بقلم : مصطفي الأسواني
.jpg)
من الواضح أن قادة جماعة الإخوان المسلمين اعتبروا أن الحكم «جائزة كبرى»، وأنهم وعدوا أنفسهم بها منذ أكثر من ثمانين عامًا، ولا يريدون بالتالي إضاعتها، وبعد طول انتظار ابتسم لهم الزمن، وهذا ما أدى إلى انفجار الأوضاع في الشارع المصري؛ فمعلوم للجميع أن أكثر من نصف المواطنين كانوا يعارضون السياسة التي ينتهجها الرئيس محمد مرسي، وكانوا بانتظار اللحظة المناسبة للتعبير عن ذلك، إلا أن ممثل الإخوان في قصر الاتحادية بادرهم بصنع شق مجتمعي بقراراته التي أصدرها، والتي تُعد مصدر خوف لكل من ثار ليبني بلدًا آمنًا يتمتع سكانه بالعدل والحرية والديمقراطية.
وما نعيشه اليوم كان متوقعًا لعدة أسباب؛ من أهمها قلة خبرة الرئيس مرسي في العمل السياسي وإدارة شؤون الدولة، فقد أكدت الأحداث الأخيرة أن مرسي أقدم على خطوات غير مدروسة، هذا بالإضافة إلى أنه لم يحقق حتى الآن الكثير من وعوده الانتخابية، لهذا فهو مطالب الآن، أكثر من أي وقت مضى، بإتقان فنّ المناورة والمراوغة، لكي يتمكن من تجاوز هذه المرحلة بأقل الخسائر، وعليه كذلك أن يكون مستعدًا للقادم من الأيام؛ لأن الأوضاع الاقتصادية تنذر باندلاع المزيد من الاضطرابات، وعليه أيضًا أن يعمل على التفاف الشعب حوله.
*****
إن هذه الأجواء المشحونة تعيد إلى الأذهان الأحداث التي شهدتها مصر إبان ثورتنا المجيدة في يناير 2011، وإذا لم تؤدِ المواجهات الشعبية الحالية إلى تغيير جديد في طبيعة السلطة القائمة، إلا أنها تشكل ضربة قاسية لهيبة رأس السلطة في قصره الرئاسي، ومن المؤكد أنه لن يكون باستطاعة المعارضة أن تزيح الرئيس عن السلطة؛ لأن الإسلاميين لن يتركوه فريسة سهلة لهم، لهذا يجب على كافة أطراف المعارضة أن تتحد لتحقيق أكبر قدر ممكن من تطلعاتها.
كما أن تركيز جماعة الإخوان المسلمين على تعزيز سلطتها بدلاً من الوفاء بوعودها، نتج عنه الكثير من المظالم التي دفعت بالشعب للخروج والتظاهر ضد نظام حكمهم، الذي أثبت فشله الذريع خلال عامه الأول في السلطة، كذلك حرص الجماعة على تمكين قياداتها للسيطرة على مفاصل الدولة، وفي هذا السياق، نذكر ما تضمنته إجراءات مرسي الرئيسية، من إصداره إعلانين دستوريين وسّعا من صلاحياته، وتمرير دستور معبرٍ عن تيار الإسلام السياسي وحده من خلال الجمعية التأسيسية التي يهيمن عليها الإخوان، وزيادة عدد وزراء الحكومة والمحافظين من جماعة الإخوان مع كل جولة جديدة من التعيينات.
في الوقت نفسه، وبدلاً من قيام مرسي بإصلاح وزارة الداخلية، بدا راضيًا عن استخدامها لعزل نظامه وتحصينه، بالرغم من سخط الأهالي في كل أنحاء مصر على سلطة مرسي، وتمردهم على تدابيره القمعية، واستمرارهم في التظاهر والاعتصام في القاهرة وسائر المدن الكبرى.
*****
ويبدو أن الرئيس مرسي قد بحث عن حل وسط للخروج من الأزمة الراهنة؛ لأن الذهاب إلى مواجهة مفتوحة مع نصف المجتمع، ومع السلطة القضائية، يمكن أن يؤدي إلى ما لا يُحمد عقباه بالنسبة لمستقبله السياسي ولأمن الوطن واستقراره أيضًا.
وقد أسفر تمسك المعارضة بمطالبها السياسية -الهادفة إلى إزاحة مكتب إرشاد الجماعة عن الحكم، وتمرد ضباط الشرطة متمثلاً في ظهور «تنظيم الضباط الأحرار»، وتخلي قطاع عريض من السلفيين عن حكم الإخوان، وإلغاء زيارة الرئيس مرسي لفرنسا، واختصار زيارته لألمانيا-، كل ذلك عن إجراء مرسي تعديلاً في موقفه من مطالب المعارضة، بموافقته على تعديل الدستور، لكنه في الوقت نفسه، رفض مطلب جبهة الإنقاذ بتشكيل حكومة إنقاذ وطني، «متحججًا» بأن هذا المطلب لا يمكن تحقيقه في الوقت الراهن؛ لأن البلاد مقبلة على انتخابات عامة في مدى شهرين، لكن، أتعلمون لماذا يرفض مرسي تشكيل حكومة إنقاذ وطني؟!
والحقيقة، من وجهة نظري، أن مرسي يرفض تشكيل تلك الحكومة لأن ذلك من شأنه أن يؤدي إلى زوال حكم الإخوان، ويتضامن معه في هذا الاتجاه أيضًا حزب الحرية والعدالة؛ فبحسب ما قاله طارق المرسي- المتحدث الرسمي باسم الحزب، من أن «الجمع بين التيارات السياسية المصرية المختلفة في حكومة واحدة، على غرار ما تطالب به جبهة الإنقاذ، هو أمر صعب»، مؤكداً أن «ذلك لن يتحقق، ويجب الاستناد إلى نسبة تمثيل في مجلس الشعب، ومن ثمّ تتكون حكومة ائتلافية بالشكل الذي نص عليه الدستور»، وأضاف طارق المرسي، في مداخلة هاتفية لبرنامج (90 دقيقة) مساء يوم الأحد، أن «الزعم بضرورة تشكيل حكومة محايدة لتشرف على الانتخابات البرلمانية، هو زعم مكذوب؛ لأن هناك لجنة عليا للانتخابات تُشرف عليها وليس الحكومة، ومن المُقرر أن يكون هناك إشراف قضائي كامل على هذه الانتخابات كما نص الدستور»، حسب زعمه.
غير أنني أؤكد أن تشكيل حكومة إنقاذ وطني ائتلافية هي السبيل الأفضل للخروج من الأزمة الراهنة؛ بحيث تأخذ هذه الحكومة على عاتقها تعديل الدستور من خلال لجنة دستورية تتمثل فيها كل الأطياف السياسية وفقهاء الدستور، وتعديل قانون الانتخابات خلال فترة انتقالية لا تتجاوز ثلاثة أشهر، مع مراعاة أن إقرار التعديلات الدستورية يجب أن يسبق تعديل قانون الانتخابات، وبالتالي يسبق إجراء الانتخابات نفسها.



