بقلم : مصطفي الأسواني
.jpg)
«يجب على المصريين اليهود في إسرائيل العودة إلى مصر، حيث إنه لا يجوز أن يحرم مصري من جنسيته ومن العيش على أرضها، ومصر أولى بأولادها من أي دولة أخرى، والحل للقضية الفلسطينية في أن يخرج الإسرائيليون من الأراضي الفلسطينية، وجزء من تلك الخطوة هي عودة اليهود إلى مصر»، بهذه الدعوة تسبب الدكتور عصام العريان- نائب رئيس الحزب الحاكم ومستشار رئيس الجمهورية، في إحداث صدمة لملايين المصريين الشرفاء الغيورين على وطنهم.
هذه الدعوة السخيفة أصابتنا بالحيرةُ في كيفية التعامل معها، وبالشك والريبة في قائلها، وبالرغم من أن مؤسسة الرئاسة وجماعة الإخوان تبرأوا منها، إلا أن رفضهم لها لم يكن على المستوى المطلوب أو بالقدر الكافي، كما كان على استحياء أيضًا، في حين أنها تسيء للمصريين جميعًا.
ولديّ يقين بأن تصريحات «العريان» لم تكن معبرة عن رأيه الشخصي كما ادعى؛ فمن المستحيل أن يُصدر أحد المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين أي تصريح إلا بعد موافقة مكتب الإرشاد، والحصول على إذن خاص من المرشد العام للجماعة، خاصة وإن كانت ستصدر من أحد قيادات الجماعة وأحد الأعضاء السابقين في مكتب الإرشاد مثل الدكتور عصام العريان!!
في المقابل، قوبلت دعوة «العريان» برفض يهود مصر المهاجرون إلى إسرائيل، العودة إلى مسقط رأسهم، بحسب قول أحد القياديين من يهود مصر المهاجرين، عازي نجار- رئيس جمعية المطالبة بحقوق اليهود من مهاجري الدول العربية، والذي وصف تصريحات العريان، بأنها «لعب أولاد وليست حكيمة ولا منطقية»، خاصة في ظل ووصول أحد أبناء جماعة الإخوان المسلمين إلى سدة الحكم في مصر.
وهذا ما أعتبره «صفعة» لدعوة «العريان» لليهود بالعودة إلى مصر، فهم ليسوا مجانين ولا أغبياء ليجيبوا دعوته، التي أطلقها بحجة أن الزعيم الراحل جمال عبد الناصر طردهم بعد حرب السويس ظلمًا وعدوانًا، وبحجة أن ذلك سيُفسح المجال للإخوة الفلسطينيين كي يستوطنوا إسرائيل!!.. وهنا أجدني أتوجه بسؤال للواثق من نفسه الدكتور «العريان»، من قال إن إسرائيل ستسمح أصلاً بتوطين الفلسطينيين فيها سواء تركها اليهود الذين أتوا من مصر أو لم يتركوها؟
يا دكتور عصام، إن ما يريده اليهود في إسرائيل -وهم قلة- الذين كانوا يقيمون في مصر ليس العودة إليها، وإنما التعويض عن ممتلكاتهم فيها، التي لديهم تقديرات معروفة عنها تصل إلى 30 مليار دولار، وفق ما أعلنته أخيرًا مؤسسة «يهود مصر» ومقرها باريس، وأؤكد لك أيضًا، بأن اليهود لن يعودوا إلى اليمن، البلد الذي يسيطر عليه تنظيم القاعدة، ولن يعودوا إلى تونس ولا المغرب أيضًا؛ وذلك لإيمانهم بوجود دولة يهودية يعيشون فيها، فلماذا إذًا يعودون إلى دول لا تحترم حقوق الأقليات، وهم يرون أنهم ينعمون بالديمقراطية؟!
يا دكتور عصام، هل تعلم أنك بدعوتك السخيفة تلك فتحت ملفًا ظلت مصر ترفضه طوال الـ40 عامًا الماضية، ومنحت يهود مصر حق المطالبة الرسمية للتعويض عن ممتلكاتهم لدينا؟، لذا أنصحك بالاهتمام بمشاكل مصر الداخلية بدلاً من هذا الكلام الفارغ، أو أن تلتزم الصمت.
ولمن لا يعلم، فإن هذا الملف أُعيد فتحه بعد أن أرسلت مؤسسة «يهود مصر» إلى رئاسة الجمهورية رسميًا في يوليو الماضي، تطالب بهذه الممتلكات، وحددت مبلغ 30 مليار دولار قيمة لها، وما جاءت دعوة «العريان» الأخيرة إلا استجابة من جماعة الإخوان المسلمين لهذا الطلب.
وكما عودتنا جماعة الإخوان المسلمين على أنها تتنكر لحقائق التاريخ وتعمل جاهدة على تزييفه؛ فلقد ردد الدكتور «العريان»، في كثير من المحافل والحوارات لعدد من الصحف الأجنبية، أن الزعيم الراحل جمال عبد الناصر لم يهتم قطعًا بالشعب ولا بالديمقراطية، وتناسى أن جماعة الإخوان المسلمين كانت زمن الزعيم عبد الناصر تتعامل مع المخابرات «البريطانية والسعودية»، تقبض الأموال، حسب ما هو مكشوف وموثق الآن، من أجل تسلم الحكم بعد العدوان الثلاثي على مصر العام 1956، ولم يكن ذلك قطعًا تنفيذًا لأي برنامج وطني ولا لبناء الديمقراطية في مصر.. واليوم نجد «العريان» أيضًا يلقي بمسؤولية ترحيل اليهود المصريين على نظام الزعيم عبد الناصر وحده، منكرًا لحقيقة سجلها التاريخ بأن سياسات «الجماعة» التي ينتمى لها «العريان» كانت أحد الأسباب الرئيسية في تهجير اليهود المصريين.
ومن الواجب علينا أيضًا، أن نذكّره بأن جماعة الإخوان المسلمين منذ نشأتها لم تكن تنظر لليهود المصريين على أنهم مصريون كاملو الأهلية، بل كانت دومًا تشكك في انتمائهم لمصر، وكثيرًا ما ادّعت بأنهم المستعمرون الحقيقيون للهند وليس الإنجليز، فضلاً عن أعمال العنف والتخريب التي شنتها «الجماعة» ضد مصالح اليهود في مصر، حتى تلك غير المملوكة للصهاينة في نوفمبر من العام 1945، أو أعمال القتل الأكثر دموية التي اندلعت ضد اليهود في القاهرة والإسكندرية عام 1948، والتي انتهت باغتيال رئيس الوزراء المصري محمود فهمي النقراشي.
وأعتقد أن «العريان» يسعى جاهدًا لاسترضاء دول الاتحاد الأوروبي بصفة عامة والولايات المتحدة بصفة خاصة، بدعوته تلك، في محاولة لنفي تُهم معاداة جماعة الإخوان للسامية؛ فمعروف أن اليهود الذين يتحدث عنهم نائب رئيس الحزب الحاكم لا يرغبون في العيش بمصر، وإلا فلماذا لم يعودوا في عهد الرئيس الراحل أنور السادات بعد توقيع اتفاقية «السلام البارد» مع إسرائيل؟، وهذا ما يؤكد أن «العريان» يظن بأن دعوته هذه ستمحو السجل الدموي لجماعة الإخوان المسلمين من الذاكرة!!.. يا دكتور عصام، اتقِ الله، وكفاكم استخفافًا بعقول الأمة المصرية، ولا تنسوا ماضيكم؛ فالشعوب أدرى بالتاريخ.



