رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : مصطفي الأسواني
لقد كشف لنا الإعلامي الساخر الدكتور باسم يوسف، عندما عاد ببرنامجه «البرنامج» ليبث فينا الروح من جديد بعد غياب وغموض طال لأربعة أشهر، عن مدى الانقسام والتخلف الذهني الكبير الذي تعيشه شرائح واسعة في المجتمع المصري بصفة خاصة، بالرغم من الإعجاب الشديد الذي قوبلت به عودته بعد عرض الحلقة الأولى من هذا الموسم، بكسره المحظور وتوزيعه الانتقادات لتطال حتى من كاد يُنصب مقدسًا.
 
وإن كُنت ممن ميزهم الله بنعمة العقل، وتنتمي إلى هؤلاء الذين كانوا في مقدمة صفوف «الربيع العربي» بصفتهم الوجه المدني الديمقراطي الأنقى لتلك الثورات قبل أن تشتتهم قبضات جماعة الإخوان والسلفيين، وقبل أن يسحقهم بطش العسكر، هؤلاء الذين جاءوا من خارج عباءة تيار الإسلام السياسي وأبُوة العسكر، ستجد أن باسم يوسف كان حريصًا على توزيع نقده اللاذع على ما وصفه بـ«فاشية الإخوان» و«فاشية العسكر» و«انقسام المجتمع» ما بين هذين الفريقين، ستلاحظ هذا فقط إن كنت منتميًا إلى هؤلاء الذين ذكرتهم آنفًا.
 
ولكن «لماذا علينا أن نهتم بما قاله الكوميدي الساخر الأهم في الساحة العربية اليوم باسم يوسف وبما سخر منه؟»؛ لأنه تناول بالسخرية تزلف الإعلام، وتأليه الأشخاص وتحديدًا الفريق عبد الفتاح السيسي، دون أن يفقد خفته وقدرته الهائلة على إضحاكنا على أنفسنا وعلى الوضع القاتم الذي نعيشه، ولم ينسَ أن يحذر من استمرار سياسة إسكات الصوت المخالف من خلال تقديمه لفقرة «الأذرع التي تمتد لتحاول أن تسكته»، وأعطى جرعة حياة جماهيرية إلى أولئك العابرون للثورات وللدول وللأفكار، أولئك الذين صمتوا كثيرًا لشعورهم بأنهم وحيدون ومشتتون، ولا قدرة لسلميتهم على مواجهة فتاوى القتل واتهامات العمالة والإرهاب، هؤلاء الذين لا تجمع واضحًا لهم، وليس إلى تلك الأصوات المستاءة سواء من «الإخوان» أو من مؤيدي «السيسي» والعسكر.
 
وفي هذا السياق، أستميحكم عذرًا بأن أذكركم بأنه قبل 30 يونيه، كان ممثل جماعة الإخوان في القصر الرئاسي محمد مرسي ومناصريه لا يرون أن حرية الإعلام حق يكفله الدستور، بل يعتبرون أن نقد رئيسهم الخائر هو مساس بالإسلام نفسه، واتضح أن صدورهم لا تتسع بمنتقديهم، وصاروا يهددون منتقديهم بالسجن، بعد أن صدّقهم الناس واختاروهم بناءً على وعودهم بأنهم من سيقيم العدل وفق منهج «فإنْ أخطأت فقوموني»، لكنهم لم يطيقوا صبرًا مع تقويم برنامج تلفزيوني ساخر تقتضي طبيعته النقد ويقتضي دوره الإعلامي وضع الشخصيات العامة والمسؤولة تحت الضوء.
 
خلال الفترة الماضية، تمكن «باسم يوسف» بالضحك من كشف عورات تنظيم جماعة الإخوان، وخلع عنه بالنكتة الذكية رداء التقوى الزائف، وفند باللسان اللاذع خطابه المستغل للدين لشطب الآخر المختلف، وفضح «الجماعة» التي تتسامح مع الفاسد ولا تسامح المفكر، تقول شيئًا وتفعل نقيضه.
 
واليوم، أجد أن المضحك، هو أن الكثير ممن يمجدون الأشخاص ويؤلهونهم من مؤيدي «السيسي» أو «العسكر» سارعوا بتقديم بلاغات وقضايا ضد باسم, متهمة إياه بإذاعة بيانات كاذبة من شأنها تكدير الأمن العام, وإلحاق الضرر بالمصلحة العامة, والعمل على إشاعة الفوضى في البلاد, وإثارة الفتنة, وتهديد الأمن والسلم الاجتماعي!! بل لقد اُتهم أيضًا بـالسخرية من الشعب المصري بأكمله, والقوات المسلحة, والاستهزاء من كل الرموز الوطنية الشريفة في المجتمع, دون احترام للأعراف والتقاليد!!.. فهم بهذا لا يختلفون كثيرًا عن بعض شيوخ الإخوان والسلفية الذين عجزوا عن منع باسم يوسف من الكلام، وكذلك أنصار «أبو إسماعيل» الذين فشلوا في إرهاب الإعلاميين بحصارهم لمدينة الإنتاج الإعلامي والصلاة أمام بوابتها والدعاء على «الإعلاميين الذين يرضعون من ثدي الشيطان»، فاضطروا أخيرًا إلى اتهام باسم يوسف بتهمة الإساءة إلى الدين، على اعتبار أنهم «الإسلام نفسه يتحدث ويمشي على الأرض»، فهم يؤمنون بأن الإسلام لا يحتاج إلى دليل سوى «لحية طويلة وزبيبة»، ولا حرج بعد ذلك في ما يفعلونه أو يقولونه، بل ويستخدمون الإسلام لتبريره.
 
إن ما كان يقوله باسم يوسف في برنامجه قبل عزل رئيس الإخوان محمد مرسي، لا يعادل الألفاظ البذيئة التي يهاجمه بها أنصار تيار الإسلام السياسي من الإخوان والسلفيين، الذين ظهروا في قنواتهم وشتموه بأقذع الألفاظ، وقد بررتْ هذه الشتائم بالقول «إن الله ذم الكفار وأن الرسول ذم مخالفيه»، وقد كانت هذه هي محصلة وصول الإخوان إلى السلطة، «نشر الشتائم وفق تبريرات إسلامية».
 
وبالرغم من بعض الإيحاءات الجنسية المبالغ فيها، والتي أطالبه بأن يخففها، إلا أن «باسم يوسف» لم يقل كلامًا نابيًا بحق «عدلي منصور، والسيسي، والببلاوي»، ومن قبلهم المعزول «مرسي»، لكنه يذيع مشاهَد مسجلة تُظهر المسؤولين متناقضين في أقوالهم، وهذا ليس خطأ باسم، بل هي ورطة تتسبب بها كثرة خطاباتهم الاستهلاكية غير المصحوبة بأفعال على أرض الواقع، كذلك فإن براعة باسم يوسف وسخريته ونقده المتحرر وشجاعته مكّنوه من اتقان فن الهزل وتوجيه الانتقادات اللاذعة، ونجح بانتقاداته الساخرة في تعرية فشل كل من هو في موقع المسؤولية.
 
كما لم يتجنَّ «باسم يوسف» على أحد، بل إن سقطات المسؤولين في لقاءاتهم وخطاباتهم، والتصريحات المريبة لقادة الجماعة والسلفيين، شكّلت مادة سخريته، وبهذا يكون قد نجح في ما لم ينجح فيه أعتى نجوم الكوميديا، لقد أضحك مصر على كل مسؤول وكسر هيبة الكرسي.
 
وشجاعة وجرأة «باسم» جعلته في مصر وخارجها أكبر من حزب أو جبهة، وأشد تأثيرًا على الجمهور، ليس لأنه محميًا بحصانة، أو مدرعًا بقطعان مغيبة مسلحة، بل لأنه لامس قضايا الناس وعبَّر بفجاجة عما يختلج في قلوبهم وصدورهم من أذى وألم وعدم ثقة بما يسمعون ويرون.
 
أيها العقلاء، إن للنكتة قوة، وللكاريكاتير قوة، وللضحكة قوة، لست أتكلم عن الظُرف والظرفاء، الذين يصدرون تعليقات طريفة لفرط حساسيتهم وذكائهم، لست أتكلم عن المسدسات مع فائدتها، بل عن المدفعية الثقيلة التي تدك حصون الباطل في حياتنا، ونحن في أشد الحاجة لها؛ لأن الرؤية حولنا غائمة، فنحن عاجزون عن رؤية ما يحدث لنا وحولنا بطريقة واضحة؛ لذلك كان لابد من قوة نافذة قادرة على الوصول إلى جوهر الأشياء لانتزاع الخطأ من مكانه ووضعه أمام الناس في وضح النهار.
 
 
وأخيرًا وليس آخرًا، لن أكون مبالغًا إذا ما قلت إن مصير برنامج «باسم يوسف» سوف يقرر مصير الحريات في مصر الثورة، فبقدر ما ستبقى هذه الحريات مصانة، سوف يمكن القول إن أهداف الثورة بخير؛ لأنها لا تزال تحت الرقابة الحزبية والإعلامية المباشرة.
تم نسخ الرابط