رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : مصطفي الأسواني

 

لقد شهدت الأسابيع الأخيرة من العام المنصرم تحولاً ملحوظًا في مجرى الصراع الدموي الدائر في سوريا منذ ما يقرب من العامين، إذ لم يتمكن الثوار من تحقيق أي تقدم في المعارك الرامية إلى السيطرة على دمشق وحلب، في إطار الحرب الأهلية الدائرة بينهم وبين القوات النظامية الموالية للرئيس السوري بشار الأسد.

 

 

وأصبح واضحًا كذلك أن الحرب في سوريا دخلت حالة من التعادل، الذي يمكن لها معه أن تستمر لفترة طويلة جدًا، وبكل وضوح تبين أن أيًا من طرفي النزاع لن يتمكن من حسم الحرب لصالحه، إلا بمساعدة خارجية، وهذا ما يزيد من صعوبة إمكانية التنبؤ بالطرف الذي سيربح الحرب، خاصة وأن الطرفين أُنهكا تمامًا، بسبب الحرب التي لا تزال مستمرة لقرابة عامين.

 

 

ويعتقد البعض أن حظوظ الثوار في تحقيق النصر أوفر من حظوظ قوات بشار الأسد؛ لأن الغرب والعرب يقفون إلى جانبهم ويدعمونهم، ولكن غالبًا ما تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، حيث إن الأخبار الواردة من الداخل السوري تفيد بأن هذا الاعتقاد بعيد عن الواقع؛ لأن الثوار كذلك أصبحوا منهكون ووصلت قواهم إلى حافة الاستنزاف، والحديث هنا ينسحب على الأسلحة والذخائر، كما ينسحب على الأموال، التي بدونها لا يمكن أن تقوم ثورة، ولا يمكن أن تُشن حرب أهلية.

 

 

 

في رأيي، لا أعتبر الصراع في سوريا حربًا أهلية فحسب، بل هو أيضًا حرب بالوكالة حول ميزان القوى الإقليمية، ويكمن في جوهره مستقبل المحور الذي تقوده إيران والذي تعتبر سوريا ركناً من أركانه الأساسية، وتعتبر هذه الحرب الدائرة المُقسّم الأكبر للشرق الأوسط؛ إذ أن إيران وحزب الله اللبناني، جنبًا إلى جنب مع روسيا، تسعى بقوة لإنقاذ بشار الأسد، في الوقت الذي تصمم فيه كافة القوى السنية الرئيسية وهي «مصر والمملكة العربية السعودية وقطر وتركيا» على الإطاحة به، وهذا الانقسام يضع إسفينًا عميقًا بين «تركيا وإيران والعراق وروسيا»، كما يضع أيضًا إسفينًا بين «حماس وإيران» من جهة أخرى.

 

 

وفي ظل ذلك التقسيم، يؤكد الثوار في سوريا أنه لم يطرأ أي تحسن على صعيد تقديم الدعم المالي لهم، ولا على صعيد تزويدهم بالأسلحة والذخائر، وذلك رغم السيل الهائل من الوعود والتصريحات، ويؤكدون أيضًا أن القوى الغربية لا تزال تعارض رفع الحظر المفروض على تزويدهم بالأسلحة، مبررة ذلك بالخوف من وقوع الأسلحة في أيدي المتطرفين، الذين تتزايد أعدادهم بشكل مضطرد في أوساط التيارات المعارضة للرئيس السوري بشار الأسد، وما يزيد من قلق الثوار هو أن المعونات التي تقدمها دول الخليج العربية، التي تعتبر الممول الرئيسي للانتفاضة السورية، تناقصت بشكل ملموس في الأسابيع الأخيرة.

 

 

وهذا ما فرض على الثوار السوريون اعتماد استراتيجية وتكتيك جديدين في خوضهم العمليات العسكرية، وذلك بسبب النقص الحاد في الأسلحة والذخائر، وأعتقد في أنهم قد تخلوا عن فكرة الإطاحة السريعة بنظام الأسد، وتحولوا إلى أسلوب حرب الاستنزاف المتدرج لقوى النظام؛ ولهذا نجد أن كتائب الجيش الحر أخذت تزيد من اعتمادها على تطويق القواعد الجوية، لكي تحرم القوات الموالية للأسد من التفوق في الجو.


 

في الأثناء، زادت حدة التوترات على الحدود «التركية - السورية» مع اندلاع المواجهات بين قوات النظام والثوار السوريون، حيث سقطت القذائف التي أُطلقت خلال المواجهات بين طرفي النزاع على الجانب الآخر من الحدود التركية مباشرة، ما دفع أنقرة للقيام بوضع طائراتها المقاتلة على أهبة الاستعداد، وفي ظل معاناة الأتراك من انتقال المصادمات من سوريا إلى المدن التركية عبر الحدود المشتركة بين البلدين، والتي يبلغ طولها حوالي 900 كيلو مترًا، لا تزال التوترات على الحدود آخذة في التصاعد، مع استمرار المواجهات على الجانب الآخر من الحدود مباشرة.

 

 

وهذا ما يضع تركيا ما بين المطرقة والسندان، حيث إنها لا ترغب في تصاعد الصراع، لكنها لا تستطيع أيضًا العيش مع استمرار الحرب في سوريا، وبغض النظر عن المسار الذي تسلكه أنقرة، فإن القصف المتكرر بين البلدين ينذر بوضع جديد بينهما، ألا وهو «التصعيد المتبادل»؛ كالقرارات الأخيرة المتبادلة بينهما والمتمثلة في منع طائرات كل دولة من التحليق في أجواء الدولة الأخرى.

 

 

والكارثة لن تتوقف عند تركيا فحسب، بل إن الحرب الطاحنة في سوريا من المؤكد أنها ستتسبب في زعزعة الاستقرار في العراق؛ وذلك عبر إشعال التوترات الطائفية الحالية، كما قد تتسبب الأزمة السورية في نشوب صراع محتمل مع كل من تركيا وإسرائيل، والذي قد يُترجم على أرض الواقع في حالة تزايد الاحتكاكات على حدود كل منهما مع سوريا، وفي حالة إجبار أي منهما على التدخل عسكرياً، وبات واضحًا أيضًا، أن نتيجة الحرب في سوريا سيكون لها تأثير كبير على ميزان القوى الإقليمية؛ فسقوط بشار الأسد سيكون بمثابة ضربة قوية لإيران وحزب الله اللبناني، والمحور الذي تقوده إيران بصفة عامة، وهذا ما تسعى إلى تحقيقه القوى الغربية.

 

 

 

ومن الواجب على المجتمع الدولي التدخل الفوري لحل الأزمة السورية، وإنهاء مجزرة المدنيين هناك، من خلال التفكير في خلق ملاذٍ آمن لحماية المدنيين، وكذلك فرض حظر فعّال على الأسلحة لكي يتم شل آلة الحرب التابعة لقوات بشار الأسد، ولن أنكر حقيقة أن تكون تكلفة التدخل في سوريا مرتفعة الآن، لكنها سترتفع أكثر فأكثر إذا استمرت المجازر ضد المدنيين دون توقف.

 

 

وبالرغم من أن نهاية العام المنصرم شهدت تنشيطًا ملحوظًا للمحاولات الرامية لتنظيم الحوار بين الأطراف المتصارعة في دمشق، وبدا واضحًا أن الأطراف الخارجية «واشنطن وموسكو» بالدرجة الأولى، ترغبان فعلاً في تحريك العملية من نقطة الجمود، إلا أن ذلك التوافق بين «الولايات المتحدة وروسيا» حتى لو كان تامًا، لا يعني شيئًا في الواقع؛ فلكل من الأطراف المتحاربة على الأرض السورية أسبابه الخاصة، وهذه الأطراف لا تخوض معركة من أجل «السلطة»، بل من أجل «البقاء»، وهذا ما دفع الحرب بينها إلى أن تتحول بشكل ملحوظ إلى «حرب دينية» لا مكان فيها للحلول الوسطية.

 

 

ولديّ تصور سيء، بأن تقرر تركيا لاحقًا شن عملية عسكرية على سوريا، ووقتها ستباشر دول الخليج العربية تنفيذ عملية «اصطياد الأسد»، التي ستنطلق من قاعدة للثوار السوريون، يزحفون منها نحو دمشق، وسوف تقوم القوى الغربية بتأمين الدعم الجوي اللازم لكل تلك العمليات، غير أنه في حال تمكن الثوار السوريون من أن يحتلوا دمشق بدعم جوي من قبل قوات «الناتو»، فلن يكون ذلك نهاية الحرب؛ لأن مناطق عدة في الأرض السورية سوف تبقى تحت سيطرة قوات الأسد، الذين سيقاومون بشراسة.


 

ومن الواضح أيضًا، أن الولايات المتحدة في تعاطيها مع الأزمة السورية تُصّر على تكرار سيناريو التجربة الليبية، التي أثبتت أن «زواج الإكراه» الذي تم في سوريا ما بين المعارضة العلمانية والمعارضة الإسلامية المتطرفة، متمثلاً في «الائتلاف الوطني السوري» -أملاً من واشنطن في أن تتمكن من الإطاحة بنظام الأسد- سوف ينتهي حتمًا بـ«طلاق دموي».

تم نسخ الرابط