رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : مصطفي الأسواني
في أعقاب انتفاضتين جماهيريتين أطاحتا بنظامي حسني مبارك القمعي القميء، والإسلام السياسي الفاشل ممثلاً في جماعة الإخوان، التي لم تُفعل طوال عام كامل سوى «الأخونة» وإعادة إنتاج نظام «التبعية والارتهان» للغرب وللمساعدات، أرى أن مصر اختارت اليوم أن تنحاز لعروبتها واستقلالها الوطني، وأن تبدأ مرحلة الكرامة القومية الرافضة للابتزاز ووضع كل البيض في سلّة أمريكا التي لا تُخفي ربط «المساعدات» بالشروط السياسية، وآخرها ما نشر عن مطالبتها بعدم محاكمة سيء الذكر محمد مرسي، والإفراج عنه.
 
وعملت مصر أيضًا، على إعادة بناء علاقاتها القوية مع دول مجلس التعاون الخليجي، التي أظهرت دعمًا سياسيًا وماليًا قويًا للقاهرة في أعقاب الإطاحة برئيس الإخوان المعزول محمد مرسي، وخاصة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت، فضلاً عن معارضة القاهرة لخيار توجيه ضربة عسكرية ضد سوريا، كما تواصلت مصر بجهد مع الدول الإفريقية لاستعادة مقعدها في الاتحاد الإفريقي. علاوة على عزم مصر العمل على حل نزاعها مع إثيوبيا بشأن مياه النيل سلميًا، ضمن ما يسمى بـ«الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية»؛ لتعزيز التعاون مع الدول الإفريقية.
 
كما قام القادة الجدد في مصر أخيرًا بتكثيف حركتهم على جبهة العلاقات المصرية الروسية «القديمة الجديدة»، وهي حركة غير مسبوقة منذ العلاقات بين مصر في عهد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر والاتحاد السوفييتي. واليوم سيصل القاهرة وزيرا الدفاع والخارجية الروسيان، سيرجي شويجو وسيرجي لافروف؛ الممثلان لـ«رأسي العسكرية والدبلوماسية» في موسكو، على رأس وفد يضم مسؤول دائرة التعاون العسكري وممثلين لشركة «روس أوبورون إكسبورت» الحكومية الروسية لتجارة الأسلحة، في زيارة هي الأولى على هذا المستوى في تاريخ العلاقات بين البلدين.
 
وليس هناك أوضح من أن هذه الزيارة تمثّل فصلاً جديدًا في مسيرة العلاقات بين موسكو والقاهرة، وإحياءً للعصر الذهبي بينهما، من أن هذين الوزيرين لا يزوران معًا، وفق صيغة تسمى في موسكو (2+2)، سوى دول كبرى مثل «الصين وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة»، وبناءً على ذلك، أتوقع أن يزور «الثعلب الروسي» الرئيس فلاديمير بوتين، مصر قبل نهاية العام، وستكون بمثابة تتويجًا للزيارتين العسكرية والسياسية، وفي الوقت نفسه نقلاً لانطلاقة العلاقات المصرية الروسية إلى بداية أعلى مستوى وشأنًا، وحينها سيكون التدشين السياسي لعهد استعادة مصر لما كانت عليه من دور وفاعلية في عهد «عبد الناصر».
 
في السياق ذاته، أود لفت الانتباه إلى أن الروس كانت لهم علامات استفهام على موجة الثورات العربية بشكل عام، فقد كانوا في البداية متشككين، ومدفوعين بالسؤال: وماذا بعد؟ وكان تحليلهم أن الأمور ستؤول في نهاية الأمر إلى قوى الإسلام السياسي الذي يتخوفون منه بشكل كبير، مدفوعين بتجربتهم في الشيشان، لكنهم عقب سقوط معمر القذافي في ليبيا، بدأوا في العمل للحيلولة دون سقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد وخسارة دولة أخرى حليفة، وها هم الآن يدخلون مرحلة جديدة ليس فقط عبر مساعدة نظام يتهاوى كما هو الحال في دمشق، وإنما عبر مزاحمة الأمريكيين في ملعب استراتيجي انفردوا به طوال أربعين عامًا من حكم الرؤساء «أنور السادات، وحسني مبارك، ومحمد مرسي»، وبين الأخيرين والمجلس العسكري برئاسة المشير حسين طنطاوي.
 
وما ذكرته آنفًا يفرض علينا جملة من الأسئلة بشأن توقيت عودة هذا التعاون: هل هذا له علاقة بتعليق أجزاء من المساعدة العسكرية الأمريكية للقاهرة، أو لتقليل نفوذ الولايات المتحدة في مصر؟ وهل يندرج فعلاً في خانة بعث الروح في التعاون العسكري الكبير بين القاهرة وموسكو؟ وهل يتم ذلك التعاون على مختلف المستويات في السر ودون علم واشنطن؟ وهل باستطاعة مصر شراء الأسلحة والمعدات العسكرية الباهظة الثمن في ظل أزمة اقتصادها الخانقة؟ وما العقود التي يمكن لروسيا أن تجنيها في مصر؟ وكيف ستتصرف أمريكا حيال هذا الأمر؟
 
وقبل الإجابة على ما سبق، دعنا نتفق أولاً على أن هذا التعاون وتبادل الزيارات لم ينتج فجأة أو بلا مقدمات، بل كانت هناك تفاهمات سابقة ناقشت التفاصيل في السر بين القاهرة وموسكو، وكانت زيارة رئيس الاستخبارات الروسية الجنرال فيكسلاف كوندراسكو، نهاية أكتوبر الفائت، إحدى هذه المقدمات، وكانت بمثابة إشارة إلى أن مصر تتجه الآن صوب المعسكر الشرقي لإحياء العلاقات الروسية المصرية، ما يمثّل تلويحًا للولايات المتحدة بأن القاهرة تستطيع إعادة رسم علاقاتها الدولية مرة أخرى؛ وهذا ما أربك الحسابات الأمريكية، لاسيما أن روسيا عضو تجمّع «بركس» الذى يضمّها مع «البرازيل والصين والهند وجنوب إفريقيا»، وهو تجمّع اقتصادي يهدف أساسًا لمواجهة التسلط الأمريكي الغربي على التجارة الدولية.
 
وفيما يتعلق ببعث الروح في التعاون العسكري الكبير بين القاهرة وموسكو؛ وجب التوضيح بأن التعاون العسكري بين البلدين لم ينقطع أساسًا، وهناك اتفاقيات موقعة مازالت سارية تخص بالأساس منظومة الدفاع الجوي. كما أن تلك الاتفاقيات العسكرية لم تكن سرًا على الولايات المتحدة، فقد كانت على علم وإطلاع بذلك، وهذا ما يشير إلى أن محاولة القاهرة استعادة شيء من الزخم في التعاون العسكري مع موسكو لا يعني التوجه لمقاطعة التعاون العسكري مع أمريكا؛ بمعنى أن مصر قررت اعتماد فكرة «تنويع مصادر السلاح» منذ فترة، وليس كما يشاع حاليًا بأن هذا التوجه مبني في الأساس على قرار الوقف الجزئي للمساعدات العسكرية الأمريكية.
 
وبالرغم من أن مصر تمر بأزمة اقتصادية خانقة، إلا أنني أؤكد أن باستطاعتها شراء الأسلحة والمعدات العسكرية باهظة الثمن من موسكو، وذلك إذا ما أخذنا بعين الاعتبار ما أكده مسؤول الشركة الروسية لتجارة الأسلحة، اهتمام بلاده بتوريد السلاح الجديد إلى مصر، وتصليح المعدات التي تم توريدها في عهد الاتحاد السوفيتي، وتزويد القاهرة بطائرات حديثة ومنظومات صواريخ دفاع جوي بطرق مرنة ومبسطة وفي صورة دعم عسكري من روسيا، وأول ما سيتم إنجازه خلال الاجتماع الذي سيجمع بين «السيسي وشويجو» اليوم، توريد أسلحة روسية إلى مصر بقيمة أكثر من 4 مليارات دولار.
 
وبالنسبة لما ستجنيه موسكو من تعاونها مع القاهرة؛ أولاً مصر تُعد بديلاً استراتيجيًا جديدًا لروسيا في الشرق الأوسط بعد ضعف موقفها في سوريا جراء الثورة ضد نظام بشار الأسد، فضلاً عن العلاقة مع مصر ستفتح المجال واسعًا أمام روسيا للنفاذ إلى إفريقيا، وأن تحفظ مصالحها فى البحرين الأبيض والأحمر، إلى جانب المحيط الهندي، وعلينا ألا نغفل الدور الذي تلعبه موسكو في التوصل إلى صياغة تفاهم «أمريكي إيراني» يقضي بتخفيض متزامن في المشروع النووي الإيراني والحصار الاقتصادي الغربي ضد طهران، وهذا ما دعاها إلى اقتناص فرصة التعاون من جديد مع مصر - والتي قد لا تتكرر مرة أخرى في أي مدى منظور - التي تمثل لروسيا من ناحية استراتيجية فرصة لأن تقف على أرض ثابتة في منطقة متقلبة بصراعاتها، بما يؤكد دورها العالمي ويوازن واشنطن اللاعب الأساسي الدولي فيها.
 
أما موقف الولايات المتحدة حيال هذا التعاون، كان في بدابة الأمر مجرد استهتار من واشنطن؛ لقناعة الإدارة الأمريكية بأن مصر لن تجرؤ على مثل هذه الخطوة في ظل أوضاعها السياسية والاقتصادية الحالية، لكنها أدركت مؤخرًا أن القاهرة قررت خرق قواعد لعبة تحديد المصير في «البيت الأبيض»، وعلى الفور كلفت وزير خارجيتها جون كيري، الأسبوع الماضي، بالذهاب إلى القاهرة بلا سابق إنذار، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ووقف نزيف العلاقات مع مصر، ولمنعها من المضي قدمًا في تفاهماتها السياسية والعسكرية مع روسيا.
 
وفي سياق متصل، فإن موسكو منذ صعود نجم حزب «روسيا الموحّدة» بقيادة الاستخباراتي المحنك فلاديمير بوتين، شقّت طريق العودة إلى هيبتها وقوّتها كدولة عظمى، وبرهنت على أن «الدب الروسي» أنهى بياته الشتوي. ولعل يقظة موسكو إزاء خطط الغرب بنشر الدرع الصاروخية في أوروبا بما يصل إلى مشارف روسيا، وكذلك عودتها كلاعب أساسي غير قابل للتجاوز في الملفات الإقليمية، كملفي إيران وسوريا، مؤشرات على استعادتها موقعها في القطبية الدولية، وهي المعادلة التي تحتاج إليها البشرية كلّها بعدما جرّبت الأحادية القطبية وكانت نتيجتها الحروب والغزوات الاستعمارية، والتدخّل السافر والفج في الشؤون الداخلية للعديد من الدول.
 
خلاصة القول؛ إن العالم الآن في طور إعادة التشكيل بعد عالم «القطب الواحد» منذ بداية التسعينيات، وفي هذا العالم الجديد متعدد الأقطاب، يكون الرهان على طرف دولي واحد «رهان خاسر». ولا يخفى على أحد أن أي بلد له في علاقاته الدولية حدّان؛ الأول هو التحالف الكامل، والثاني هو القطيعة الكاملة، وما بين هذين الحدين هناك مساحة واسعة للغاية، وهذا ما تعمل القاهرة على استغلاله بتقاربها مع موسكو بهدف كسر احتكار السلاح الأمريكي ولغة العجرفة التي تستخدمها في الشأن المصري، مع عدم الدخول في صِدام مع واشنطن وخوض حرب تكسير عظم ضدها؛ أي أن روسيا لن تحل محل أمريكا، ولكنها ستساعد في انحسار دور الولايات المتحدة في العالم وفي منطقة الشرق الأوسط تحديدًا، ومصر بصفة خاصة.

 

تم نسخ الرابط