بقلم : مصطفي الأسواني
.jpg)
لا يختلف كائن من كان، على أن تراكمات الظلم والاستبداد، وحرمان الإنسان من أبسط حقوقه المدنية، وغياب الديمقراطية وتهميش رجال الفكر والأدب والإعلام، كان السبب الرئيسي في اشتعال لهيب ثورات الربيع العربي في منطقة الشرق الأوسط.
وبعد مرور ما يقرب من العامين على قيام ثورتنا المجيدة في مصر، نلاحظ أن عملية التغيير الجذري لم تنتهِ بعد؛ فليست هناك قواعد تحكم التحول في بلدنا، وما زال هناك احتمال قيام ثورة مضادة في البلاد، وعلى الرغم من هدنة القوات المسلحة الظاهرية مع جماعة الإخوان المسلمين، إلا أن قوات الجيش قد تتدخل في حال تمادي جماعة الإخوان في غيّها وغطرستها سعيًا منها في ترسيخ سلطتها بصورة طموحة جدًا.
وبالرغم من أن الأحداث على الساحة المصرية منذ اندلاع الثورة تشير إلى أن بلادنا تدخل مرحلة جديدة، تمثل فيها جميع القوى المدنية والثورية بالإضافة إلى بقايا النظام السابق المصدر الرئيسي لمعارضة قوى تيار الإسلام السياسي، وتحديدًا جماعة الإخوان المسلمين، إلا أن هناك معركة أوثق صلة من أجل السيطرة على مقاليد الحكم، تكمن بين قوى الإسلام السياسي وبعضها في مصر، ولاسيما السلفيون والإخوان؛ فالمواد التي تخص الشريعة الإسلامية في الدستور الجديد الذي تم إقراره، هي مصدر النزاع الرئيسي بين هذه الفصائل، وسوف تخلق توترًا سياسيًا يصل مداه إلى حد الاقتتال، وهذا ما لا أتمناه.
*****
ولقد لاحظنا خلال الفترة الماضية سعي جماعة الإخوان المسلمين الدؤوب وبقوة إلى المصادقة على دستورهم الجديد، وهو هدف قائم منذ فترة طويلة، حتى يتمكن الإخوان من إضفاء الشرعية على مشروعهم السياسي؛ حيث إن الجماعة تسعى إلى إقامة دستورها منذ انعقاد مؤتمرهم الخامس عام 1938، ويمثل هذا الهدف أيضًا مكونًا رئيسيًا في مشروع «النهضة» الوهمي، الذي هو برنامج حزب جماعة الإخوان.
وكثيرًا ما ادعى الرئيس محمد مرسي -قبل ثورة 25 يناير في العام 2011- أن الدساتير ما هي إلا مجرد آلية لتحقيق الحرية، ومع ذلك، فالحرية بالنسبة لجماعة الإخوان المسلمين تعني وجود دولة إسلامية من منظورهم؛ فهم يرون أي نظام غير إسلامي على أنه مفروض، وبالتالي ليس حرًا، وبالرغم من تمرير الدستور الجديد من خلال استفتاء 22 نوفمبر الماضي، بهامش ضيق، إلا أن الإخوان يعتقدون أن لديهم التفويض اللازم لمواصلة الانطلاق ببرنامجهم، رغم الاعتراضات من المعارضة وممن كانوا يؤيدون الجماعة حتى وقت قريب، والذين تتعالى أصواتهم يومًا بعد آخر.
ومؤخرًا، ظهرت بوادر أزمة عصفت بحزب النور «السلفي» من الداخل، وأدت إلى انقسامات حقيقية بداخله، على خلفية قيام الفريق أحمد شفيق، آخر رئيس وزراء في عهد الرئيس السابق حسني مبارك والمرشح العسكري الخاسر في انتخابات رئاسة الجمهورية، بالكشف عن لقاءاته السرية بقيادات ممن ينتمون إلى التيار السلفي، وعلى رأسهم الدكتور ياسر برهامي، نائب رئيس الدعوة السلفية، وأشرف ثابت، نائب رئيس حزب النور السلفي، وبحسب ما أكده عدد من المصادر القريبة من قيادات التيار الإسلامي، فإن جماعة الإخوان المسلمين كانت هي التي تقف وراء تسرب تلك الأنباء؛ وقيل إن ذلك جاء بهدف تفجير وتفكيك حزب النور، حتى تتمكن الجماعة من التأثير سياسيًا وانتخابيًا على حظوظ حزب النور، الذي احتل المرتبة الثانية في الانتخابات البرلمانية السابقة.
وكشفت التفاصيل المسربة عن اللقاءات السرية ما بين قيادات الدعوة السلفية وحزبها مع الفريق شفيق، عن أن «برهامي وثابت» كانا قد طالبا شفيق حال فوزه بأربع وزارات سيادية، إلى جانب تعيين أشرف ثابت بمنصب نائب رئيس الجمهورية، وفيما بعد، تبين أن هذه اللقاءات تمت دون علم عماد عبدالغفور، رئيس حزب النور، والذي بدوره قام بتوبيخ «ثابت»، ونشبت خلافات داخلية بالحزب، وتم فصل «عبد الغفور» آنذاك، وسرعان ما تم احتواء الأزمة وقتها.
*****
وأؤكد أن هذه الأزمة القائمة بداخل حزب النور سيكون لها تأثيراتها التي تعمل على شق صف تيار الدعوة السلفية مجتمعة، برعاية إخوانية؛ حيث إن التحالف القائم اليوم ما بين حازم أبو إسماعيل، المرشح المستبعد من الانتخابات الرئاسية بسبب جنسية والدته الأمريكية، وعماد عبدالغفور، مساعد رئيس الجمهورية والرئيس السابق لحزب النور ورئيس حزب الوطن الحالي، ينبئ باحتمال نشوب صراع «إسلامي - إسلامي» في الداخل المصري.
ويأتي تأكيدي هذا، بناءً على أن تيار الإسلام السياسي بصفة عامة بعد انتصاره على القوى المدنية والثورية المعارضة في معركة إقرار الدستور الجديد، سيتفرغون لمعركتهم الجديدة، من خلال تنافسهم الأيدولوجي والسياسي المستمر منذ فترة بعيدة، غير أن جماعة الإخوان المسلمين حتمًا ستنتصر في هذه المعركة؛ نظرًا لدعم ممثلها في قصر الرئاسة لها، فمعروف أن الرئيس مرسي يقوم بالتنسيق المباشر مع الجماعة في كل صغيرة وكبيرة، وهذا ليس شيئًا جديدًا، ومؤخرًا ادعى أحد مساعدي مرسي السابقين، أن الرئيس يُدير كل كلمة وسياسة عن طريق نائب المرشد العام لجماعة الإخوان خيرت الشاطر.
وفضلاً عما سبق، فمعروف أن الرئيس مرسي ليس من النوع التصالحي، وهذا لا يمثل مفاجأة بالنظر إلى ماضيه السياسي؛ فقد كان في الفترة ما بين «2007 و2011» تقريبًا، المنفذ الداخلي لسياسة الإخوان، والمسؤول عن طرد الأعضاء الذين خالفوا التكتيكات أو الأيديولوجية المتشددة للجماعة، وكنت قد ذكرت في مقال سابق، أن الرئيس مرسي كان أيضًا نقطة الاتصال الرئيسية لنظام الرئيس السابق حسني مبارك مع جماعة الإخوان، وهو الدور الذي حاذه بفضل قدرته على اتباع خطى الجماعة دون التنازل عن أي شيء، وهذا ما يؤكد ما ذكرته آنفًا من أنه حتمًا سينحاز لجماعته ولن يتخلى عنها مهما حدث، حتى وإن كان ذلك يتعارض مع مصلحة مصر العامة، وهذا ما يدفعني لطرح سؤال عما إذا كان مرسي رمزًا وطنيًا أو محض ممثل لجماعة الإخوان المسلمين، ومنفذًا لسياساتها من داخل قصر الرئاسة؟!
*****
أما بالنسبة لدور الولايات المتحدة في هذا الشأن، نجد أن الإدارة الأمريكية بزعامة باراك أوباما لا تضغط على الرئيس مرسي؛ لأنها لا ترى بديلاً له، وحجتها في ذلك أنه كان طالبًا في أمريكا، ودرَّس عدة سنوات في جامعة كاليفورنيا، وأولاده مواطنون أمريكيون، فضلاً عن اعتقادها بأن علاقة العمل الجيدة مع مرسي وجماعته، والتي قويت خلال مفاوضات وقف إطلاق النار ما بين إسرائيل والفلسطينيين في غزة تمثل أفضل مصدر للنفوذ، غير أن ثوراتنا المجيدة تثبت أن أنظمة الحكم في الشرق الأوسط، التي تبدو ظاهريًا مستقرة، يمكن أن تصبح غير مستقرة بشكل سريع جدًا.
ولهذا تحديدًا فإنني أقول للإدارة الأمريكية، أنه ينبغي عليها أن لا تتوقع أن علاقاتها الحالية بالرئيس مرسي، التي يُفترض كونها جيدة مع أوباما، ستجعل مرسي مصطفًا مع الولايات المتحدة؛ فقد أظهر مرسي مرارًا أنه لن يأبه بحلفائه السابقين، وذلك لتعزيز أجندة جماعة الإخوان القائمة منذ فترة طويلة، وهو على الأرجح سيفعل الشيء نفسه مع الولايات المتحدة بمجرد أن يبدأ في اتباع الأهداف السياسية الخارجية للتنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين، ونفس الكلام موجه للجماعات السلفية في مصر.



