رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : مصطفي الأسواني

 

اليوم سأنتهز فرصة أننا على أبواب فصل الشتاء لأدعوكم من خلال مقالي هذا لزيارة أحب البلاد إلى قلبي، «بلاد الجمال رباني»، ليستمتع من يرغب في الذهاب منكم بجو «بلد الشمس»، كما أود أن أحدثكم بشيء من الإيجاز عن «قِبلة قلبنا العامر، ومعبد عشقنا الفياض»، إنها جنة الله في أرضه «أسوان».
 
أولاً وقبل كل شيء، يجب أن أعترف بأن كل خيالاتي وسعادتي وأفكاري وأحلامي كانت تحدث لي على صورة خير من هذه وأفضل في «أسوان» البلدة الخصبة المنعزلة، لها حدودها الطبيعية والمنفصلة عن بقية العالم، حيث لا تعرض لي إلا صور ضاحكة، ولا شيء فيها يجعلني أستعيد ذكريات محزنة، وحيث مجتمعها المكون من عدد قليل من السكان متآلفًا طيبًا، وحيث كان يمكنني أخيرًا أن أستسلم طيلة اليوم دونما عقبة أو شاغل لأعمال تتفق ومزاجي، أو إلى فراغ مترف.
 
وفي هذه البلدة كانت الفرصة مواتية من غير شكٍ لحالمٍ مثلي عرف كيف يتزود بأوهام حلوة وسط أشياء أشد نفيرًا، فاستطاع أن يرتوي منها كما يحلو له، وذلك باستجماعه كل ما أثَّر على حواسه فعلاً، وكنت بعد أن أخرج من حلم طويل جميل، وأشهد نفسي محاطًا بالخضرة والزهور والطيور، سارحًا بنظري بعيدًا في الشطآن التي تحف امتداد المياه الشاسعة الصافية المتلألئة، كنت أغذي خيالاتي بكل تلك الأشياء المحببة، وحين أراني في نهاية الأمر أرجع تدريجيًا إلى نفسي وإلى ما يحيط بي، لم أكن أستطيع أن أميّز الحد الفاصل بين الخيال والحقيقة، ما دامت تسهم جميعًا في أن ترفع من قيمة الحياة الانطوائية المنعزلة التي كنت أحياها خلال تلك الإقامة الجميلة.
 
«أسوان» بلدتي التي أراها كأنها صورة جنة الخُلد منقوشة في عرض الأرض، بلدة كأن محاسن الدنيا مجموعة فيها ومحصورة في نواحيها، ترابها عبير وحصباؤها عقيق، وهواؤها نسيم وماؤها رحيق. بلدة معشوقة السكنى، رحيبة المثوى. كوكبها يقظان، وحصاها جوهر، ونسيمها معطر، وترابها مسك أذفر، ويومها غداة وليلها سحر، فطعامها هنيء، وشرابها مري. بلدة واسعة الرقعة، طيبة البقعة، كأن محاسن الدنيا فيها مفروشة، وصورة الجنة بها منقوشة، واسطة البلاد وسُرتها، ووجهها وغُرتها.
 
وفي وصفي لنهر نيل أسوان، أقول فيه ما قاله «الثعالبي» في كتابه «أبواب الأمكنة والأبنية في وصف البلاد»؛ إن ماء نيلها كالزجاج الأزرق، غدير كعين الشمس، موارد كالمبارد. ماء كلسان الشمعة، أصفى من الدمعة، ماء إذا مسته يد النسيم حكى سلاسل الفضة، وإذا صافحته راحة الريح لبس الدرع كالمسيح. ماء يتصندل ويتسلسل، كأن الغدير بنبات الماء مصندل مطير، بركة كأنها مرآة السماء، بركة مفروزة بالخضرة رداء، كأنها مرآة مجلوة على ديباجة خضراء، غدير ترقرقت فيه دموع السحائب، وتواترت عليه أنفاس الرياح الجنائب، غدير ساكن إلا من نسيم الصبا يحركه بأنفاسه، وينقش وجهه بأرواحه. ماء يبوح بأسراره وصفاؤه، ماء أرّق من دموعي فيك وأعذب من أخلاقك، نهر يتسلسل وُيرضع أولاد الرياحين.
 
أما إذا ما ذكرت لياليها؛ فكل ليلة فيها كأنها نهار، لياليها من حسنات الدهر، وهواؤها صحيح ونسيمها عليل كبرد الشباب، لياليها فضية الأديم مسكية النسيم، وكأن كل ليلة فيها هي لمعة العمر، وغرة الدهر، لياليها رقد الدهر عنها، وطلعت سعودها، وغاب عُذالها، وظلمات لياليها أنوار، وطوال أوقاتها قصار، لياليها كما شاء المحب مسروقة من الدهر، وصحيحة الهواء، موشية بالنجوم، ومطرزة بالقمر.
 
وفي ظل كل ذلك، لن أنسى حُسن خلق الأهالي في بلادي، خلقٌ لو مُزج به البحر لنفى ملوحته، وصفى كدورته، خُلق كنسيم الأسحار على صفحات الأنوار. خُلق كالماء صفاءً، والمسك ذكاءً، أخلاق أهلها قد جمعت المروءة أطرافها وحرست الحرية أكنافها. أخلاقهم أحسن من الدر والعقيان في نحور الحسان، أزكى من حركات الريح بين الورد والريحان، كما أن الأهالي في «أسوان» رفقاء الجود، وزملاء الكرم، فجودهم بحر لا يظمأ وارده ولا يمنع بارده، غوثه موقوف على اللهيف وعونه مبذول للضعيف. يطغى جودهم على وجودهم، وهمتهم على قدرتهم. يُوجب الصلات كوجوب الصلاة، وينابيع الجود تتفجر من أناملهم. إن أهلها يهتزون عند المكارم كالأغصان ويثبتون عند الشدائد كالأركان، ولا مكارم إلا ما صدر عن خلائقهم، وغمائم كرمهم تفيض ومآثر جودهم تستفيض، يرون تحمّل المغارم من أعظم المغانم، خُلقوا من طينة كريمة، وجُبلوا على أحسن شيمة «يا بلدي يا ناس، قلوبكم ماس».. وأؤكد لكم أن من زار «أسوان» أو سيزورها فلن يصبر عنها أبدًا.
 
ياليت حياتي وإقامتي تُبعث فيها من جديد؛ فهي عشي الذي فيه درجت، ومنها خرجت، مقطع سُرتي، ومجمع أُسرتي، بلدة أنشأتني تُربتها، وغذّاني هواؤها ورباني نسيمها، وحلت عني التمائم فيها.. ألا ليتني أستطيع أن أقضي آخر أيامي في تلك البلدة الحبيبة دون أن أبرحها أبدًا.. وأختم حديثي عنها دون أن أوفيها حقها بتكرار دعوتي لكم بزيارة خليلتي «أسوان».
 
تم نسخ الرابط