رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : مصطفي الأسواني

 

 

 

انهارت العلاقات بين مصر والجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ عام 1980، عقب صعود آية الله خامنئي إلى السلطة في الثورة الإسلامية بإيران، وقطعه العلاقات مع مصر ردًا على اعترافها الرسمي بإسرائيل في العام 1979، وقد قام الرئيس الراحل محمد أنور السادات، بمنح شاه إيران المنفي تصريحًا بالعيش في مصر، إلى جانب دعمه العراق في حرب الثماني سنوات مع الجمهورية الإسلامية، وفي النهاية دُفن الشاه في مسجد بالقاهرة.

 

 

واستمر مسلسل تصعيد الأزمة من جهة مصر بدفنها شاه إيران محمد رضا بهلوي في أراضيها، ومن إيران بإطلاق اسم «خالد الإسلامبولي» قاتل السادات على أحد شوارع طهران، وإنتاج فيلم يُمجِّد قاتل الرئيس الراحل محمد أنور السادات عام 1981، ورغم أن تصريحات سابقة للرئيس محمد مرسي حينما كان رئيسًا لحزب الحرية والعدالة، أكد فيها أنه لن يستقبل القائم بالأعمال الإيرانية في مصر ما دامت إيران تدعم نظام بشار الأسد، إلا أنه وجه له الدعوة عبر وزير خارجيته علي أكبر صالحي، الذي زار مصر في يناير الماضي؛ لحضور القمة الإسلامية، وهو ما كان محل استغراب عن المسافة بين وعود المعارضة وممارسات السلطة لدى الرئيس وتنظيم جماعة الإخوان.

 

 

وبعد الإطاحة بحسني مبارك في عام 2011، رحب المرشد الإيراني الأعلى آية الله علي خامنئي باحتمالات ظهور حكم إسلامي في مصر، وتبادلت وفود من كلا البلدين، الزيارات. ومن وجهة نظر خامنئي، فقد كانت ثورات ما يُعرف بـ«الربيع العربي» ما هي إلا «صحوة إسلامية»، وحاليًا، بعدما زار الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد القاهرة، قد يبدو أن الرئيس محمد مرسي محاصر على الساحة الداخلية؛ من خلال كيفية تعامله مع التحدي الدبلوماسي الكبير المتمثل في إعادة بناء العلاقات مع إيران، بعد أكثر من ثلاثة عقود من العداء والقطيعة!!

 

*****

 

وتحمل هذه الزيارة ردود فعل غاضبة عليها وتعكس هواجس الشعب المصري أثناء جولات الرئيس الإيراني، ليس فقط ضد أحمدي نجاد وسياساته الخارجية، ولكن أيضًا ضد نظام وفكرة «ولاية الفقيه» التي يخشى المصريون التماهي معها في الدستور الجديد الذي جرى إقراره في الـ29 من ديسمبر الماضي. وكانت صحيفة «التايمز» البريطانية قد نشرت خبرًا في 20 يناير الماضي، عن لقاء تم بين قاسم سليماني- رئيس فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، وعصام الحداد- مساعد الرئيس المصري للشؤون الخارجية، أنكره الأخير، بينما لم تنفه الجريدة المصدر.

 

 

كما تأتي زيارة أحمدي نجاد في إطار مساعي التقارب بين طهران والقاهرة، في أعقاب وصول جماعة الإخوان المسلمين إلى الحكم بمصر، ولا تهدف فقط إلى تحسين العلاقات الدبلوماسية، بل إنها تمثل محاولة مصر لإقناع إيران بتغيير موقفها المؤيد لنظام بشار الأسد في سوريا، كذلك فإنه وبالرغم مما تشكله هذه الزيارة من إشارة لحدوث تطورات في العلاقات بين البلدين، إلا أنها لن تؤدي إلى إعادة فتح سفارات كل منهما لدى الأخرى، المغلقة منذ أكثر من 30 عامًا؛ لأن الظروف التي تمر بها مصر لا توفر بدائل واسعة أمامها، وتوجب عليها التفكير مليًا قبل تقوية العلاقات بشكل أكبر مع إيران؛ حيث إن ذلك لا يصب في صالح علاقات مصر مع دول مجلس التعاون الخليجي، أو حتى مع الحلفاء العالميين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية.

 

*****

 

ولقد بثّ وصول جماعة الإخوان المسلمين إلى سدة الحكم في أعقاب ثورتنا المجيدة الأمل في تجدد العلاقات الدبلوماسية مع إيران، لكن وبالرغم من المبادئ الأيديولوجية المشتركة ما بين إيران و«الجماعة» في مصر من ناحية المشاعر المناهضة لإسرائيل، وكذلك دعمهما لحركة «حماس» ضد «فتح» العلمانية القومية -في ظل صراع الانقسام الفلسطيني الطاحن-، إلا أنه لا تزال هناك عقبات سياسية ضخمة تعيق التعاون الثنائي بين البلدين.

 

 

وفي أعقاب ثورة «25 يناير» كسبت الدعاية المناهضة للشيعة زخمًا في الداخل المصري؛ من خلال ضخ مئات الكتب إلى القاهرة، والتي تزعم فساد الشيعة في تفسير المعنى الحقيقي للإسلام، وبالنظر إلى هذه الحملة من جانب آخر، نجدها تعكس إلى حد كبير النفوذ المتنامي لحلفاء مصر السنة، وخاصة دول الخليج وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، وليس تهديدًا حقيقيًا من المجتمع الشيعي الصغير والراضخ في مصر.

 

 

أما في دول الخليج، فقد قاد الشيعة الحركات الداعمة للديمقراطية، في تحدٍ صريح للحكومات السنية التي حرمتهم من حقوقهم، لكن هذه الحكومات تعزي تلك الاحتجاجات إلى التحريض الإيراني، وليس إلى مظالم داخلية مشروعة، وبالنسبة إليها، فإن الصراع بين العرب والإيرانيين هو صراع بين السنة والشيعة بصفة أساسية، وهكذا، تُصدر هذه البلدان خطابها المعادي للشيعة إلى بلدان، مثل مصر، التي ليس لديها تاريخ من الصراع «السني الشيعي»، وقبل ثورة يناير 2011، كانت مصر تعد واحدة من البلدان السنة الأكثر ودًا للشيعة في العالم العربي، إلا أن جماعة الإخوان المسلمين لا تزال تعتمد «ماليًا» على ملوك وأمراء الخليج، الذين يستغلون مصر كمنصة لأجندتهم المناهضة للشيعة والمعادية لإيران.

 

*****

 

وبالرغم من سياسات الجمهورية الإسلامية الإيرانية المحلية المناهضة للسُنة، إلا أنه لم يكن لدى طهران مشكلة في إقامة تحالفات استراتيجية وتكتيكية مع المنظمات السنية، طالما تهدد مصالح الغرب أو إسرائيل، ويأتي ذلك متمثلاً في محاولة إيران التعاون مع الإخوان المسلمين، أكبر تنظيم سني في العالم، إلا أنه من الممكن أن تشكل الفجوة بين السنة والشيعة تحديًا كبيرًا للعلاقات بين القاهرة وطهران. وتعمل جماعة الإخوان على تعزيز الروابط مع حلفائها السنة، مثل المملكة العربية السعودية وقطر وحتى تركيا، وليس مع النظام الشيعي في إيران، الذي يهدد الأنظمة السنية من خلال تصدير الثورة وإثارة أبناء الأقليات الشيعية ضد حكوماتهم.

 

 

وفضلاً عما سبق، فالنزاع الأكثر إلحاحًا بين إيران ومصر هو ذلك المرتبط بسوريا، وخلال سنواتها في المعارضة، كانت جماعة الإخوان ترى جمهورية إيران الإسلامية مثالاً يُحتذى به للكيفية التي قد تتولى فيها حكومة إسلامية عابرة للحدود الوطنية، السلطة؛ لكن في ظل الثورة السورية، دعمت إيران السياسات الوحشية والقمعية لنظام الرئيس بشار الأسد، ما نتج عنه أن بدأ الإسلاميون في مصر ينظرون إلى إيران على أنها قوة راهنة، وليس عاملاً دافعاً للتغيير الثوري.

 

 

كذلك فإن دعم إيران لنظام الأسد وإمداده بالأسلحة، من خلال وكيل طهران اللبناني «حزب الله»، يعزز التصور بوجود صراع بين السنة والشيعة في سوريا، وفي هذا السياق يرجح أن يعمل انهيار نظام الأسد على تفاقم التوترات بين طهران والقاهرة، لاسيما بالنظر إلى احتمال لعب جماعة الإخوان المسلمين في سوريا -التي هي جماعة المعارضة الرئيسية- دورًا قويًا، بل مهيمنًا في النظام السوري الجديد، ومع استمرار تصاعد التوترات الإقليمية، يرجح أن تتدهور فرص حدوث وئام بين مصر وإيران في الوقت الحالي.

 

*****

 

وكثيرًا ما سعت إيران لإقامة علاقات اقتصادية أكثر قوة مع حكومة الإخوان في مصر، لتعزيز جبهة قوية مناهضة لإسرائيل في المنطقة، وأذكر هنا محاولة طهران إبرام اتفاق تبيع بموجبه النفط المصري الخام؛ وهذا من شأنه أن يساعد أيضًا الحكومة الإيرانية على التكيف مع العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، لكن على الرغم من تصريح وزير النفط الإيراني رستم القاسمي في أكتوبر الماضي، بأن «هناك مفاوضات جارية بين البلدين»، إلا أن وزير البترول أسامة كمال، سارع إلى التبرؤ من السعي لإبرام أي اتفاق من هذا القبيل.

 

 

وفي ظل الأزمة الاقتصادية المصرية المتضخمة بعد الثورة وعجز الموازنة العامة للدولة، وتعلق قرض صندوق النقد الدولي الذي كان يطالب به المجلس العسكري، وتطلبه حكومة هشام قنديل، وتوتر صورة الاستقرار في مصر، يبقى السؤال الأكثر أهمية: ماذا يمكن أن تقدم طهران في ظل أزمتها الاقتصادية بفعل العقوبات عليها لبلد مأزوم مثلها؟!

 

 

وبعيدًا عن الاقتصاد، وبالرغم من هذه التقاربات الأيديولوجية، إلا أن الاختلافات السياسية تجعل من التقارب أمرًا غير محتمل؛ حيث إن جماعة الإخوان المسلمين تعتبر نفسها «حصنًا للإسلام السياسي العصري»، وتؤمن بأنه ينبغي عليها أن تتبوأ دورًا قياديًا بين كافة الجماعات والدول الإسلامية في العالم، وعلى الجانب الآخر، يصف خامنئي نفسه بأنه «زعيم العالم الإسلامي»، ويدعو إيران بـ«المدينة الأم» أو «أم القرى».

 

*****

 

في السياق ذاته، فإن التطورات الإقليمية تفرض على إيران الاتجاه نحو مصر حاليًا، وبمراعاة أن النظام في إيران إسلامي أيديولوجي، فمن الطبيعي أن تلتقي طهران وحكم الإخوان بمصر في بعض المواقف، لاسيما فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية والعلاقات مع إسرائيل، فـ«كامب ديفيد» بالنسبة لطهران أصبحت بحكم المنتهية بعد ثورة يناير، كما أن عودة الأمور إلى طبيعتها بين البلدين قد تحل عددًا من المسائل الإقليمية، كونهما لاعبين مهمين في المنطقة.

 

 

وأرى أن موانع تطوير العلاقات لا تأتي من قبل الطرف الإيراني، وإنما تواجهها مصر إما داخليًا بسبب معارضة السلفيين وهم شركاء الإخوان للتوجه نحو طهران، وإما إقليميًا بسبب العلاقات الاستراتيجية بين مصر والدول الخليجية، فضلاً عن المواقف المتباينة بين البلدين بشأن الأزمة السورية، لكنني لا أعتقد أن في مساحة الاختلاف هذه مانعًا قد يجمد العلاقات على المدى البعيد، كما أن الروابط الثنائية قد تبدأ بشكل محدود، ولكن الأمر قابل للتغير وفقًا للظروف في المنطقة.

 

 

وبالرغم مما سبق، إلا أنني لا أتوقع أيضًا تطورًا في العلاقات بين مصر وإيران؛ حيث إن المحددات التي تواجهها المساعي الإيرانية لا تزال قائمة وبشدة، والوصول إلى علاقات ثنائية جيدة أمر صعب خلال هذه المرحلة؛ فحكومة مصر بعد ثورة يناير 2011 لا تزال غير مستقرة سياسيًا، فضلاً عن وجود السلفيين في الساحة، وكلها أمور لن تسمح بتغيير المعادلات الحالية بين طهران والقاهرة، كما أن استقرار مصر هو الشرط الأول لبناء قاعدة جديدة للعلاقات المصرية الإيرانية، ومن ثم على القاهرة أن تتحرك نحو طهران، فبعد زيارة الرئيس نجاد على الطرف المصري أن يقابل الأمر بخطوات مماثلة، ولكن هذا الأمر يبدو بعيد المنال.

 

تم نسخ الرابط