بقلم : مصطفي الأسواني
في الوقت الذي تتعالى فيه أصوات حركة حماس «المعارضة» لاستئناف محادثات السلام «الإسرائيلية الفلسطينية» التي تجرى حاليًا، تعيش الحركة في خضم إحدى أحلك الاختبارات التي مرت بها على الإطلاق؛ فعلى مدار العام الماضي، تآكلت جميع أركان الدعم الرئيسية التي تستند إليها «حماس» بدرجة أو بأخرى، في الوقت الذي باتت فيه الحركة منقسمة في الداخل بسبب الخلافات السياسية الحادة.
وفي ظل قلق الحركة بشأن احتمال تعرض قبضتها على السلطة في غزة إلى الخطر في المستقبل القريب، يطالب العديد من قادتها مرارًا وتكرارًا باتخاذ إجراءات فورية لتعبئة الرأي العام الداخلي كوسيلة لمواجهة التحديات المحتملة، ومن تلك التحديات؛ ظهور «تمرد غزة»، وهي حركة جديدة تهدف إلى الـ«تمرد على الظلم»، وتدعو هذه الحركة إلى تنظيم احتجاجات جماهيرية حاشدة اليوم 11 نوفمبر، والذي يصادف الذكرى التاسعة لوفاة الزعيم الراحل «ياسر عرفات»، كما أنها تسعى إلى تنظيم إضرابات واعتصامات، تهدف إلى إنهاء حكم «حماس» في قطاع غزة.
وبالرغم من أن العديدين يقولون إن «تمرد غزة»، التي تشكلت بصفة أساسية خارج القطاع في أبريل الماضي، لا تمتلك سوى قدرات محدودة للغاية لكي تشكل خطرًا على «حماس»، إلا أنني أرى أنها تمثل التهديد الداخلي الأكثر أهمية الذي يواجهه فرع جماعة الإخوان في فلسطين على الإطلاق، وأؤكد أيضًا أن «حماس» تأخذ تهديدات «تمرد غزة» على محمل الجد تمامًا.
وأود الإشارة إلى أن «تمرد غزة» قد ظهرت بالتوازي مع «تمرد المصرية»، ومما زاد من تشجيعها للإقدام على ما تخطط له هو نجاح نظيرتها المصرية التي قادت المظاهرات التي ساعدت في النهاية على إسقاط ممثل جماعة الإخوان في قصر الرئاسة محمد مرسي، ودفع ذلك مؤسسوها - الذين شوهدوا في لقطات فيديو مرتدين الأقنعة - للتعبير عن مطالبهم، وقاموا بوضع الخطوط العريضة لمسار عملهم؛ والتي تتمثل في مطالبة «حماس» بسماحها الفوري بتشكيل لجنة انتخابات «دون أي إعاقة أو تأخير» تتولى التنظيم السريع لإجراء انتخابات عامة تحت إشراف عربي وإسلامي دولي.
جدير بالذكر، أن «تمرد غزة» كانت قد حددت يوم 8 نوفمبر الجاري، نهاية الإنذار الأخير الذي منحته لـ«حماس». كما كانت قد أصدرت بيانات عديدة تتهم «حماس» بإهمال مصالح الشعب الفلسطيني، بما في ذلك «حق حرية التعبير والتنظيم السياسي الذي يكفله الدستور». ونددت أيضًا بـ«الانقلاب» الذي جلب «حماس» إلى السلطة بقطاع غزة في يونيو من العام 2007، وعلاوة على ذلك، تتهم «تمرد غزة» حركة «حماس» بإفساد كافة محاولات الوصول إلى مصالحة مع الفصائل الفلسطينية المنافسة، وتحملها المسؤولية عن معاناة أهالي غزة، وإعطاء الأولوية لبقائها السياسي على الاحتياجات العامة للشعب الفلسطيني.
والحق أقول: إن عدد من نشطاء «تمرد غزة» يعملون من مصر، ويتلقون «دعمًا» من الأحزاب السياسية المعارضة لجماعة الإخوان، و«تعاطفًا» من معظم وسائل الإعلام المصرية، و«موافقة» ضمنية من السلطات الحالية. وهذا ما أعتبره - في وجهة نظري – ممثلاً للمشاعر المعادية لـ«حماس» المنتشرة في البلاد منذ أن تولى رئيس الإخوان السلطة في مصر وحتى تم عزله، والاتهامات المتكررة بأن «حماس» تدعم سرًا الإرهابيين في سيناء واحتجاجات أنصار جماعة الإخوان العنيفة في ربوع مصر.
وعلى حد علمي؛ فإن من أبرز أسماء النشطاء القائمين على «تمرد غزة»؛ هم «حازم الصوراني» الذي ينتمي إلى عشيرة مهمة في غزة، و«ختام الفرا» عضوة في عشيرة هامة في خان يونس، و«أحمد الأفغاني» و«إياد أبو روك»، وقد عقد بعض هؤلاء الأفراد اجتماعات عامة في الدقهلية وأماكن أخرى من مصر تحت رعاية سياسيين محليين.
وبالرغم من أن «حماس» أظهرت للرأي العام المحلي والعالمي أنها تقلل من أهمية ما تخطط له «تمرد غزة»، إلا أنها تتعامل مع هذا التحدي بجدية في السر، وأذكر هنا ما هدّد به وزير داخلية «حماس» والمسؤول عن الأمن الداخلي «فتحي حماد»، في عدة مناسبات بأنه سيرد على أي مظاهرات في غزة باستخدام القوة القصوى؛ وفي جلسة مغلقة للقيادة العليا لـ«حماس»، قال حماد: «أريدكم أن تطلقوا النار على رأس أي شخص يخرج ضد حكمنا ولا أريد إصابات»!! وبغض النظر عن صحة تلك التصريحات، التي لا يمكن التحقق من صحتها، تم تنفيذ عدد من حالات الاعتقالات الوقائية في الأسابيع القليلة الماضية، وتحذير بصراحة بعض المشتبه في تعاطفهم مع «تمرد غزة» بعدم المخاطرة، كما تعرض شخص لإطلاق نار في ساقيه وتم نقله على الفور إلى أحد مستشفيات الاحتلال الإسرائيلية.
والأمر الذي يؤكد اعتقادي بأن «حماس» تنتوي مواجهة تهديدات «تمرد غزة» باستخدام القوة القصوى والمفرطة؛ ما قامت به مؤخرًا من نقلها المسؤولية الكاملة عن حفظ الاستقرار في قطاع غزة من جهاز الأمن الداخلي التابع لها بزعامة محمد دبابش، إلى «كتائب عز الدين القسام» - الجناح العسكري للحركة - التي يتولى قيادتها فعليًا في الوقت الراهن يحيى السنوار، والشخص المراوغ محمد ضيف؛ وهكذا سوف يشرف الذراع العسكري لـ«حماس» على ميادين غزة اليوم، وأتوقع أيضًا أن تقوم كوادر «القسام» بدوريات في الشوارع بدلاً من الشرطة المحلية.
واسمح لي قارئي الكريم، أن نلقي نظرة ثاقبة على ما يُضعف من موقف «حماس»؛ وأول ذلك يتمثل في انشغال قادة السلطة الفلسطينية وآخرون في حركة «فتح» بإثارة القلاقل لها. فالرئيس محمود عباس أبو مازن ومساعدوه يدركون تمامًا الأزمات الحالية التي تواجه «حماس»؛ وأكبرها هو الإطاحة بالرئيس محمد مرسي في مصر، وهزيمة الحركة الأم - جماعة الإخوان - في الصراع على السلطة في البلاد، بعدما اعتبرت «حماس» أن صعود «الإخوان» في مصر مصدر قوة كبير لها. فضلاً عن السخط المتزايد بين أهل غزة. وكذلك إغلاق معظم الأنفاق التي تربط رفح بسيناء، وجفاف الدعم المالي من إيران وقطر والمملكة العربية السعودية وغيرها من المصادر، والصراع المرير داخل القيادات العليا لـ«حماس». وبدورها، أفضت هذه المستجدات إلى حدوث انقطاعات متواصلة في الكهرباء، ونقص الوقود، وعدم توفر الإسمنت ومواد البناء الكافية، وتأخير دفع الرواتب للموظفين في القطاع العام، وارتفاع نسبة البطالة بين الشباب من سكان غزة.
ومما يزيد أيضًا من الأزمات التي تواجهها «حماس» في أعقاب ما حدث في 30 يونيو في مصر؛ تعامل السلطات الجديدة في مصر مع «حماس» باعتبارها خصمًا معاديًا، واتهامها بتقويض الاستقرار والتحريض على قيام تدهور أمني سريع في سيناء، ما دفع قوات الجيش إلى إغلاق الحدود مع غزة بشكل محكم، والاكتفاء بفتح معبر رفح بأدنى طاقته الاستيعابية ولفترات متقطعة، وإغلاق المئات من أنفاق التهريب التي حصلت «حماس» عن طريقها على العديد من السلع الضرورية لغزة. وللمرة الأولى منذ سيطرت «حماس» على القطاع، تقوم المروحيات المصرية بجمع المعلومات الاستخبارية عن جنوب قطاع غزة بعد أن حصلت مصر على «موافقة صامتة» من إسرائيل.
وهناك خلافات إقليمية أخرى تزيد من محنة «حماس» في مواجهة تهديدات «تمرد غزة»، منها موقف «الحركة» من الحرب الأهلية المحتدمة في سوريا؛ ومن خلال وقوفها إلى جانب الانتفاضة ضد نظام الأسد اضطرت «حماس» إلى إخلاء مقرها الكبير في دمشق، وقامت سوريا بقطع جميع علاقاتها مع الحركة، وأعقب ذلك حدوث خلاف مع «حزب الله»، وصدور بعض الأوامر لقادة «حماس» المسؤولين عن التعاون الأمني بين المنظمتين لترك معقل «حزب الله» في بيروت إلى جانب وقف الترتيبات العسكرية الحالية بينهما - بما في ذلك امدادات الأسلحة والتدريب وتبادل المعلومات الاستخبارية - وحتى الآن، رفض الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله جميع طلبات «حماس» للاجتماع معه حول هذه الأزمة، بالرغم من أنه قد سُمح لبعض المندوبين بالتحدث مع مساعديه في السفارة الإيرانية في بيروت.
ورغم ما ذكرته آنفًا، تظل الكارثة الأكبر بالنسبة لـ«حماس»؛ هي علاقتها المتوترة مع إيران والتي كانت لسنوات بمثابة الراعي المالي الأساسي لـ«الحركة» ومزودها الرئيسي بالصواريخ بعيدة المدى، والتدريب المتقدم من قبل نخبة أفراد «قوة القدس» التابعة للنظام في طهران وسوريا، وبسبب غضبها من قرار «حماس» بالانضمام إلى الخطاب المعادي للشيعة الذي ألقاه المرشد الروحي لجماعة الإخوان «يوسف القرضاوي»، خفضت إيران بشكل كبير من دعمها الشهري الذي تقدمه لحكومة غزة. وحتى لو لم يفرض الجيش المصري إجراءات صارمة على الأنفاق الحدودية، فمن المفترض أن تكون عمليات تهريب الأسلحة إلى غزة قد توقفت بسبب إصرار طهران على معاقبة «حماس». علاوة على أن آخرين من مقدمي المساعدات لـ«حماس» بدأوا في إغلاق خزانتهم أيضًا؛ فقد تخلَّف مانحان رئيسيان «تركيا وقطر» عن الامتثال الكامل بتعهداتهما. وبالمثل، هناك جهات مانحة من القطاع الخاص من دول أخرى في الخليج الفارسي - وخاصة في الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والكويت - التي تواجه الآن ضغوطًا لوقف تمويلها لـ«حماس»، في الوقت الذي تشن فيه حكوماتها حملة واسعة للحد من نفوذ «الإخوان».
خلاصة ما سبق، هو أن هذا الضعف الحالي لـ«حماس»، والذي يظهر جليًا من خلال صعوباتها المالية الخطيرة والنزاعات الداخلية التي تواجهها، وعزلتها المتزايدة وعدم قدرتها على تنفيذ برنامج التعزيزات العسكرية، يُعني أن قيادة الحركة قد تواجه تحديات متنامية في غزة، في الوقت الذي تتدهور فيه الظروف الاقتصادية. وللمرة الأولى منذ سنوات، قد تسنح الفرص لتشجيع سكان القطاع على الاحتجاج علنًا ضد النظام الاستبدادي وتدابير الإسلام السياسي القاسية لحركة «حماس»، وعلى الرغم من أن تشجيع المعارضة الشعبية الفعالة لحركة «حماس» لن يكون سهلاً، إلا أنه ليس صعب المنال.
وعلى الرغم من الصعوبة التي أواجهها الآن بشأن التنبؤ بما سيحدث اليوم في القطاع، إلا أنه إذا التزمت «تمرد غزة» بدعوتها الحالية إلى تنظيم تظاهرات جماهيرية وإضرابات واعتصامات. فستقوم «حماس» على الفور بنشر قواتها في جميع أنحاء القطاع، كما ستصدر تحذيرات صارمة للسكان بالابتعاد عن أي محاولة للتسبب في الفوضى، وهذا ما سيجل العديد من الأهالي يفضلون تجنب العقاب من «حماس»، وسوف ينتظرون رؤية ما ستسفر عنه أحداث اليوم. وبناءً عليه، فمن الأهمية بمكان أن تكون «تمرد غزة» وحلفائها قد نجحوا في إقناع أعداد كبيرة من السكان بالنزول إلى الشوارع في وقت مبكر اليوم؛ لكي تُظهر حقيقة التحدي الذي تواجهه «حماس»، التي «لن تتردد في الرد بالأسلحة النارية» في حال إذا تجرأ المتظاهرون على تحدي هذه التوقعات والنزول إلى الشوارع لمواجهة ظلم وقمع «حماس».



