رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : مصطفي الأسواني

 

بينما ينصب الكثير من التركيز المتعلق بالصراع السوري على قضايا التكتيكات العسكرية والسلطة السياسية، لا تلقى الأزمة الإنسانية الكبيرة معالجة لائقة؛ إذ لا يزال هناك الملايين من المدنيين الأبرياء في مخيمات اللاجئين على جميع الحدود السورية، دون نظم حماية من انخفاض درجات الحرارة ونقص الغذاء وحالات الطوارئ الصحية والعنف الجنسي، وغيرها من المخاطر التي قد تعصف بهم.
 
وتتعاظم يومًا بعد يوم مأساة اللاجئين السوريين، حيث يبحث مئات الآلاف من العوائل السورية عن ملجأ آمن في إحدى دول الجوار، إضافة إلى النزوح الجماعي لمناطق كاملة بسبب ما لحقها من تدمير، وهو أمر سبق أن تم التحذير منه من جانب منظمات إنسانية دولية وإقليمية، خصوصًا بعد فشل أو تقاعس المجتمع الدولي عن القيام بمسؤوليته إزاء اللجوء والنزوح الجماعي، ولا سيّما مساعدة الدول المضيفة.
 
واليوم تخطّى عدد اللاجئين السوريين المليوني إنسان، علمًا بأن عدد غير المسجلين يبلغ أضعاف هذا الرقم، سواء في دول جوار سوريا أو غيرها. وبحسب بعض التقديرات فإن عدد اللاجئين السوريين تجاوز الأربعة ملايين، ومن المتوقع أن ينضم لهذا العدد نحو ربع مليون لاجئ، إضافة إلى ثلاثة أرباع المليون من النازحين، وتتدفق أعداد من اللاجئين اليوم على العراق ولا سيّما إقليم كردستان، وعلى لبنان والأردن وتركيا، إضافة إلى مصر ودول أخرى. ومن المؤكد أن العالم يجازف بتغاضيه الخطير عن الكارثة الإنسانية السورية.
 
غير أن هناك معضلة أمام عملية توزيع المساعدات على اللاجئين؛ حيث يتطلب القيام بذلك تبيانًا صادقًا للأماكن التي تشتد فيها الحاجة إلى المساعدات أكثر من غيرها، ومَن بالضَّبْط يجب أن يكون مسؤولاً عن تلبيتها. وهذه المهمة هي أكثر إلحاحًا؛ لأن نطاق الأزمة الإنسانية في سوريا يجعل منها قضية «استراتيجية» بقدر ما هي قضية «أخلاقية». ونلاحظ أنه يقدَّم حاليًا النصيب الأكبر من المساعدات الإنسانية الدولية المعدّة للاجئين والمشردين السوريين إلى الفارين من البلاد، ومعظمهم فروا إلى الدول المجاورة (تركيا والأردن ولبنان والعراق ومصر)، وهم بحاجة ماسة إلى هذه المساعدات ويكافحون من أجل البقاء في ظل ظروف الشتاء الصعبة بل اليائسة، ونعلم جيدًا أن البلدان المضيفة ومنظمات المجتمع المدني المعنية والجهات المانحة الأجنبية تبذل جهودًا حثيثة لإعالة طوفان اللاجئين المتنامي.
 
بيد إن عدد الأشخاص الذين يحتاجون إلى مساعدات إنسانية عاجلة داخل سوريا نفسها هو أكبر من ذلك؛ وتقدّر الأمم المتحدة أن هناك نحو مليوني شخص مشردين داخليًا؛ وهناك تقديرات موثوقة أخرى تشير إلى أن العدد الحقيقي هو أعلى من ذلك. وبعبارة أخرى، اضطر أكثر من ثلاثة أضعاف من عدد السكان الذين تم إجبارهم على عبور الحدود بحثًا عن الأمان أو القوت، إلى النزوح من منازلهم داخل سوريا، كما أن هناك مليوني سوري آخرين لا يزالون في منازلهم ويُعتقد أنهم بحاجة إلى الغذاء والوقود والدعم الطبي، وغير ذلك من المساعدات الإنسانية الطارئة.
 
ولهذا فإن مأساة اللاجئين أخذت بالتفاقم وتنذر بعواقب وخيمة وتدهور للأوضاع، في ظل استمرار وتصاعد الحرب النفسية والحصار الاقتصادي والصدام المسلح، فضلاً عن احتمالات تأمين ملاذ آمن، أو حظر جوي، طالما بقيت القوى الدولية على خلاف كبير بشأن التوصل إلى حل لإنهاء الأزمة السورية، بما فيه تغذية أطراف النزاع بالسلاح وأنواع الدعم المختلفة.
 
وما يعاظم المأساة السورية هو أن أكثر من 52% من اللاجئين هم من الأطفال دون السابعة عشر من العمر، ولعل حجم هذه المأساة أخذ في الاتساع على مستوى النازحين داخل سوريا أيضًا، فوفقًا لإحصاءات تعود إلى نهاية شهر أغسطس الماضي 2013، نشرها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، فإن عددهم بلغ أربعة ملايين وخمسة وعشرين ألف نازح. وما حدث خلال الفترة الماضية في سوريا عمومًا، سواء ما تعلق باستخدام السلاح الكيميائي أو مهاجمة الكنائس والأديرة وقتل رجال دين ومواطنين مسيحيين، ما هو إلا جزء من انعكاسات الأزمة السورية المستفحلة التي أدّت إلى تمزيق الكيان المجتمعي والوحدة الوطنية وارتفاع منسوب العنف والإرهاب.
 
وبعد، هل هناك ضوء في نهاية النفق، لا سيّما من الناحية الإنسانية، وانطلاقًا من اللوائح الدولية لحقوق الإنسان، بما فيها حقوق اللاجئين؟
 
وإذا كانت أرقام اللاجئين السوريين مخيفة، خاصة بحجم تأثيراتها على دول الجوار، في الجوانب الصحية والاجتماعية والتعليمية والثقافية والأمنية والمالية وسوق العمل وارتفاع معدلات الجريمة والتطرّف، فإن علينا معرفة نتائجها الآنية والمستقبلية على المجتمع السوري، وعلى مجمعات اللاجئين أنفسهم، لا سّيما أوضاع الأطفال والنساء بشكل خاص، إضافة إلى الشباب، وخاصة ما يتعلق بانعدام فرص العمل والدراسة والحياة الطبيعية.
 
في السياق ذاته، فإن «خطة الاستجابة الإنسانية» الرسمية للأمم المتحدة في سوريا، والتي يتم العمل عليها حاليًا، والذي تصفه الأمم المتحدة بأنه النداء الأضخم والأكثر إلحاحًا على الإطلاق في أي أزمة. ورغم ذلك تم تخصيص ثلثي المساعدات البالغة قيمتها 1.5 مليار دولار إلى السوريين المحتاجين خارج البلاد، مما يترك ثلث المعونات فقط للعدد الأكبر بكثير من المشردين الذي لا يزالون داخل البلاد. والأسوأ من ذلك، أنه من المقرر تمرير جميع المساعدات الداخلية من خلال وزارات ووكالات الحكومة السورية، ويتم تسليمها من قبل المنظمات المختارة والمعتمدة من قِبل نظام الرئيس بشار الأسد!!
 
وعلاوة على ذلك، يجري بالفعل تلاعب ثابت من جانب النظام بمعونات القطاع الخاص، وذلك من خلال ما يكتنف العملية من غموض قانوني؛ فعلى الصعيد الرسمي ليس لدى سوريا أي منظمات مدنية، والمؤسسات الوحيدة التي تعمل بهذه الصفة مسجلة كجمعيات خيرية تحت رعاية السيدة الأولى أسماء الأسد. كما أن الجمعيات الخيرية والإسلامية التي تعمل خارج شبكتها والتي لها تاريخ في معالجة علل اجتماعية محددة تخضع لرصد ورقابة وثيقة من قبل وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وتوزع حالياً الكثير من المساعدات عن طريق «الهلال الأحمر العربي» السوري، وهي منظمة شبه حكومية تابعة للنظام؛ وعلى الرغم مما ورد بأن أعضاءها قد أظهروا شجاعة في توصيل المعونات إلى بعض المناطق في البلاد، إلا أنه يجري الاحتفاظ بها خارج المناطق «المحررة» التي هي تحت سيطرة المعارضة.
 
ومن السذاجة أن نتصور أن تلك الهيئات، التي تعمل نيابة عن النظام الذي قتل بالفعل عشرات الآلاف من المدنيين الأبرياء، بإمكانها إدارة المعونات الإنسانية بطريقة منصفة أو محايدة أو حتى الوفاء بالحد الأدنى من معايير الفعالية.
 
رغم أن القانون الدولي الإنساني واتفاقيات حقوق اللاجئين منذ العام 1933 والعام 1951 وملحقها العام 1967؛ نصّت على أن اللاجئ له حقوقًا اجتماعية وسياسية ومدنية، مثل الحق في العلاج والتعليم والعمل وممارسة حقوقه المدنية، إضافة إلى الحق في الحصول على حماية حياته وأمنه، ولكن للأسف فإن الكثير من البلدان لا تؤمّن المستلزمات الضرورية لممارسة هذه الحقوق، إما لعدم احترامها الكامل لحقوق الإنسان وإما لضعف قدراتها الاقتصادية والمادية وإما لنقص في قوانينها وآلياتها للحماية.
 
ولم تدرك الكثير من الحكومات والجماعات السياسية مخاطر الأزمة المستفحلة في سوريا إنسانيًا، خصوصًا وأنها تمثل تحديًا على جميع الصُعد السياسية والاجتماعية والأمنية والثقافية حاضرًا ومستقبلاً. وتعتبر منطقتنا بالأساس الأكثر سخونة في العالم إزاء قضايا اللاجئين، سواء بالنسبة لأعدادهم أو المستلزمات غير المتوفرة لهم.
 
فعلى سبيل المثال لا الحصر، هناك مئات الآلاف بل الملايين من اللاجئين والنازحين العراقيين والسودانيين والصوماليين واليمنيين، وبعد انضمام ملايين اللاجئين السوريين إليهم أصبحت الكارثة شاملة، وأصبحت المنطقة تغلي، بل تهدد بالانفجار في كل ما يتعلق بقضايا الأمن والإرهاب والعنف والتطرف، التي يسببها تفاقم أعداد اللاجئين والحالة المأساوية التي يعيشونها، يضاف إلى ذلك وجود نحو خمسة ملايين لاجئ فلسطيني منذ العام 1948 والعام 1967.
 
وإذا ما أردنا وضع حد لقضايا العنف والإرهاب، فلابد من وضع قضية اللاجئين في رأس قائمة الأولويات للتحديات العربية التي تحتاج إلى حلول سريعة وناجزة، والأمر له علاقة بأمن كل بلد وبالأمن القومي أو الإقليمي، فضلاً عن تأثيراته على السلم والأمن الدوليين، وهذا يحتاج جهودًا دولية؛ لوضع برامج طويلة الأمد لمعالجة هذه الظاهرة وتخصيص موارد مالية كافية.
 
وهنا أود لفت الانتباه إلى أن الولايات المتحدة إذا ما أعادت التفكير في توجيه ضربة عسكرية ضد سوريا، فعليها أن تتحمل ليس فقط المسؤولية السياسية عن هذه الضربة، وإنما أيضًا عن أوضاع اللاجئين والنازحين.
 
أخيرًا وليس آخرًا، لقد تصدعت سوريا بالفعل وانقسمت إلى أجزاء شتى تخضع لأنواع متباينة من التحكم والسيطرة السياسية والعسكرية، وهي حالة ربما سوف تستمر لسنوات مقبلة. وبالتالي فإن توفير المساعدات سوف يظل يمثل المشكلة الأكبر خلال المرحلة القادمة، من الناحيتين اللوجستية والقانونية؛ حيث إن التقاعس عن مواجهة هذا الدافع الأخلاقي سوف لا يؤدي إلى المزيد من المعاناة الإنسانية فحسب، بل سوف يسمح أيضًا للنظام باستخدام المعونات كسلاح للقوة الناعمة ضد المعارضة، وهذا من شأنه عدم تحقيق الجهود الرامية لتخفيف المعاناة الإنسانية.
تم نسخ الرابط