بقلم : مصطفي الأسواني
.jpg)
لا شك في أن من ينتمون لتيار الإسلام السياسي المسيطر على مقاليد الحكم في مصر اليوم يتفادون أي صدامات مع الخارج، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي، ونلاحظ أنهم يظهرون تملقًا شديدًا للعديد من الدول التي كانت من ألّد أعدائهم حتى وقت قريب، تلك الدول التي احتلت أولويات خطابات تيار الإسلام السياسي السياسية والدينية، وكذلك انتقاداته لنظام الرئيس السابق حسني مبارك، الذي كان على علاقات جيدة معها.
وبسبب العديد من التغييرات والتحولات على مدى العامين الماضيين في دول ما يسمى بـ«الربيع العربي»، وخاصة في مصر، نجد أن العلاقات «الأمريكية - المصرية» زاد تعقيدها؛ حيث إن ما سيحدث في مصر في المستقبل القريب له تبعات ضخمة ليس فقط للشرق الأوسط، بل للعالم وللولايات المتحدة وإسرائيل تحديدًا، ففي حال عدم احترام مصر لمعاهدة «السلام البارد» المبرمة مع إسرائيل، فأمريكا قد تواجه خطر اندلاع حرب.
لذا نجد أن واشنطن تعمل على منع القادة الجدد من تيار الإسلام السياسي من التساهل مع الإرهابيين، أو القيام بحمايتهم، خشية أن تواجه هي وطفلها المدلل «إسرائيل» خطر وقوع هجمات جديدة، وتضع في حسبانها أيضًا أنه إذا انهار اقتصاد أكبر دولة عربية، فقد تهوي المنطقة بأكملها في ركود تام، وتعلم جيدًا أنه إن تم وأد الديمقراطية في مصر، فسوف يكون لذلك انعكاسات سلبية في دول الربيع العربي.
ولتتجنب واشنطن ذلك، سنشهد لقاءات بين جماعة الإخوان المسلمين وحماس من جهة وبين إسرائيل من جهة أخرى برعاية «قطرية – أمريكية» قريبًا، فكل هذه الأمور أصبحت واردة تمامًا بعد تصريحات القيادي بجماعة الإخوان الدكتور عصام العريان، بترحيبه بعودة اليهود المصريين من إسرائيل إلى مصر، في الوقت الذي يجري فيه التضييق التشريعي والاجتماعي والاقتصادي على المصريين الأقباط والمسلمين في آنٍ واحد.
*****
إن الصعوبات السياسية والاقتصادية المتزايدة التي تواجهها مصر سوف تشكل العديد من مصادر القلق السياسي للإدارة الأمريكية بزعامة باراك أوباما، خلال فترة ولايته الرئاسية الثانية، وهذا ما يجعله أيضًا على وشك مواجهة أزمة أكثر إلحاحًا على المدى القصير، متمثلة في اندلاع هجمات إرهابية جديدة في سيناء، والتي ستُعجّل من حدوث أزمة عسكرية خطرة بين مصر وإسرائيل، ومن الممكن أن تستغلها جماعة الإخوان المسلمين الحاكمة كذريعة لتخفيض العلاقات «المصرية - الإسرائيلية»، أو إلغاء معاهدة «السلام البارد»، لذا نجد أن الإدارة الأمريكية تمارس ضغوطًا كبيرة على الرئيس محمد مرسي لفتح قنوات اتصال مباشرة مع الحكومة الإسرائيلية؛ لضمان إدارة أي أزمة من هذا القبيل بطريقة مسؤولة.
فمن المعروف أنه في حال وقوع هجوم إرهابي من سيناء سيهدد العلاقات «المصرية - الإسرائيلية»، وهذا أمر حتمي؛ نظراً لعدم الاستقرار الحاد في سيناء وحالة الفراغ الأمني التي تشهدها المنطقة منذ انهيار الأجهزة الأمنية في يناير 2011، وإسراع المنظمات الإرهابية الجهادية إلى ملئه، وأصبح شمال سيناء ملاذًا آمنًا، وقاعدة يشن من خلالها الجهاديون هجماتهم ضد إسرائيل، هادفين من وراء ذلك إلى تحقيق هدفين، هما قتل الإسرائيليين، وإثارة مواجهة دبلوماسية بين مصر وإسرائيل.
في الوقت ذاته، نجد أن إسرائيل لديها مبدآن يُوجهّان سياستها نحو مصر في ظل حكم جماعة الإخوان؛ الأول هو عدم التدخل في السياسة الداخلية لمصر، فمنذ الإطاحة بالرئيس السابق مبارك، امتنعت الحكومة الإسرائيلية عن الإدلاء بأي تصريحات في وسائل الإعلام أو المحافل الدولية التي يمكن أن يُنظر إليها على أنها تدخل إسرائيلي في الحياة السياسية لمصر، والثاني تأكيد إسرائيل على أهمية الحفاظ على معاهدة «السلام البارد»، وانتهاز أية فرصة لتكرار هذا الموقف علنًا وسرًا.
وبالرغم من التغيير الذي حدث خلال العامين الماضيين، إلا أن العلاقة «المصرية - الإسرائيلية» لم تتضرر بعد؛ حيث الحوار والعلاقات اليومية بين مسؤولي الدفاع والشؤون الخارجية والاستخبارات في البلدين ما زلت مستمرة، ومع ذلك، لا يمكن قول الشيء نفسه عن أعلى مستويات الحكومة؛ حيث لا يوجد حوار بين الرئيس محمد مرسي والقادة الإسرائيليين حول القضايا الثنائية أو النزاع «الإسرائيلي - الفلسطيني»، وهذا ما يدفع إسرائيل إلى أن تظل يقظة لضمان أن مصر في عهد الإخوان تنتهج نهجًا عمليًا تجاه العلاقات الثنائية، خاصة فيما يتعلق بالمعاهدات الدولية.
*****
وبالتمعن في صميم الموضوع، نرى أن إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما، تركز على ضمان قيام الرئيس مرسي بفتح قنوات اتصال مباشرة مع الحكومة الإسرائيلية، وتسعى جاهدة إلى إبلاغه بأن غياب هذه القنوات سوف يُعقِّد جهود احتواء الأزمات المستقبلية بين مصر وإسرائيل، الناجمة عن سيناء، باعتبار أن ذلك سيهدد الاستقرار الإقليمي، ويضر بشكل أكبر بقدرة الحكومة على جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية التي تحتاجها بشدة الآن.
ولاحقًا، أكدت الإدارة الأمريكية صراحة، أن المساعدات الاقتصادية والعسكرية لمصر هي استثمارات في مصر -التي تحافظ على العلاقات السلمية مع جيرانها- وأنه لا يمكن تجنب الوضع الراهن الذي يؤدي فيه اندلاع أي شرارة في سيناء إلى المخاطرة بتمزيق العلاقات الدبلوماسية بين مصر وإسرائيل، كما نجد أوباما يمضي في طريقه لإقناع الرئيس مرسي بأن التعاون «المصري - الإسرائيلي» لوقف تدفق الأسلحة بين سيناء وغزة قد يمثل نقطة انطلاق للاتصال المباشر بينه وبين إسرائيل، وسيُخبره أيضًا بأن مشاركته في هذا الجهد ستكون بمثابة اختبار هام حول ما إذا كان سيضع المصالح الوطنية أم المساعي الأيديولوجية في سلم الأولويات.
*****
وفضلاً عما سبق، فإن الولايات المتحدة تعتبر أن معاهدة «السلام البارد» بين مصر وإسرائيل تمثل خطًا أحمرًا واضحًا، وبطبيعة الحال، فإن جماعة الإخوان المسلمين طمأنت واشنطن بخصوص ذلك، وهذا ما بينّته أمريكا بتأكيدها المستمر على أنها في معظم الاجتماعات التي عقدتها مع جماعة الإخوان ومسؤولي الحكومة، عبروا لها فيها عن التزام مصر بالمعاهدات الدولية، ومع ذلك، فلم يتضح بعد إن كان الرئيس مرسي سيتكيف مع واقع العلاقات مع إسرائيل، أو أنه سيواصل المقاومة، ولكن ربط المساعدات الأمريكية بتعاونه المستمر، سوف يُمثل حافزًا كبيرًا كي يلتزم بالسلام مع إسرائيل، وهذا ما يرجح الاحتمال الأول بشدة.
وأخيرًا، وفي ظل ذلك الاختلاف السياسي بين مصر والولايات المتحدة في أعقاب ثورتنا المجيدة، أؤكد أن واشنطن حريصة كل الحرص على دعم التعاون الوثيق مع الجيش المصري؛ للإبقاء على العلاقات بين الدولتين حال فشل حكم جماعة الإخوان في تحقيق ذلك، وأعتقد أيضًا أن تقوم الإدارة الأمريكية بتخصيص ملايين الدولارات من التمويل العسكري الأجنبي للولايات المتحدة ليذهب نحو ترسيخ الأمن وإرساء الاستقرار في سيناء، وستقوم كذلك بالتأكيد على التنمية الاقتصادية في سيناء؛ حيث إنها ترى أن الفقر القائم هناك يكمن وراء العديد من مشاكل المنطقة.



