن أن رئيسة حزب "ميرتس" اليساري، زهافا غلئون، كانت قد تقدمت إلى المستشار القضائي للحكومة، بطلب إصدار أمر يمنع نتنياهو من تنفيذ مشاريع البناء.
*****
ومنذ أن تم منح فلسطين صفة دولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة، أصبحت إسرائيل لأول مرة تتعرض لضغوط وانتقادات شديدة اللهجة من الغرب؛ حيث تبنت الولايات المتحدة بصفة عامة موقفًا من الاستيطان يقوم على أنه عقبة في طريق السلام بين الجانبين، دون الإشارة أو التورط في الحديث عن شرعية الاستيطان وعدم قانونيته في ضوء قواعد القانون الدولي، أما الدول الأوروبية مثل (بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، والبرتغال)، فأدانت بشدة قرارات التوسع الاستيطاني في القدس، معلنة عن إعدادها لمشروع قرار في مجلس الأمن، يدين القرارات الاستيطانية الأخيرة في القدس، كونها تهدد مبدأ حل الدولتين، أما مصر، فقد أبدت احتجاجها على الموقف الإسرائيلي وطالبت بضرورة التوقف عن تلك السياسة، بينما عبّر الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، عن قلقه حيال تكثيف الاستيطان الإسرائيلي، مطالبًا بضرورة عدم مواصلة هذا الطريق الخطر الذي يضر بآفاق الحوار، مؤكدًا أن عملية السلام تشهد أزمة خطرة.
وفي ظل الإدانات الداخلية لقرار الحكومة الإسرائيلية بالتمادي في عملية الاستيطان، ورغم الإدانات الدولية العديدة لذلك القرار، إلا أن رد الفعل الإسرائيلي مُصر على عدم الالتفات لتلك الإدانات، بل بإدانة تلك الإدانات نفسها؛ باعتبار أن الاستيطان في القدس هو حق لإسرائيل لا يمكن لأحد أن يتدخل فيه، ومؤكدة في الوقت نفسه، على أن تل أبيب مستعدة للمخاطرة بخلاف طويل الأمد مع واشنطن، في ظل طلب الولايات المتحدة إيقاف البناء في مستوطنات القدس الشرقية والمستوطنات الأخرى.
*****
ولقد أصبحت قضية السلام في الشرق الأوسط محورًا أساسيًا للدفع من أجل السلام العالمي، لتجعل من أمنية الرئيس الأمريكي باراك أوباما، بتحقيق السلام في الشرق الأوسط كالحلم الذي لن يتحقق أبدًا.
وأرى أن التفاوض بين الفلسطينيين والإسرائيليين عمليًا ليس له جدوى على الإطلاق، بسبب الاستيطان ورفض الحكومة الإسرائيلية لقيام الدولة الفلسطينية، كما أن الحلول السلمية باتت بعيدة، فإسرائيل قضت على كل المحاولات خلال العشرين سنة الماضية، ولم يبق إلا حل واحد، وهو الحل الذي ستفرضه المقاومة الفلسطينية، إن استطاعت.



