رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : مصطفي الأسواني

 

يتوجه الإسرائيليون اليوم إلى صناديق الاقتراع لاختيار تشكيلة الهيئة التشريعية القادمة للكنيست التاسع عشر، وبالرغم من أن الموسم الانتخابي في إسرائيل غير عادي إلى حد ما، حيث تجنبت الحملات الانتخابية بيان أجندة سياسية واضحة، إلا أنه يبدو أن النتيجة الإجمالية أصبحت محتومة منذ البداية لصالح بنيامين نتنياهو، الذي أعتقد أنه سيكون الأوفر حظًا في ترؤس الحكومة الجديدة.

وبالرغم من أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ظلّ على مدى سنوات يُحرض العالم ضد إيران، واستخدم قضية برنامجها النووي فزاعة لحشد الإسرائيليين في صفه، إلا أن هذه القضية بدت شبه غائبة تمامًا عن برنامجه الانتخابي، بل وعن حملة الدعاية للانتخابات الإسرائيلية عمومًا، كذلك فإن تبعات السباق الانتخابي سوف توفر رؤى هامة حول الطريقة التي ستتعامل بها إسرائيل مع مسألتين جوهريتين للمصالح الأمريكية، وهما «المأزق المستمر مع الفلسطينيين، والنزاع النووي مع إيران».

كما بدا واضحًا أن الحملة الانتخابية الإسرائيلية بصفة عامة قد غاب عنها التركيز على أي من السياسات المتفق عليها، حيث تتمسك الأحزاب المتنافسة بالقضايا الخاصة بها، ومنها «عدم المساواة في الدخل، والتجنيد لليهود المتشددين (الطائفة الحريدية)، والتعليم»، بدلاً من مناقشة جدول أعمال مشترك، ونلاحظ أيضًا أن نتنياهو طوال الفترة الماضية تجنب مناقشة القضايا الحيوية بأي شيء يُذكر، مثل الصعوبة التي تلوح في الأفق بشأن برنامج إيران النووي، وهي قضية تمثل أهمية كبيرة لنتنياهو منذ فترة طويلة، وعلى وجه التحديد، تجنب رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى حد كبير الإجابة على مجموعة من الأسئلة، ومنها: ما الذي ستفعله إسرائيل لو أخفقت الطرق الدبلوماسية التي تقودها واشنطن مع طهران ولم تتخذ أمريكا أي إجراءات؛ وما الذي قد يحدث لإسرائيل لو أنها لم تستأنف محادثات السلام مع الفلسطينيين؛ وما الذي تعنيه حرب غزة الأخيرة لأمن إسرائيل؛ وما الذي يخفيه المستقبل للعلاقات مع مصر في ضوء صعود جماعة الإخوان المسلمين إلى السلطة؟

*****

وأود أن أشير إلى أن استطلاعات الرأي الإسرائيلية الأخيرة أظهرت تفوق بنيامين نتنياهو على غيره من المنافسين، حيث تشير التقديرات إلى أن الأحزاب اليمينية ستفوز ما بين 63 إلى 68 مقعدًا من مقاعد الكنيست البالغ عددها 120، بينما ستحصل أحزاب «الوسط واليسار» على النسبة المتبقية، وهذا ما يضمن عمليًا أن نتنياهو سوف يبقى رئيسًا للوزراء مرة أخرى، حتى إذا فقدت قائمته «الليكود - بيتنا» ما بين 7 إلى 9 مقاعد لصالح قائمة «البيت اليهودي» الأكثر يمينية.

وبالرغم من المواجهة العسكرية في غزة، والتصويت بمنح فلسطين صفة دولة مراقب في الجمعية العامة للأمم المتحدة، والإعلان المثير للجدل عن بناء مستوطنات في الضفة الغربية، إلا أنه بدا واضحًا أن بنيامين نتنياهو عاقد العزم على الابتعاد عن هذه القضايا؛ خوفًا من تنفير كل من دوائره الانتخابية في الداخل والحكومات في الخارج قبل الانتخابات، ويُرجح أن يأمل رئيس الوزراء الإسرائيلي أيضًا في الحفاظ على المرونة التكتيكية للمفاوضات عقب الانتخابات.

وأتصور أن السبب وراء تفوق نتنياهو على غيره من المتنافسين، يكمن في أن فكرة حملته بأنه الخيار الأفضل لحماية إسرائيل ضد التهديدات الإقليمية تلاقي قبولاً قويًا لدى العديد من الناخبين، لاسيما في وقت يرون فيه أن المبادرات الإسرائيلية لن تكون حاسمة في إعادة تشكيل منطقة لا تزال تموج بالاضطرابات، وهم يضعون نصب أعينهم المجازر ضد المدنيين في سوريا، والاضطرابات في مصر، والإعلان الأخير لزعيم حركة المقاومة الإسلامية «حماس» خالد مشعل، بأنه «لن يعترف أبدًا بإسرائيل»، وسوف يحرر فلسطين «شبرًا شبرًا»، كما أنهم يتذكرون جيدًا تصريحات الرئيس الفلسطيني محمود عباس واتهامه لإسرائيل بـ«التطهير العرقي» خلال ملاحظاته الأخيرة في الأمم المتحدة.

*****

وفضلاً عما سبق، فإن هناك من الدلائل ما يؤكد تحوّل الإسرائيليين إلى اليمين عند تقييم احتمالات السلام مع الفلسطينيين، وهذا ما يصب في صالح بنيامين نتنياهو أيضًا؛ حيث تشير الدراسات إلى أن 59% من الإسرائيليين لا يزالون يرغبون في حل الدولتين، بما في ذلك 52% من ناخبي «الليكود»، وهناك من الجمهور من يرى أن مفاوضات السلام معدة للفشل في ظل الأجواء الراهنة، ولأسباب غير ذات صلة بإسرائيل، غير أن 50% يؤكدون أنه ينبغي على إسرائيل أن تنتهج مسار نتنياهو، حتى لو كان ذلك يعني المواجهة مع الولايات المتحدة.

ونلاحظ أيضًا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هو الوحيد من بين مرشحي تحالف «الليكود - بيتنا» الذي يعرب عن دعمه للدولة الفلسطينية، ودليلي على ذلك، أن الانتخابات الأولية لحزب «الليكود» قد أدت إلى الإطاحة بمعتدلين نسبيين بشأن قضايا مثل استخدام القوة ضد الفلسطينيين، إلا أنه من غير الواضح ما إذا كان الناخبون سوف يختارون «الليكود» في الانتخابات العامة أو حزب أكثر منه يمينية.

وإلى جانب ذلك، فإنني أتوقع أن يخسر حزب «الليكود» اليوم عددًا من المقاعد في الكنيست لصالح حزب «البيت اليهودي» اليميني الوطني المتدين؛ لأنه يُعد الحزب الكبير الأول في إسرائيل الذي يدعو علانية إلى ضم 60% من أراضي الضفة الغربية، وبحسب معلومات مؤكدة، فإن زعيمه رجل الأعمال «نفتالي بينيت» كان الشخصية السياسية البارزة الوحيدة التي انتقدت نتنياهو لعدم شنه حربًا برية على غزة في نوفمبر الماضي، كما أنه كثيرًا ما دعا إلى استئصال شأفة «حماس» وتجريدها من الأرض، وقد أدى ذلك إلى تضاعف أعداد التأييد لحزبه تقريبًا منذ إعرابه عن ذلك النقد.

وهذا ما قد يفسر سبب ضغط نتنياهو نحو التوجه للتخطيط الاستيطاني -وإن لم يكن البناء- في شمال شرقي القدس، في المنطقة المتنازع عليها والمسماة «أي 1»، ومن خلال التركيز على التخطيط بدلاً من البناء، قد يرى نتنياهو أنه يستطيع الحفاظ على الدعم بين عناصر الوسط، بينما يسعى إلى كسب عودة اليمينيين المنجذبين لـ«البيت اليهودي»، بيد أن إعلانه عن بناء مستوطنات في المنطقة «أي 1» كان له ثمنه الدبلوماسي الفادح، فقد اعتبرت الولايات المتحدة وأوروبا -اللتان ساندتاه علنًا خلال حربه ضد غزة- هذه الخطوة بأنها ممقوتة تمامًا، بالإضافة إلى تأثيرها على التواصل بين الأراضي الفلسطينية.

وينتج عن هذا، أن الخاسر الأكبر في كل ذلك هو حزب «كاديما»، وذلك بسبب القرار المتسرع لرئيس الحزب شاؤول موفاز بالانضمام إلى حكومة وحدة مع نتنياهو خلال العام المنصرم، وكان قد وعد «كاديما» بانفراجة في تجنيد المتدينين المتشددين، وبعد عدة أشهر، أدرك الحزب أنه لا يمتلك أرضية مشتركة مع نتنياهو، ما أدى لانسحاب موفاز من الحكومة، فضلاً عما أشارت إليه استطلاعات الرأي الإسرائيلية مؤخرًا بأن «كاديما» سيختفي تقريبًا عقب انتخابات اليوم مباشرة؛ حيث سينخفض عدد مقاعده في الكنيست من 28 إلى 2 فقط.

*****

وبالنظر إلى دلالات السياسة الأمريكية بالنسبة للانتخابات الإسرائيلية لا يمكننا إغفال حقيقة الخلاف القديم المتجدد ما بين نتنياهو والرئيس باراك أوباما بسبب دعم إسرائيل للمرشح الجمهوري ميت رومني، والذي اعتبره أوباما إهانة شخصية وتدخل إسرائيلي في شؤون الولايات المتحدة الداخلية، ما دفع بأوباما الى انتقاد نتنياهو وسياسته قبيل موعد الانتخابات في إسرائيل، الأمر الذي جعل اليسار الإسرائيلي يستفيد بعض الشيء من هذا الانتقاد، إلا أن أوباما في ولايته الرئاسية الأولى كما الثانية، لم يستطع فرض وقف الاستيطان على بنيامين نتنياهو، ولا يبدو أن الإدارة الأمريكية جادة في ممارسة ضغوط حقيقية على نتنياهو، رغم ما يشاع عن نية أوباما معاقبته على موقفه الداعم للجمهوري ميت رومني في الانتخابات الأمريكية الأخيرة.

وأعتقد أن النتيجة الأكثر أهمية بالنسبة للولايات المتحدة في الانتخابات الإسرائيلية ربما تكون تأثيرها على وزراء بنيامين نتنياهو البارزين؛ فوزير الدفاع إيهود باراك -المحاور الرئيسي لأمريكا حول إيران ومجموعة كبيرة أخرى من قضايا السياسة الخارجية والأمنية- قد أعلن عن عدم خوضه الحملة الانتخابية واعتزاله من الكنيست، رغم أنه لم يستبعد العودة إلى الحكومة إذا ما دعُي إليها.

ومعروف أن إيهود باراك أحد أعضاء «الثمانية» في حكومة نتنياهو، وبالتالي لعب دورًا رئيسيًا في كبح جماح بعض قرارات بنيامين نتنياهو المثيرة للجدل، وبالتالي فإنه في حال إذا لم يتمكن باراك من الانضمام إلى الحكومة القادمة، فستصبح الولايات المتحدة أكثر قلقًا حول ما إذا كان نتنياهو سيشرك معارضين سياسيين في ائتلافه، وإذا لم يحدث ذلك، فسيمتد القلق ليشمل ما إذا كان سيتم اتخاذ خطوات مستقبلية أخرى على غرار قرار بناء المستوطنات في المنطقة «أي 1» ، وعلى كل حال، فإن الركود العام في السباق سيدفع صناع السياسة الأمريكيين إلى النظر إلى سيناريوهات ما بعد انتخابات الكنيست عاجلاً وليس آجلاً.

تم نسخ الرابط