بقلم : مصطفي الأسواني
بعد فشل الجولة الأولى من المحادثات الصعبة بين خبراء من مجموعة «دول الخمسة زائد واحد» (الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا وألمانيا) ونظرائهم الإيرانيين، للتوصل إلى اتفاق متوازن بشأن برنامج طهران النووي. تُستأنف اليوم المفاوضات من جديد في محاولة أخيرة لإحراز تقدم يتيح وقف التخصيب ووضع البرنامج النووي الإيراني تحت الرقابة الدولية التامة، ولحل «أبعاده العسكرية المحتملة»، في مقابل خفض تدريجي للعقوبات المفروضة ضد طهران، أي أنها يعتمدان سياسة «التجميد مقابل التجميد».
وبالرغم من فشل المفاوضات لأكثر من أحد عشر مرة سابقة عُقدت في السنوات الأخيرة، إلا أن لدى واشنطن وطهران رغبة شديدة في التوصل إلى «تسوية كبرى» تتجاوز النووي إلى ما عداه من مناطق تشابك النفوذ، غير أن هذه الرغبة تصطدم بصعوبات داخلية لدى كل من البلدين، وخصوصًا في الولايات المتحدة؛ حيث يعرب العديد من أعضاء الكونجرس عن معارضتهم لاتفاق مُتعجل مع إيران لا يضمن وقف برنامجها النووي، ويدعون إلى تشديد العقوبات لإجبار طهران على الانصياع للإرادة الدولية، كما لم ينجح لجوء البيت الأبيض إلى تخويف الأمريكيين من «حرب جديدة» قد تجرهم إليها العقوبات في تليين موقف معارضيه.
أما في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فتجد الحكومة الجديدة صعوبة في التراجع عن «التخصيب» الذي رسمه المرشد علي خامنئي كـ«خط أحمر» لا يستطيع أحد تجاوزه، ورفعه شعارًا يوازي «الاستقلال والسيادة» وألزم به الحكومات المتعاقبة؛ فالتخلي عن «الحق» في التخصيب قد يعطي الانطباع بأن طهران يمكن أن تتراجع في ملفات أخرى أساسية أيضًا، من بينها الملف السوري على سبيل المثال.
ومع أن هذه العقبات الأمريكية والإيرانية تقلص هامش التفاوض وتحرج الطرفين، فإنها قد تدفعهما، مع أسباب أخرى، للتوصل إلى ما يرى فيه الأمريكيون «اختراقًا تاريخيًا» قد ينقذهما معًا، رغم أنه يعني التفريط بالشروط والخطوط التي طالما شددا عليها، وبالحلفاء الذين يواصلان تطمينهم.
تجدر الإشارة هنا، إلى أن سياسة «التجميد مقابل التجميد» كانت اقتراحًا تقدم به خافيير سولانا، الذي كان ممثلاً للاتحاد الأوروبي، وسعى إلى بدء محادثات مع نظرائه الإيرانيين في عام 2007. وكانت الفكرة تقوم على أن يجمد الإيرانيون تطوير برنامجهم النووي مقابل تجميد العقوبات على إيران. ولم يقبل الإيرانيون مطلقًا هذه الفكرة، رغم أنه كان متصورًا لها أن تكون خطوة أولى في عملية للتوصل إلى اتفاق أوسع. واليوم، فإن إدخال تغيير على تلك الفكرة، أيضًا كخطوة أولى في عملية قد تكون وشيكة. ويقينًا إن الحقائق مختلفة كثيرًا عما كانت عليه منذ 6 أعوام؛ فاليوم نجد أن الولايات المتحدة منخرطة بقوة في المفاوضات؛ وقد جمعت إيران يورانيوم مخصب يكفي لتصنيع 6 قنابل، وأنتجت نحو 19 ألف جهاز طرد مركزي، من بينها ما يزيد عن ألف من الجيل المقبل من أجهزة الطرد المركزي «IR-2»، التي ربما تكون فعاليتها خمسة أضعاف فعالية الأجهزة السابقة «IR-1»؛ وهي تبني محطة مياه ثقيلة قادرة على إنتاج البلوتونيوم.
لذا، فإن الاتفاق الذي تم التمهيد له خلال مفاوضات الأسبوع الماضي، ربما لا يوصف بأنه تجميد مقابل تجميد، وإنما «سقف مقابل سقف»؛ بمعنى أنه سيكون هناك سقف على البرنامج النووي الإيراني وسقف على العقوبات الجاري فرضها على الإيرانيين. وسوف يعلق الإيرانيون بصفة أساسية تخصيب اليورانيوم حتى 20%، ثم سيبدأون في عملية تحويله إلى وقود أو تخفيفه إلى شكل آخر أقل نقاءً، مع عدم زيادة عدد أجهزة الطرد المركزي العاملة، وفي حين يُشغِّل الإيرانيون نحو 10 آلاف جهاز طرد مركزي حتى الآن، إلا أنهم لن يزيدوا من العدد الإجمالي. بيد أنهم سيكونون قادرين على استبدال أجهزة الطرد المركزي التي تتعطل، وهذا يعني أنه سوف يُسمح للإيرانيين بمواصلة تخصيب اليورانيوم عند مستوى من 3.5 إلى 5%. وهكذا سوف يوضع سقف للتخصيب فقط على مستوى اليورانيوم الذي تمت تنقيته، وليس على الكمية التي لا يزال من الممكن إنتاجها.
وهناك جانب هام آخر في البرنامج النووي الإيراني، والمتمثل في محطة المياه الثقيلة التي يشيدها الإيرانيون في «أراك». ويبدو أن المشكلة هي حول ما إذا كان سيتم تعليق العمل فيها بالكامل خلال فترة الستة أشهر من اتفاق الخطوة الأولى. ولمن لا يعلم، فإن المياه الثقيلة قادرة على تمكين الإيرانيين من تحقيق انفراجة أخرى في الطريق لإنتاج قنبلة نووية، سواء من خلال البلوتونيوم أو من خلال تخصيب اليورانيوم إلى درجة تصنيع الأسلحة.
وأؤكد أنه إذا لم يتم وقف العمل في مفاعل «أراك»، فسوف يكون بوسع الإيرانيين الاستمرار في الطريق الذي يمكنهم من إنهاء بناء المحطة بحلول نهاية عام 2014؛ وحالما تدخل تلك المحطة إلى الخدمة فإنه سيتعذر الهجوم عليها دون تسرب إشعاعات من النوع الذي حدث في مفاعل «تشرينوبيل»، في المنطقة المحيطة والغلاف الجوي.
خلاصة ما أود قوله في هذا الشأن، هو أن الاتفاق الناشئ سيضع سقفًا لكنه لن يضع حدًا للبرنامج النووي الإيراني برمته، وفي مقابل ذلك، لن يتم رفع نظام العقوبات، وإنما تخفيف جزءًا منه فقط. وفي حين أن العقوبات التي تحد من قدرة الإيرانيين على بيع النفط وإجراء المعاملات المالية المعتادة لن يتم الاقتراب منها، إلا أنه سوف يُسمح للإيرانيين بحُرية الوصول إلى نحو 15 مليار دولار من عملتهم الصعبة المجمدة في المصارف الأجنبية، وتداول الذهب والمعادن النفيسة، بما يمكنهم على ما يبدو من استيراد مواد محدودة لبعض من صناعاتهم المحلية.
ونلاحظ أيضًا أن هناك إجماعًا واسعًا بين النخبة الإيرانية بأن اتفاقًا نوويًا مع واشنطن سوف يصب في صالح أهداف هيمنة إيران، غير أن العائق الوحيد أمام ذلك الاتفاق النووي ليس الولايات المتحدة، وإنما أوروبا وإسرائيل، بدعم من المملكة العربية السعودية. وهنا تكمن المعضلة مع تل أبيب ودول مجلس التعاون الخليجي وغيرهم في الشرق الأوسط؛ فهم يخشون من أن يؤدي التخفيف المحدود للعقوبات إلى إضعاف نظام العقوبات سريعًا. وبالرغم من ادعاءات واشنطن بأن هيكل العقوبات سيظل مطبقًا، إلا أن هناك اعتقادًا واسع النطاق في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بأن العديد من الحكومات والقطاعات الخاصة سوف ترى انفراجة وسوف تكون مقتنعة بقدرتها على بدء مزاولة الأعمال التجارية مرة أخرى. ومع بدء التعامل مع الإيرانيين، سوف يرى الإيرانيون أن العقوبات ستنتهي وأنهم ببساطة بحاجة إلى التمسك بموقفهم وعدم تقديم أي تنازلات. ومن وجهة النظر الإسرائيلية، فإن الخطوة الأولى ستكون هي الأخيرة، وأن البرنامج الإيراني، حتى لو وُضع سقف له، سيكون عند عتبة مرتفعة جدًا تمكنه من امتلاك قدرات تجاوز العتبة النووية، وهم لا يرون أي سبب لتنازل الولايات المتحدة عن نفوذها وإطلاقها العنان للإيرانيين.
إذن؛ فالحديث عن صفقة «أمريكية إيرانية» هو حديث قريب إلى الجدية، كلتا الدولتين تحتاج إلى هذه الصفقة بأقل قدر من التنازلات إن أمكن؛ الولايات المتحدة بسبب مجموعة معقدة من العوامل ترغب في أن ترى مخرجًا مشرفًا لمنع التسارع في العد التنازلي الإيراني باتجاه شيء ما من التمكن من قدرة نووية عسكرية، وإيران لأسباب معقدة أخرى، ترغب بأن تمتنع عن تحقيق تلك النتيجة لأسباب اقتصادية واستراتيجية خاصة بها من أجل رفع العقوبات عنها من جهة، والاعتراف النهائي بنظامها من جهة أخرى، فنعومة التعامل بين الطرفين هي نعومة «المضطر» لا نعومة «المقتنع».
وتهتم «الصفقة»، من منظور الغرب، بالحد من حصول إيران على قدرة نووية عسكرية، فقط لا غير، مع مُشهيات غربية كثيرة، منها تخفيف العقوبات الاقتصادية، ومنها إطلاق ما تجمد من أصول الأرصدة الإيرانية، ومنها أيضًا التعهد المبطن بعدم محاولة الانقلاب أو المساعدة على انقلاب داخلي إيراني.
من جانبه، يعمل النظام الإيراني على حثّ الغرب على سرعة التوصل إلى توقيع الصفقة التي تكاد تكون مُنجزة؛ لأن الوقت المتاح ونافذة الأمل الممكن يحتمل أن تُغلق، من خلال احتمال أن يقوم المتشددون برفض الصفقة، إن لم توقع بعجل، وهذا في الحقيقة ما هو إلا مناورة؛ لأن الشعوب الإيرانية لها توق تاريخي للتقرب من الغرب وأمريكا بالذات، فموقفها المعادي الطويل للولايات المتحدة هو موقف يعرفه أهل علم النفس السياسي بأنه «كره المحب» لا «كره المبغض».
وأود لفت الانتباه إلى أن إيران من المرجح أن تمتلك قدرات نووية عسكرية بحلول منتصف عام 2014، وربما حتى قبل ذلك، مما يجعل الوقت المتبقي للتفاوض والتوصل إلى اتفاق قابل للتنفيذ بطريقة يمكن التحقق منها محدودًا للغاية.
أخيرًا وليس آخرًا، أؤكد أن وتيرة المفاوضات هذه ذات أهمية خاصة؛ إذ إن النتائج الجزئية المرحلية قد لا تقل أهمية عن النتائج النهائية، إذا كانت هناك نتائج نهائية بالأساس، حيث إن هناك تخوفات من أنه مع رفع جزئي للعقوبات ومع وقف مؤقت لتخصيب اليورانيوم، أن تتعطل بعدئذٍ المفاوضات، فتسترد إيران أصول أموالها المحتجزة المجمدة، وتستأنف مباشرة عقب تعطل المفاوضات أو تجميدها برامجها النووية، مع تحميل الطرف الآخر مسؤولية إخفاق المفاوضات.
بعد فشل الجولة الأولى من المحادثات الصعبة بين خبراء من مجموعة «دول الخمسة زائد واحد» (الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا وألمانيا) ونظرائهم الإيرانيين، للتوصل إلى اتفاق متوازن بشأن برنامج طهران النووي. تُستأنف اليوم المفاوضات من جديد في محاولة أخيرة لإحراز تقدم يتيح وقف التخصيب ووضع البرنامج النووي الإيراني تحت الرقابة الدولية التامة، ولحل «أبعاده العسكرية المحتملة»، في مقابل خفض تدريجي للعقوبات المفروضة ضد طهران، أي أنها يعتمدان سياسة «التجميد مقابل التجميد».
وبالرغم من فشل المفاوضات لأكثر من أحد عشر مرة سابقة عُقدت في السنوات الأخيرة، إلا أن لدى واشنطن وطهران رغبة شديدة في التوصل إلى «تسوية كبرى» تتجاوز النووي إلى ما عداه من مناطق تشابك النفوذ، غير أن هذه الرغبة تصطدم بصعوبات داخلية لدى كل من البلدين، وخصوصًا في الولايات المتحدة؛ حيث يعرب العديد من أعضاء الكونجرس عن معارضتهم لاتفاق مُتعجل مع إيران لا يضمن وقف برنامجها النووي، ويدعون إلى تشديد العقوبات لإجبار طهران على الانصياع للإرادة الدولية، كما لم ينجح لجوء البيت الأبيض إلى تخويف الأمريكيين من «حرب جديدة» قد تجرهم إليها العقوبات في تليين موقف معارضيه.
أما في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فتجد الحكومة الجديدة صعوبة في التراجع عن «التخصيب» الذي رسمه المرشد علي خامنئي كـ«خط أحمر» لا يستطيع أحد تجاوزه، ورفعه شعارًا يوازي «الاستقلال والسيادة» وألزم به الحكومات المتعاقبة؛ فالتخلي عن «الحق» في التخصيب قد يعطي الانطباع بأن طهران يمكن أن تتراجع في ملفات أخرى أساسية أيضًا، من بينها الملف السوري على سبيل المثال.
ومع أن هذه العقبات الأمريكية والإيرانية تقلص هامش التفاوض وتحرج الطرفين، فإنها قد تدفعهما، مع أسباب أخرى، للتوصل إلى ما يرى فيه الأمريكيون «اختراقًا تاريخيًا» قد ينقذهما معًا، رغم أنه يعني التفريط بالشروط والخطوط التي طالما شددا عليها، وبالحلفاء الذين يواصلان تطمينهم.
تجدر الإشارة هنا، إلى أن سياسة «التجميد مقابل التجميد» كانت اقتراحًا تقدم به خافيير سولانا، الذي كان ممثلاً للاتحاد الأوروبي، وسعى إلى بدء محادثات مع نظرائه الإيرانيين في عام 2007. وكانت الفكرة تقوم على أن يجمد الإيرانيون تطوير برنامجهم النووي مقابل تجميد العقوبات على إيران. ولم يقبل الإيرانيون مطلقًا هذه الفكرة، رغم أنه كان متصورًا لها أن تكون خطوة أولى في عملية للتوصل إلى اتفاق أوسع. واليوم، فإن إدخال تغيير على تلك الفكرة، أيضًا كخطوة أولى في عملية قد تكون وشيكة. ويقينًا إن الحقائق مختلفة كثيرًا عما كانت عليه منذ 6 أعوام؛ فاليوم نجد أن الولايات المتحدة منخرطة بقوة في المفاوضات؛ وقد جمعت إيران يورانيوم مخصب يكفي لتصنيع 6 قنابل، وأنتجت نحو 19 ألف جهاز طرد مركزي، من بينها ما يزيد عن ألف من الجيل المقبل من أجهزة الطرد المركزي «IR-2»، التي ربما تكون فعاليتها خمسة أضعاف فعالية الأجهزة السابقة «IR-1»؛ وهي تبني محطة مياه ثقيلة قادرة على إنتاج البلوتونيوم.
لذا، فإن الاتفاق الذي تم التمهيد له خلال مفاوضات الأسبوع الماضي، ربما لا يوصف بأنه تجميد مقابل تجميد، وإنما «سقف مقابل سقف»؛ بمعنى أنه سيكون هناك سقف على البرنامج النووي الإيراني وسقف على العقوبات الجاري فرضها على الإيرانيين. وسوف يعلق الإيرانيون بصفة أساسية تخصيب اليورانيوم حتى 20%، ثم سيبدأون في عملية تحويله إلى وقود أو تخفيفه إلى شكل آخر أقل نقاءً، مع عدم زيادة عدد أجهزة الطرد المركزي العاملة، وفي حين يُشغِّل الإيرانيون نحو 10 آلاف جهاز طرد مركزي حتى الآن، إلا أنهم لن يزيدوا من العدد الإجمالي. بيد أنهم سيكونون قادرين على استبدال أجهزة الطرد المركزي التي تتعطل، وهذا يعني أنه سوف يُسمح للإيرانيين بمواصلة تخصيب اليورانيوم عند مستوى من 3.5 إلى 5%. وهكذا سوف يوضع سقف للتخصيب فقط على مستوى اليورانيوم الذي تمت تنقيته، وليس على الكمية التي لا يزال من الممكن إنتاجها.
وهناك جانب هام آخر في البرنامج النووي الإيراني، والمتمثل في محطة المياه الثقيلة التي يشيدها الإيرانيون في «أراك». ويبدو أن المشكلة هي حول ما إذا كان سيتم تعليق العمل فيها بالكامل خلال فترة الستة أشهر من اتفاق الخطوة الأولى. ولمن لا يعلم، فإن المياه الثقيلة قادرة على تمكين الإيرانيين من تحقيق انفراجة أخرى في الطريق لإنتاج قنبلة نووية، سواء من خلال البلوتونيوم أو من خلال تخصيب اليورانيوم إلى درجة تصنيع الأسلحة.
وأؤكد أنه إذا لم يتم وقف العمل في مفاعل «أراك»، فسوف يكون بوسع الإيرانيين الاستمرار في الطريق الذي يمكنهم من إنهاء بناء المحطة بحلول نهاية عام 2014؛ وحالما تدخل تلك المحطة إلى الخدمة فإنه سيتعذر الهجوم عليها دون تسرب إشعاعات من النوع الذي حدث في مفاعل «تشرينوبيل»، في المنطقة المحيطة والغلاف الجوي.
خلاصة ما أود قوله في هذا الشأن، هو أن الاتفاق الناشئ سيضع سقفًا لكنه لن يضع حدًا للبرنامج النووي الإيراني برمته، وفي مقابل ذلك، لن يتم رفع نظام العقوبات، وإنما تخفيف جزءًا منه فقط. وفي حين أن العقوبات التي تحد من قدرة الإيرانيين على بيع النفط وإجراء المعاملات المالية المعتادة لن يتم الاقتراب منها، إلا أنه سوف يُسمح للإيرانيين بحُرية الوصول إلى نحو 15 مليار دولار من عملتهم الصعبة المجمدة في المصارف الأجنبية، وتداول الذهب والمعادن النفيسة، بما يمكنهم على ما يبدو من استيراد مواد محدودة لبعض من صناعاتهم المحلية.
ونلاحظ أيضًا أن هناك إجماعًا واسعًا بين النخبة الإيرانية بأن اتفاقًا نوويًا مع واشنطن سوف يصب في صالح أهداف هيمنة إيران، غير أن العائق الوحيد أمام ذلك الاتفاق النووي ليس الولايات المتحدة، وإنما أوروبا وإسرائيل، بدعم من المملكة العربية السعودية. وهنا تكمن المعضلة مع تل أبيب ودول مجلس التعاون الخليجي وغيرهم في الشرق الأوسط؛ فهم يخشون من أن يؤدي التخفيف المحدود للعقوبات إلى إضعاف نظام العقوبات سريعًا. وبالرغم من ادعاءات واشنطن بأن هيكل العقوبات سيظل مطبقًا، إلا أن هناك اعتقادًا واسع النطاق في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بأن العديد من الحكومات والقطاعات الخاصة سوف ترى انفراجة وسوف تكون مقتنعة بقدرتها على بدء مزاولة الأعمال التجارية مرة أخرى. ومع بدء التعامل مع الإيرانيين، سوف يرى الإيرانيون أن العقوبات ستنتهي وأنهم ببساطة بحاجة إلى التمسك بموقفهم وعدم تقديم أي تنازلات. ومن وجهة النظر الإسرائيلية، فإن الخطوة الأولى ستكون هي الأخيرة، وأن البرنامج الإيراني، حتى لو وُضع سقف له، سيكون عند عتبة مرتفعة جدًا تمكنه من امتلاك قدرات تجاوز العتبة النووية، وهم لا يرون أي سبب لتنازل الولايات المتحدة عن نفوذها وإطلاقها العنان للإيرانيين.
إذن؛ فالحديث عن صفقة «أمريكية إيرانية» هو حديث قريب إلى الجدية، كلتا الدولتين تحتاج إلى هذه الصفقة بأقل قدر من التنازلات إن أمكن؛ الولايات المتحدة بسبب مجموعة معقدة من العوامل ترغب في أن ترى مخرجًا مشرفًا لمنع التسارع في العد التنازلي الإيراني باتجاه شيء ما من التمكن من قدرة نووية عسكرية، وإيران لأسباب معقدة أخرى، ترغب بأن تمتنع عن تحقيق تلك النتيجة لأسباب اقتصادية واستراتيجية خاصة بها من أجل رفع العقوبات عنها من جهة، والاعتراف النهائي بنظامها من جهة أخرى، فنعومة التعامل بين الطرفين هي نعومة «المضطر» لا نعومة «المقتنع».
وتهتم «الصفقة»، من منظور الغرب، بالحد من حصول إيران على قدرة نووية عسكرية، فقط لا غير، مع مُشهيات غربية كثيرة، منها تخفيف العقوبات الاقتصادية، ومنها إطلاق ما تجمد من أصول الأرصدة الإيرانية، ومنها أيضًا التعهد المبطن بعدم محاولة الانقلاب أو المساعدة على انقلاب داخلي إيراني.
من جانبه، يعمل النظام الإيراني على حثّ الغرب على سرعة التوصل إلى توقيع الصفقة التي تكاد تكون مُنجزة؛ لأن الوقت المتاح ونافذة الأمل الممكن يحتمل أن تُغلق، من خلال احتمال أن يقوم المتشددون برفض الصفقة، إن لم توقع بعجل، وهذا في الحقيقة ما هو إلا مناورة؛ لأن الشعوب الإيرانية لها توق تاريخي للتقرب من الغرب وأمريكا بالذات، فموقفها المعادي الطويل للولايات المتحدة هو موقف يعرفه أهل علم النفس السياسي بأنه «كره المحب» لا «كره المبغض».
وأود لفت الانتباه إلى أن إيران من المرجح أن تمتلك قدرات نووية عسكرية بحلول منتصف عام 2014، وربما حتى قبل ذلك، مما يجعل الوقت المتبقي للتفاوض والتوصل إلى اتفاق قابل للتنفيذ بطريقة يمكن التحقق منها محدودًا للغاية.
أخيرًا وليس آخرًا، أؤكد أن وتيرة المفاوضات هذه ذات أهمية خاصة؛ إذ إن النتائج الجزئية المرحلية قد لا تقل أهمية عن النتائج النهائية، إذا كانت هناك نتائج نهائية بالأساس، حيث إن هناك تخوفات من أنه مع رفع جزئي للعقوبات ومع وقف مؤقت لتخصيب اليورانيوم، أن تتعطل بعدئذٍ المفاوضات، فتسترد إيران أصول أموالها المحتجزة المجمدة، وتستأنف مباشرة عقب تعطل المفاوضات أو تجميدها برامجها النووية، مع تحميل الطرف الآخر مسؤولية إخفاق المفاوضات.



