بقلم : مصطفي الأسواني
.jpg)
نعلم جميعًا أن النهج الأمريكي الحالي تجاه مصر في ظل حكم الرئيس محمد مرسي يمثل استمرارًا لما كان عليه الحال في عهد الرئيس السابق حسني مبارك، مع منح القليل من المعونات الإضافية، ونلاحظ كذلك، أن الولايات المتحدة لم تفكر مليًا في السياسات والاستراتيجيات والأدوات وبناء علاقة جديدة مع الحكام من تيار الإسلام السياسي في مصر، وهذا ينطبق على جميع القضايا الثنائية بين البلدين، ومنها «المعونة الاقتصادية، والعلاقات العسكرية، والتواصل مع المجتمع المدني، ودعم التحول الديمقراطي..» وغير ذلك الكثير.
ولقد أدركت واشنطن أن الرئيس مرسي -الذي تعمل على دعمه- يواجه توترًا حقيقيًا ما بين مطالب الحكم وواقع الأزمة الاقتصادية من جهة، وولائه لمبادئ جماعة الإخوان المسلمين من جهة أخرى، وأن هذا التوتر يزداد وضوحًا يومًا بعد آخر، وهذا ما دفع عدد من الأمريكيين إلى القول بأن الرئيس الأمريكي باراك أوباما قد «ارتكب الخطأ نفسه الذي ارتكبه سلفه جورج بوش الابن، فكان ساذجًا إذ افترض أن إقامة الديمقراطية في بلدان الشرق الأوسط سيكون لمصلحة أمريكا».
ورغم ما سبق ذكره، إلا أن الولايات المتحدة ستستمر في دعم الرئيس محمد مرسي، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية التي تمر بها مصر حاليًا، وأعتقد أن واشنطن ستحدد عدة مسارات بشأن التعامل مع المساعدات المقدمة للقاهرة؛ فإما أن تمضي في تقديم المساعدات بشكل غير مشروط حتى تضمن تأثيرها على هذا البلد، وتُبعد الخطر الذي سيحدث إذا أصبحت مصر دولة فاشلة، أو أن تنظر إلى أنه لا مصالح لها في دعم حكومة يقودها أناس رافضون لقيم الولايات المتحدة لأبعد الحدود، وبالتالي ينبغي عليها إيقاف جميع المساعدات، إلا أنني أؤكد أن هذين المسارين ينطويان على مخاطر جمّة سوف تضر بالولايات المتحدة وحلفائها.
*****
في الوقت نفسه، تبدي الولايات المتحدة قلقًا كبيرًا بين نظام حكم الرئيس مرسي وحكومته، وبين عدم رغبتها في أن تتيح لهم مساعداتها الفرصة ليفعلوا ما يشاؤون، وترى أيضًا أن ترك مصر لتصبح دولة فاشلة سوف يكون له أثر كارثي على مصالح واشنطن وأمن حلفائها في المنطقة، لذا فإن أمريكا ستلجأ إلى وضع شروط على المساعدات المقدمة لمصر.
وخلال الفترة المقبلة ستعمل واشنطن على أن تكون واضحة بشأن تلك الشروط التي ستضعها؛ لكي يترتب على ذلك سياسة قابلة للتطبيق والاستمرارية، حيث إنها ستنظر بجد إلى أولوياتها، وستكون على استعداد تام لسحب مساعداتها في حال عدم وفاء مصر بهذه الشروط، وأتوقع أن تكون المصالح الأمريكية في مصر متمثلة في «السلام الإقليمي، والتعاون الاستراتيجي، وأمن إسرائيل»، هي أساس ذلك الاشتراط.
وإلى جانب ذلك، فلن تُغفل الإدارة الأمريكية متابعة سبل التعاطي العلني مع من يمثلون المعارضة العلمانية والليبرالية في مصر، فالولايات المتحدة غير متأكدة مما ستؤول إليه نتائج الانتخابات البرلمانية المقبلة، وحتى تتمكن واشنطن من تحقيق ذلك، ستعمل على دعم عودة منظمات المجتمع المدني، التي تعرف كيف تستطيع تمكين جماعات المعارضة العلمانية وسوف تُساهم حتمًا في نمو مجتمع مدني قوي، كما ستحث أمريكا سفارتها في القاهرة على متابعة إقامة علاقة أوثق مع هذه المعارضة، في نفس الوقت الذي تركز فيه على الحكومة الجديدة وقادتها.
في الأثناء، يجب علينا أن لا ننسى أن الولايات المتحدة لا يهمها في واقع الأمر أي نظام أو أي حريات إلا فيما يتعلق بمصالحها المباشرة وغير المباشرة، وبمشاريعها الإقليمية والدولية، فواشنطن نفسها كانت تدعم نظام الرئيس السابق حسني مبارك طوال 30 عامًا، وهي نفسها الآن تدعم جماعة الإخوان المسلمين وتيارات الإسلام السياسي لا في مصر وحدها، بل في كل دول الربيع العربي.
*****
والعقبة التي تواجه الإدارة الأمريكية حاليًا وتَحول دون استطاعتها تنفيذ ما سبق ذكره، هي المشاكل المالية والأزمة الاقتصادية التي تمر بها الولايات المتحدة، حيث إنه لا يتوفر إلا القليل من الأموال التي تستطيع واشنطن تقديمها كمعونة أمريكية جديدة لمصر شبه المفلسة، وعمليًا تكاد تنعدم فرصة إبرام اتفاق تجارة حرة بين واشنطن والقاهرة في المستقبل القريب، رغم الدفعة التي سيعطيها مثل ذلك التحرك للاقتصاد المصري.
ولتتغلب الإدارة الأمريكية على هذه العقبة، فإنها ستختبر ما إذا كانت مصر جادة في سعيها نحو حلول سليمة ومسؤولة لأزمتها الاقتصادية من عدمه، من خلال إقناع القاهرة بأنه في إمكانها جني العديد من الفوائد والأرباح من «اتفاقية التجارة الحرة»؛ عن طريق التوسع الهائل في نظام «المنطقة الصناعية المؤهلة» مع إسرائيل، والتي ستكون أكثر قبولاً في الولايات المتحدة.
كما ستُجبر أمريكا إسرائيل على إبرام الاتفاق بدون تردد لما فيه من مصلحة لإسرائيل، وباعتباره كذلك وسيلة إنشاء علاقات مع مصر ما بعد «كنز إسرائيل الاستراتيجي» حسني مبارك، بل وستُصر الإدارة الأمريكية على أن توافق إسرائيل على خفض كمية المحتوى الإسرائيلي في الصادرات المصرية إلى الولايات المتحدة، إلا أن الوساطة في إبرام هذه الصفقة قد تتطلب تبني الرئيس محمد مرسي مفهوم التعاون الاقتصادي مع إسرائيل، واعترافه الفعلي بـ«إسرائيل».



