رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : مصطفي الأسواني
 
لقد اتضح لي بعد مرور عامين على اندلاع ثورتنا المجيدة في 25 يناير لعام 2011، أن ثورات ما يسمى بـ«الربيع العربي» بدأت حقًا منذ أسابيع قليلة في وطننا مصر، حيث إن المظاهرات الاحتجاجية التي اندلعت مؤخرًا تمثل جوهر الديمقراطية التي ننشدها، وجاء الغضب والاحتجاج السياسي إثر قرارات الرئيس محمد مرسي الأخيرة حول تركيز السلطة والدفع بقوة لتمرير دستور جديد يمثل تيارًا بعينه، ليمثل البداية الحقيقية لثورات «الربيع العربي».
 
 
ولقد أصبح الشعب المصري بعد ثورة 25 يناير لا يناضل من أجل حريته فحسب، بل يستخدم أدوات الديمقراطية في معركة أيديولوجية على مستقبل بلاده، خاصة بعدما جاء الرئيس مرسي إلى سدة الحكم مدعيًا أنه «سيهتم بجميع المصريين»، ومع ذلك، فعلى مدى الأشهر الماضية استمرت حالة البلاد في التدهور؛ فالنظام الحاكم يعمل بتركيز شديد على «الأخونة» أكثر من عمله على تنفيذ مطالب الشعب وثورته.
 
 
واليوم، نجد أن ثورتنا قد سلكت مسارًا مختلفًا عن بدايتها، كما أن أولئك الذين رفعوا رايات «الحرية والعدالة» هم أنفسهم الذين أهدروها، بل وتخلوا عن الثورة أيضًا، بمجرد استيلائهم على السلطة التي أفسدتهم، أو يمكننا القول أنها كشفتهم على حقيقتهم وأسقطت عنهم الأقنعة، وأرى أن الرئيس مرسي لو كان قد فهم الطبيعة الكاملة للتطلعات السياسية للشعب المصري بصورة أفضل؛ لكان قد تصرف على نحو مختلف، وحقيقة الأمر، أن الصراع المحتدم حاليًا ليس ضد نظام مرسي كشخص، بل هو ضد ما يمثله ذلك النظام من صناعة لطغيان جديد.
 
*****
 
ووسط مخاوف وتحذيرات من العنف, يشهد ميدان التحرير وجميع أنحاء البلاد اليوم، فعاليات متعددة في الذكرى الثانية لثورة 25 يناير، التي أطاحت برأس نظام الرئيس السابق حسني مبارك، وأجبرته على التنحي عن السلطة بعد نحو ثلاثة عقود من إدارة شؤون البلاد، تشير الدلائل إلى أن تغيرًا هامًا قد حدث في المجتمع المصري، متمثلاً في الانفتاح الجديد وحرية التعبير، التي يحظى بها الشعب والإعلام والأحزاب السياسية منذ سقوط نظام مبارك -فضلاً عن استيلاء تيار الإسلام السياسي على السلطة- وهذا التحول جدير بالملاحظة.
 
 
كذلك فإن هذه التغيرات الجوهرية قدمت مؤشرات لما سيأتي لاحقًا، فمع النوايا الطيبة التي اكتسبها الرئيس مرسي من وساطته في اتفاقية وقف إطلاق النار بين إسرائيل والفلسطينيين في قطاع غزة في نوفمبر من العام المنصرم، استغل الرئيس الفرصة لترسيخ تدابيره الصارمة الأخيرة، كما يستغل من ينتمون لتيار الإسلام السياسي الفرص السانحة اليوم لترسيخ تغييرات قد لا يمكن التراجع عنها في المستقبل، ما أشعر القوى الليبرالية والمدنية التي أطلقت شرارة ثورة 25 يناير أن الإسلاميين قد قفزوا على الثورة في وقت متأخر، ثم استولوا عليها، وقد عزز من هذا الانطباع خطوات الدكتور محمد مرسي الأولى كرئيس، والتي شملت «تفكيك المجلس العسكري، والدعم غير المحدود لمجلسي الشعب والشورى اللذين يهيمن عليهما الإسلاميون، وإنشاء لجنة لصياغة دستور جديد يخدم توجهات الإسلاميين وحدهم».
 
 
وبناءً على الأدلة المتوفرة حتى الآن، فسوف يستخدم الرئيس مرسي سلطته الموسعة لتعزيز الأجندة المحلية لجماعة الإخوان المسلمين غير المتسامحة في جوهرها.
 
 
وفي هذا السياق، فقد أبرزت تصرفات الرئيس محمد مرسي منذ بداية عهده، التوترات السياسية بين القوى المؤيدة للديمقراطية الليبرالية، وتلك المؤيدة لتيار الإسلام السياسي؛ فهذان الفصيلان -اللذان اتحدا لإسقاط مبارك في يناير 2011- يواجهان اليوم بعضهما البعض حول طبيعة الدولة ومستقبلها، فمعروف أن ثورتنا المجيدة كانت غير منظمة، وتفتقر إلى القيادة، ومنعدمة الأجندة الأيديولوجية، وكان لديها هدف واحد لم يتطور بشكل كامل، متمثلاً في «الإطاحة بنظام مبارك الاستبدادي، وخلق دولة ديمقراطية يقرر فيها الشعب مستقبله السياسي بنفسه، وليس من يجلسون في القصر الرئاسي».
 
*****
 
واليوم نجد أن النظام الحاكم متمثلاً في الرئيس محمد مرسي وحكومته بعد أن جاء إلى السلطة عبر انتخابات ديمقراطية، يسعى الآن إلى تدمير الأسس الديمقراطية، في محاولة للقضاء تدريجيًا على نفس الخطوات التي أدت إلى قيام دولة ديمقراطية حقيقية، وهذا ما سيؤدي إلى أن تكون مظاهرات اليوم مختلفة تمامًا؛ فسيخرج المصريون على اختلاف مشاربهم إلى الشوارع لتحديد هوية الدولة، وهنا أجدني أتساءل عما هل ستواصل البلاد السير على الطريق نحو الديمقراطية أم هل ستصبح ديكتاتورية إسلامية؟ فنتيجة هذا الصراع الذي ستكون له تداعياته الهامة على مصر والمنطقة، ليست بأي حال من الأحوال محددة سلفًا؛ حيث إن المصريين ليسوا متجانسين من حيث الأيديولوجية السياسية، كما لن ينصاعوا للأوامر السياسية السلطوية للنظام الحاكم.
 
 
وبعد مرور عامين على ثورتنا، أؤكد أنه علينا أن لا ننسى أن الرئيس مرسي عندما كان يدير حملته الانتخابية لمنصب الرئاسة، أعرب عن رغبته في التعامل مع العلمانيين والليبراليين، بل وترشيح امرأة أو قبطي لمنصب نائب الرئيس، لكن اليوم أصبح اتجاهه مشابهًا تمامًا لتوجه جماعة الإخوان المسلمين التي هو أحد أبرز أبنائها وقياديها، كما أنه يُظهر رغبة لتطبيق سياسات تيار الإسلام السياسي، فضلاً عن أن موقفه السياسي يميل بصورة أكثر باتجاه السلفيين المتطرفين وليس الليبراليين الديمقراطيين.
 
 
لذا، فإن الكثير من المصريين سيخرجون اليوم إلى ميادين التحرير في جميع أنحاء البلاد؛ للتعبير عن رفضهم لهذا الاتجاه، وأعتقد أن الأسابيع والأشهر القادمة ستكون الأكثر حسمًا في تقرير نتيجة هذا الصراع، وهي نتيجة طبيعية لثورتنا التي ستحدد مستقبل مصر وهويتها.
تم نسخ الرابط