رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : مصطفي الأسواني

 

 

منذ اندلاع ثورة 25 يناير 2011 ضد نظام حكم الرئيس السابق حسني مبارك، ونحن نعاني حالات متفاوتة من الانفلات الأمني، بدأت بانسحاب مفاجئ لقوات الشرطة خلال أيام الثورة، ثم استمر التدهور الأمني في الفترة الانتقالية التي أدارها المجلس العسكري، وشهدت ما اعتبره البعض تقصيرًا يمكن تفهم أسبابه، ورآه آخرون غيابًا مقصودًا لإفشال الثورة ومعاقبة المصريين على القيام بها، وبعد تولي الدكتور محمد مرسي -الذي ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين- رئاسة الجمهورية، تم تهميش الأجهزة الأمنية عن أدوارها الحقيقية والمنوطة بها تمامًا.

 

 وفي الأثناء، أعتقد قادة الإخوان المسلمين أن تحاول بعض أجهزة الدولة، وعلى رأسها الشرطة، تحدي الرئيس محمد مرسي وحكومته وإفشالهم، إلا أنها تراجعت عن ذلك، خاصة بعدما وجدت أن الرئيس بدا متجهًا نحو المصالحة لا إلى الانتقام، إلا أنه وعلى الرغم من أن إصلاح الشرطة وإعادتها للعمل بكامل الطاقة والكفاءة ليس أمرًا مستحيلاً، فهي ليست كلها فاسدة، وهو ما يمكن البناء عليه بالتوازي مع سياسة تجمع بين تحفيز العناصر البشرية عبر مكافأتها عند الإجادة وعقابها عند الخطأ، نجد الرئيس مرسي يتمادى في إقصاء الشرطة واستبدالها بعناصر موالية له، والسؤال الذي يفرض نفسه هنا، هو من المستفيد من تهميش الأجهزة الأمنية عن دورها الحقيقي؟

 

 لن أجيبك عن هذا السؤال، لكنني سأذكرك بقرار الرئيس مرسي فور توليه السلطة بالإفراج عن أعضاء الجماعات الإسلامية وبقية عناصر تيارات الإسلام السياسي المحكومين بالمؤبد والإعدام، وبطئه المتعمد في الإفراج عن رجال الثورة وشبابها، وأيضًا بما حدث أثناء الثورة وتحديدًا في أيامها الأولى من مهاجمة السجون وتهريب عناصر بعينها -من بينها محمد مرسي نفسه- ظهرت بعد ساعات من دول عربية لتدلي بتصريحات وإعلانات ساخنة وشامتة، إضافة إلى اقتحام السجون وقتل الحراس والضباط وتهريب عناصر مصرية محددة..!!

 *****

 ولاحقًا، أعلن الكثير من أولئك الإسلاميين -ومن بينهم أشخاص تلطخت أيديهم بالدماء- بعدما أفرج عنهم الرئيس مرسي، عن نبذهم للعنف، وبعضهم أسس أحزابًا سياسية، لكن هناك البعض الآخر الذين لم يتغيروا تمامًا، وتعمل تلك الفئة الأخيرة التي لم تنتهج مسار الإصلاح على إضفاء التطرف على المشهد السياسي الداخلي، ومن بينها «جماعة أنصار الشريعة»، التي تركز على الإصلاح الداخلي، بما في ذلك تطبيق الشريعة وتعويض شهداء الثورة وتطهير القضاء والإعلام، والسماح بإطلاق ضباط الشرطة للحاهم، وعدم الاعتماد على الربا في المعاملات المالية، كما تدير خدمات مجتمعية محلية مثل توزيع الأضاحي أثناء إجازة عيد الأضحى وتوفير الغذاء للمحتاجين.

 

 وبحسب ما أوردته مجموعة من التقارير الإعلامية، تأتي جماعة «الطليعة السلفية المجاهدة - أنصار الشريعة» والتي تمثل توجهًا يكتسي بمزيد من الصبغة العالمية، ويديرها أعضاء سابقون في جماعة «الجهاد الإسلامي» التي تؤكد على تحرير أراضي المسلمين المحتلة من قبل الأجانب، ودعم المجاهدين الأجانب ومقاومة الأيديولوجيات الأجنبية الليبرالية والشيوعية، وإبطال تطبيق القوانين العلمانية القادمة من أوروبا، ووقف «تنصير» التعليم المصري، إلا أنها لا تعلن عن أي خدمات اجتماعية تتولى تقديمها؛ وقد تركز الكثير من ظهورها على الملأ منذ الإطاحة بالرئيس السابق حسني مبارك على مقالات وكتب وفتاوى تتعلق بالمرحلة الانتقالية.

 

 وفي غضون ذلك، ظهر رمز حركة الجهاد الإسلامي السابق محمد الظواهري، شقيق زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري، مانحًا هذه الجماعات مظهرًا عامًا، والذي يعمل على الترويج للرؤية الجهادية العالمية من خلال إجراء مقابلات صحفية محلية ودولية، ورغم أنه ينكر كونه عضوًا في تنظيم القاعدة، إلا أنه يتفق مع رؤيتها الأيديولوجية، كما أنه تعاون مع رئيس «الطليعة السلفية المجاهدة - أنصار الشريعة» أحمد عشوش، في التخطيط لمشاركة الجهاديين السلفيين في مظاهرة في مطلع نوفمبر دعمًا للشريعة، وفي ديسمبر شجّع على مقاطعة الاستفتاء على الدستور، وانتقد الأخطاء في حق الشريعة التي ارتكبتها جماعة الإخوان، وزعم أن الميثاق الجديد ليس إسلاميًا بما فيه الكفاية.

 

 وفي حين أن لهذه الجماعات والشخصيات عدد قليل من الأتباع فقط، إلا أن هناك مخاطر كبيرة من أن يكسبوا أتباعًا جدد خلال الأشهر القادمة، معتمدين في ذلك على تدهور الوضع الأمني الداخلي، ما يمنحهم المزيد من الفرص لتجنيد أعضاء جدد، بالإضافة إلى أن عدم الاستقرار في سيناء يمكن أن يوفر لهم أيضًا أرضًا جديدة للتدريب، مما يسمح لهم بالعودة إلى مجتمعاتهم وهم مسلحون بمهارات متطورة جديدة للهجوم على المدنيين أو الدولة.

 *****

 نعلم جميعًا، أن مطالبنا خلال ثورة يناير المجيدة لم تكن أبدًا تهميش دور الأجهزة الأمنية وإقصائها عن القيام بدورها، واستبدالها بالعناصر الجهادية السابق ذكرها، بل كانت مطالبنا بسيطة واضحة في الجزء الأمني، متمثلة في «إبعاد الجيش عن الحكم والسياسة وعودته إلى ثكناته، وحكم مصر بإدارة مدنية، وخضوع الأجهزة الأمنية لمعايير واضحة تحكمها قوانين وقرارات حقوق الإنسان، ولا مساس بالحريات العامة والخاصة»، ولكن بمجرد أن استولى تيار الإسلام السياسي على السلطة من خلال التواطؤ والتهديد المبطن والتوازنات الدولية والإقليمية، تم إبعاد أشخاص بعينهم عن المؤسسة العسكرية واستبدالهم بآخرين كمرحلة انتقالية، وكمقدمة لتغييرات أخرى في المؤسسة العسكرية آتية على الطريق، ولا يمكن استبعاد تغيير العقيدة العسكرية نفسها للجيش المصري إن عاجلاً أو آجلاً.

 

 والمعلومات المتوفرة لديّ تؤكد أن ما جرى في العلاقة بين مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين ومؤسسة الرئاسة من جهة، وبين المؤسسة العسكرية من جهة أخرى، هو نوع من الرشوة المقنعة، ليس لإبعاد تلك المؤسسة عن السياسة والسلطة والحكم فقط، بل وأيضًا من أجل تهميش وجودها على أرض الواقع، وتقليص دورها الحقيقي بالنسبة للمهام الأساسية المنوطة بها، مقابل الحفاظ على بعض المصالح الاقتصادية والمالية وعدم فتح ملفات بعينها.

  

وهذا ما يكشف عن خطوات لاحقة من جانب مكتب الإرشاد ومؤسسة الرئاسة لتغيير العقيدة العسكرية، وإجراء تغييرات جذرية عليها شكلاً ومضمونًا، وإذا كانت قيادات القوات المسلحة من الجيلين الأول والثاني تعرف جيدًا أنها تعيش على عطايا ومنح ومساعدات واشنطن، وبالتالي لا يمكنها أن تتخذ أي خطوة بدون موافقة الولايات المتحدة، فذلك لا يمكنه أيضًا أن يضمن عدم وجود خلافات في وجهات النظر داخل المؤسسة العسكرية نفسها قد تندلع شرارتها في أي وقت، وتأخذ أشكالاً وأبعادًا وتداعيات لا يمكن التنبؤ بمساراتها ونتائجها، وإلى جانب من ولصالح مَنْ ستكون!

 *****

 وعلى ما يبدو فإن مصر الآن أصبحت بلا قيادة؛ إذا غاب الرئيس مرسي ورئيس حكومته هشام قنديل تمامًا عن المشهد، حيث لم تفعل الحكومة سوى القليل حتى الآن لتحجيم ظهور الجماعات الجهادية، كما يخشى الجيش وجماعة الإخوان المسلمين من التداعيات السياسية الداخلية التي قد تنشأ عن تحدي تلك الجماعات بشكل مباشر؛ ويخشى الإخوان المسلمين على وجه الخصوص من أن تصب مواجهة زملائهم الإسلاميين في صالح منافسيهم من السلفيين، كما ترى القوات المسلحة أيضًا أن المشكلة هي قضية تخص وزارة الداخلية في المقام الأول، فضلاً عن أنه لم يتم حتى الآن تنفيذ سوى عدد قليل جدًا من الاعتقالات المرتبطة بتهريب أسلحة الجهاديين إلى سيناء؛ إلى جانب أن عمليات الحكومة في سيناء لم تحدث فارقًا يُذكر، حيث يزعم البعض أن العديد من الأفراد الذين قُتلوا أو اعتُقلوا كانوا في الواقع من رجال القبائل البدوية، وليسوا من الجهاديين.

 

 وأرى أنه لكي نتمكن من مواجهة مشكلة الجماعات الجهادية في مصر، ينبغي علينا تفكيكها، والعمل على تنفيذ برنامج لاستيعاب الجهاديين وإدخالهم في العملية الدبلوماسية، مثلما فعلت المملكة العربية السعودية، غير أننا لا نملك الأموال الكافية لمحاكاة السعوديين في هذا الصدد، والذين تمكنوا من إعادة برمجة الجهاديين من خلال توفير المال والسكن والزوجات، إلا أنه باستطاعتنا الاعتماد على استخدام العلماء المعتدلين من الأزهر الشريف لإقناع الجهاديين بخطأ تفسيراتهم لمصادر إسلامية محددة، وأن يكون كبار أعضاء الجماعة الإسلامية الذين تخلوا عن العنف جزءًا من تلك المناقشات.

 

 وأوافقك الرأي في أن هذه الأساليب لن تظهر نتائج فورية، لكنها قد تمنع المزيد من نمو الجماعات الجهادية، ويمكن وقتها إعطاء الجهاديين المسرّحين وسائل مشروعة لبث شكواهم، والهدف من ذلك، هو استنساخ حالة الجماعة الإسلامية والفاعلين السابقين في جماعة الجهاد الإسلامي، الذين أسسوا أحزابًا سياسية أو انضموا إلى أحزاب بعد الثورة، وسوف يحظى الجهاديون الذين يقبلون هذا المسار على بداية جديدة، في حين سوف يوضح لأولئك الذين يرفضونه بأنهم سيواجهون العواقب، ويشمل ذلك تعقبهم من قبل أجهزة الاستخبارات واعتقالهم لو صدرت عنهم أي مؤشرات على قيامهم بالتخطيط للقيام بأعمال عنف داخل مصر أو خارجها.

 

 وبالرغم من أن العديد من الجهاديين لم يتورطوا في أعمال عنف منذ إطلاق سراحهم من السجون والمعتقلات، إلا أن القدرة على إغلاق شبكاتهم بسرعة أصبحت حتمية في ضوء احتمالية عودتهم إلى تلك الأنشطة في المستقبل القريب، وفي حالة القيام باعتقال أولئك المشتبه بهم، فيجب أن تتم محاكمتهم بموجب سيادة القانون.

تم نسخ الرابط