بقلم : مصطفي الأسواني
.jpg)
في الفترة الأخيرة لفت انتباهي ما يقوم به مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين، الذي يحكم مصر فعليًا من خلال ممثله في قصر الرئاسة محمد مرسي، من تنفيذ مخطط لأخونة العلاقات الخارجية المصرية، خاصة مع عدد من دول الخليج، وإحلال «الجماعة» رسميًا بدلاً من الدولة، وهذا ما يكشف عن المساعي المستمرة لنصب شبكة من المصالح والعلاقات بين أعضاء مكتب الإرشاد ورجال الأعمال التابعين للجماعة مع الحكومات الأجنبية ودوائر المال والأعمال؛ ليقدموا أنفسهم كبدائل لا للنظام الحاكم فقط، بل للدولة نفسها.
وقبل الدخول في تفاصيل عملية أخونة العلاقات الخارجية المصرية، أود تقديم عرض موجز عن نشأة العلاقة بين جماعة الإخوان ودول الخليج؛ وسأذكر من بينها العلاقة الوطيدة التي تجمع بين أعضاء الجماعة ودولة قطر، التي تُعد الملجأ والملاذ الآمن لعدد من قيادات الإخوان منذ الضربة القاضية التي وجهها الزعيم الراحل جمال عبد الناصر لهم في خمسينيات القرن الماضي؛ ويذكر التاريخ أن أول من وصل إلى العاصمة القطرية الدوحة، كان الشيخ يوسف القرضاوي، والشيخ عبد المعز عبد الستار، والشيخ أحمد العسال، والدكتور كمال ناجي، وغيرهم، ومن خلال هذه المجموعة انتشر فكر «الإخوان» لدى مجموعة من الشباب القطري، إلا أن مجموعة من الخلافات كانت قد نشبت في صفوف الإخوان بصدد إدارة مجموعة الشباب في ثمانينيات القرن الماضي، فتنازل البعض رغمًا عنه والآخر اختيارًا، فكانت هذه أولى بوادر الاختلاف على القيادة في مجموعة إخوان قطر، غير أن ولاءهم ما زال لـ«الجماعة» الأم في القاهرة.
لذا، فمن الصعب على جماعة الإخوان نسيان تاريخها الطويل من العلاقة المتوهجة التي تربطها بشعوب وحكام الخليج العربي ممن كانوا ولعقود طويلة السند والملاذ للآلاف من أعضاء الجماعة، ويؤكد المهتمون بنشاط الحركات الإسلامية، أن إخوان مصر يدركون أكثر من غيرهم، هامشية ومحدودية الدور الذي يمكن أن يلعبه إخوان الخليج داخل بلدانهم، ما قد يدفع قيادة الجماعة للبحث عن إنهاء الخلاف بشتى السبل؛ كي يتفرغوا لمشاكل راهنة أكثر ضرورة في البلدان التي استولوا على زمام السلطة فيها، ولكنهم لا يزالون غير قادرين على ترسيخ حكمهم فيها لأسباب كثيرة.
وقد انعكست هذه العلاقة التاريخية على عملية تغيير قيادة جهاز المخابرات العامة المصرية، خلال مرتين أمر بهما الرئيس محمد مرسي؛ تمهيدًا لفرض تيارات الإسلام السياسي على السلطة وعلى مفاصل الدولة وعدد من مؤسساتها، وهنا يجب علينا ان نتساءل: هل هناك تغييرات -إن لم تكن قد حدثت بالفعل- في العقيدة والمنهج اللذين يعمل بهما جهاز المخابرات؟!
*****
في حقيقة الأمر، ما لفت انتباهي هو تلك الزيارات المثيرة للشكوك، والتي يقوم بها قادة الأجهزة الأمنية والمخابراتية لدول خليجية بعينها -وعلى رأسها قطر- لمصر، فما هي تلك الأحداث السريعة والهامة والسرية التي تستدعي تلك الزيارات، التي وصفها المراقبون في القاهرة بـ«المريبة»؟ ومنذ متى وهناك تنسيق بين الأجهزة الأمنية المصرية ومثيلتها القطرية، وبالذات المخابرات الحربية؟! ومنذ متى أيضًا والمرشد العام للإخوان المسلمين محمد بديع، ونائبه رجل الأعمال وإمبراطور المال في الجماعة خيرت الشاطر، يقودان جهاز المخابرات الحربية المصري؟، ويمثلان القوات المسلحة المصرية وأجهزة استخباراتها، لكي يستقبلا مسؤولي الدول الأجنبية التابعين لأجهزة استخباراتها ومخابراتها؟!
ما ذكرته آنفًا لم يكن خيالاً ولا افتراءً باطلاً على قيادات الجماعة، بل هو مثبت من واقع ما طالب به محمد أنور السادات- رئيس حزب الإصلاح والتنمية، النائب العام المستشار طلعت إبراهيم، بإجراء تحقيق فوري في زيارة رئيس المخابرات العسكرية مساعد رئيس الأركان القطري- أحمد بن ناصر بن جاسم آل ثاني، وأسباب لقائه المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين «بديع» ونائبه «الشاطر»، في حين أنه لم يلتقِ أيًا من مسؤولي جهاز المخابرات الحربية الرسميين في مصر، والتي من المفترض أن الزيارة لهم في المقام الأول!!
والغريب في الموضوع، أن هذه الزيارة ليست الأولى من نوعها، بل كانت هناك زيارة سابقة منذ شهور مضت لرئيس المخابرات العسكرية القطرية إلى مصر، تسببت في أزمة كبيرة تم التكتم عليها في المخابرات العسكرية المصرية، التي كان يرأسها في ذلك الوقت وزير الدفاع الحالي الفريق أول عبد الفتاح السيسي؛ لكون الزيارة قد تمت دون إعلام الجهات المصرية المختصة، ولهذا السبب جاءت الزيارة الأخيرة بعد أقل من 24 ساعة من قيام رئيس المخابرات العسكرية المصرية الحالي اللواء أركان حرب محمود حجازي، بزيارة إلى الخرطوم؛ لبحث عدد من الملفات الأمنية.
وهذا ما يفرض علينا أن نطرح عدة تساؤلات؛ منها: لماذا جاء رئيس المخابرات العسكرية القطرية؟، وفيم دار الحديث؟، فمن حقنا أن نعرف ماذا يدور في وطننا مصر، ومن يدير الشأن المصري الداخلي والخارجي على حد سواء؟، وما موقع «بديع» و«الشاطر» في الرئاسة أو الحكومة ليقوما بمقابلة المسؤولين الأجانب؟، وأين الرئيس محمد مرسي من كل ما يحدث؟!



