بقلم : مصطفي الأسواني
.jpg)
لقد تحولت الذكرى الثانية لثورتنا المجيدة إلى مشهد مليء بالدماء والعنف، مظاهرات في ميادين التحرير على مستوى محافظات مصر، واقتحام ومهاجمة منشآت حيوية مهمة، حالة من الضبابية وعلامات استفهام على موقف الحكومة في الوقت الذي تتصاعد فيه مطالب بتعامل حاسم مع شبح الفوضى، وفي ظل وصول المشهد السياسي إلى حد خطير من الفوضى والعنف الذي كان ضحاياه قتلى ومصابين في ربوع مصر، فشلت حتى الآن دعوات التهدئة في الحد من الأزمة التي تتصاعد بوتيرة متسارعة.
ومن الواضح أن سيناريو الأيام الأولى لثورة 25 يناير 2011 يتكرر بالتفصيل، فكما اختفت قيادات الحزب الوطني في عام 2011، غاب عن المشهد تمامًا مكتب الإرشاد، الحاكم الفعلي لمصر منذ تولي محمد مرسي السلطة، واختفى الإخوان والسلفيون من الشوارع والميادين، ومن المشهد السياسي والميداني بالكامل، والجماعة والرئاسة تركوا الأوضاع بين الشعب والأجهزة الأمنية والجيش، بل دعت قيادات الجماعة إلى زيادة تسليح الشرطة، وطالبت بنزول القوات المسلحة وتوسيع نطاق عمل الأجهزة الأمنية، هذا فيما تواصل قيادات الجماعة ووسائل إعلامهم استخدام نفس المصطلحات والتوصيفات التي أطلقت على المتظاهرين الشرفاء في بداية الثورة لعام 2011، من قبيل «بلطجية، ومندسون، وعملاء، وأعداء الوطن، ولصوص»، بل ووصف الرئيس محمد مرسي في كلمته مساء يوم 27 يناير ما يجري في مصر بـ«الشغب»، وآلاف المتظاهرين بـ«المجرمين والمشاغبين الذين يجب محاكمتهم»، وهذا ما يُعد تحريضًا مباشرًا على العنف ضد الشعب المصري وقتله.
وفي ظل الحالة الاقتصادية والمعيشية والأمنية المتردية التي يعيشها المصريون منذ استيلاء الإخوان على السلطة، وفرض المزيد من الضرائب والقيود على الحريات وتزايد معدلات البطالة، ظنّ الرئيس مرسي ومكتب إرشاد الجماعة أن يفرّغ المصريون طاقتهم في إحياء الذكرى الثانية للثورة ثم يعودون إلى منازلهم، غير أن كل الشواهد تؤكد على استمرار التظاهرات والاحتجاجات التي يقابلها تعنت واضح من جانب جماعة الإخوان والرئيس مرسي، الذي اكتفى بنشر أربع جُملٍ على موقع «تويتر» للتدوين القصير بعد 4 أيام من وقوع الاشتباكات في «القاهرة، والإسماعيلية، وبورسعيد، والسويس»، بينما كان قد أصدر ثلاثة بيانات رئاسية وإرسال رئيس وزرائه إلى قطاع غزة خلال 48 ساعة فقط من بدء الحرب الإسرائيلية الأخيرة على الفلسطينيين في نوفمبر الماضي!!
*****
الآراء في الشارع المصري اليوم تتفاوت ما بين من يرى أن جماعة الإخوان وممثلها في القصر الرئاسي محمد مرسي يجهزون لمفاجآت قد تشعل حربًا أهلية، ومن يرى أن نهاية الإخوان المسلمين قاب قوسين أو أدنى، فيما يرى آخرون أنه إذا استمرت التظاهرات على هذه الوتيرة، فمن الممكن أن يعلن الرئيس مرسي الأحكام العرفية أو حظر التجول في جميع أنحاء البلاد، وليس فقط في مدن القناة، ويطالب الجيش بالنزول إلى الشوارع لدعم الإخوان والإبقاء عليهم في سدة الحكم.
وفي هذا السياق، نجد أن قطاعًا عريضًا من الشعب المصري يطالب على استحياء بتدخل الجيش في المشهد السياسي، لإنقاذ مصر من شر حكم تيار الإسلام السياسي، وعلى رأسهم جماعة الإخوان، مشترطون في الوقت نفسه، أن تعود القوات المسلحة إلى ثكناتها بمجرد الانتهاء من مهمتها وتسليم السلطة لمجلس رئاسي مدني، وهذا ما لا يتفق أبدًا مع مسار الأمور ووضع الجيش وطموحاته الاقتصادية والسياسية التي عاش عليها لأكثر من 40 عامًا، كما أن الجيش بعد تبنيه موقفًا يتسق مع مصالحه ومشاريعه الاقتصادية لم يسلم السلطة لجماعة الإخوان المسلمين طواعية، بل تحت ضغوط خارجية، تدخل في إطار السياق الدولي العام واعترافه بعدم قدرته على أداء دور في بناء دولة ديمقراطية حديثة.
وبالرغم من أن التحذير الذي أطلقه وزير الدفاع القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح السيسي، يوم الثلاثاء، من أن «الدولة على شفا الانهيار» يستدعي القلق، إلا أنني لا أرجح وقوع انقلاب عسكري، كما لا يمكن للجيش أن يقف أمام خطط الولايات المتحدة التي تقوم بدعمه ماليًا وعسكريًا، لذا فمن المستبعد تمامًا تدخل الجيش لإبعاد جماعة الإخوان عن الحكم وإفساد نقطة الارتكاز الأساسية التي تخطط الإدارة الأمريكية لاستخدامها لاحقًا ضد إيران أو ضمن مخططات أخرى للمنطقة، خاصة بعدما تنتهي واشنطن من التوصل لحل للأزمة السورية.
*****
ولقد وصلت مصر الآن إلى مرحلة خطيرة من الفوضى والاستقطاب في ظل استمرار الاشتباكات الدائرة بين قوات الأمن ومتظاهرين من مختلف التيارات والانتماءات، لا يجمع بينهم سوى الغضب من الحالة التي وصلت إليها البلاد ومن قيادة الرئيس مرسي لها، وعلى الرغم من أن الغضب الشعبي العارم أوصل رسالة إلى مرسي، إلا أنه لم يُبدِ أي دلائل على المرونة أو القدرة على الإبداع رداً على تلك الحالة، مكتفيًا هو جماعته بالشجب عبر التلفزيون الرسمي للدولة، والتنديد بتصرفات «البلطجية» ومظاهر «الفوضى»، لكنهم لم يُبدوا حساسية أكبر تجاه المظالم العديدة التي أججت مشاعر الحشود العنيفة والاحتجاجات السلمية.
هذا، ولا تزال الفوضى الأمنية والاجتماعية والسياسية تتصدر المشهد العام، وتتواصل حرب الشوارع بين المتظاهرين وقوات الأمن، التي تدعمها عناصر بزي مدني، وصفها البعض بأنها تابعة لـ«مليشيات» جماعة الإخوان المسلمين والسلفيين، وأجمع ساسة ونشطاء على أن جماعة الإخوان المسلمين تقوم عن عمد بتفجير الأوضاع في البلاد، ووضعها على أعتاب حرب أهلية، اعتمادًا على دعم بعض الدول مثل قطر والولايات المتحدة.
أضف إلى ذلك، أن ظهور الرئيس مرسي ورئيس حكومته هشام قنديل في المشهدين السياسي والميداني تزامن مع وصول وفد «عسكري - أمني» أمريكي إلى مصر، يضم في صفوفه خبراء ومسؤولين رسميين أمريكيين في مجال مكافحة الإرهاب، ما استوجب المخاوف من أن يتم تصوير تصرفات الجهات الأمنية المصرية ضد المتظاهرين على أنه شكل من أشكال «مكافحة الشغب أو الإرهاب»، بل ويمكن ربط تصعيد عمليات قمع المتظاهرين بوصول الوفد الأمريكي.
*****
وتعيش مصر -شعبًا وثورة- أزمة كبيرة مركبة، ساهمت أخطاء الفترة الانتقالية في تعطيل التوصل إلى حلول سريعة وواضحة لها، والشعارات المرفوعة في ميادين التحرير خلال الذكرى الثانية للثورة تؤكد أن قطاعًا ضخمًا من جموع الشعب ضاق ذرعًا بمحاولة جماعة الإخوان المسلمين حكم مصر بمفردهم، وفرض الدستور الملائم لأهواء الجماعة وتيار الإسلام السياسي، كما أن الغضب يزداد من جراء تأخر الحكومة والرئيس محمد مرسي في إيجاد حلول للمشكلات المستعصية التي يعاني منها المواطن المصري يوميًا.
ومن الوجب علينا أن نُذكّر الرئيس مرسي بالثمن الذي دفعه الرئيس السابق حسني مبارك جراء تأخره في تبني الخطوات المناسبة في الوقت المناسب خلال الأيام الأولى لثورة يناير 2011، وكذلك حث قادة تيار الإسلام السياسي على التفكير جديًا في قدرتهم على حكم مصر بمفردهم، وأن ندعو قادة الإخوان ومكتب إرشاد الجماعة إلى إجراء مراجعة نقدية لما قدموه حتى الآن من أجل ملامسة معاناة المواطن البسيط المهتم بلقمة العيش والكرامة، وغير المعني كثيرًا بالصراع السياسي.
وأخيرًا وليس آخرًا، وجب التذكير أيضًا بأن ثورتنا يا سادة قد رفعت الظلم عن جماعة الإخوان المسلمين وتيارات الإسلام السياسي المضطهدة منذ عشرات السنين، لكنها في الوقت ذاته، قوّت جميع حركات المجتمع المصري وأحزابه السياسية، فلا تتناسوا هذا، وإلا فإن العاقبة أسوأ.



