بقلم : مصطفي الأسواني
.jpg)
«الضحك» هو انعكاس للحياة، وطاقة تأمل وشفاء؛ لأنه يغير تركيبك الكيميائي كله، عندما تضحك بكل جوارحك ومن أعماق فؤادك تصبح في حالة تأملية عميقة، يختفي معها التفكير والتحليل؛ إذ لا يمكن لك أن تضحك وتفكر معًا، وإلا سيصبح ضحكك مشوهًا مشلولاً، أما عندما يكون ضحكك حقيقيًا، ستذوب في أعماق الوجود ويذوب الوجود في أعماقك لتصبح في حالة صفاء ونقاء وتوحيد، فالحياة جميلة بسيطة جدًا، إنها رقصة كونية، أغنية وسيمفونية، فابتهج واستمتع بها، ليشعّ كل نفس من أنفاسك بهجةً وسرورًا.
وكغيرها من الكلمات الرنانة؛ تدخل «السعادة» كمصطلح غني ومغرٍ وغزير في قاموس الكثير من الأعمال الدعائية والإعلامية، وتتردد على أفواه الكثير، ولا ترتبط بأية سلعة، فالكل مُعرض للسعادة والتعاسة على حد سواء، وهناك جرَّاح للقلب أدخل على «السعادة» لمساته الذكية، ليخفف من هموم الناس، حاملاً لواء الدفاع عن المواطن في وجه استبداد السلطة، فتحوّل في فترة قصيرة إلى ظاهرة فريدة استقطبت الإعلام العالمي والعربي على حد سواء.
إن الشعور بالسعادة لدى الإنسان يزداد بنسبة عشرة في المائة خلال عطلة نهاية الأسبوع، ويزداد بنسبة أكبر خلال عطل الأعياد والإجازة السنوية، ويصل لغايته عند مشاهدة برنامج «البرنامج» لجرَّاح القلب الساخر «باسم يوسف»، ولو كان الأمر بيدي لأنشأت وزارة جديدة أسميتها «وزارة السعادة»، وجعلته وزيرًا لها.
*****
«وزير السعادة» باسم يوسف، خفيف الروح ولاذع اللسان، يتمتّع بذكاء حاد وقادر على مقاومة الظلم بالابتسامة، وأعتبره يستغل مهاراته في جراحات زراعة القلب والأجهزة المعاونة لعضلة القلب بمهارة فائقة في صنع السعادة وزرع الابتسامة في قلوب مشاهديه، ورسمها على وجوههم؛ ليواجهوا بها همومهم اليومية، من خلال نقده الساخر، والمقنع في كثير من الأحيان، لهم، مهما كانت الظروف المعيشية المحيطة بهم، ومهما كانت التحديات أو الضغوط الاجتماعية أو المالية التي تواجههم.
وحقيقة الأمر؛ نحن في حاجة ماسة لابتكار «وزارة للسعادة» بسبب ما نشاهده من بلاعيم و«لغاليغ» لعدد من الوزراء والمسؤولين الحكوميين ونواب الردح الكلامي، ممن لا يعجبهم العجب العجاب، فتراهم يضعون العصي في دواليب الإنجاز والتطوير والعمار، والأهم من هذا وذاك، نجدهم يتفرغون لإدخال الهمِّ والغمِّ والبؤس والحسرة والكِشرة على وجوه الشعب، الذي يصيبه العبوس كلما شاهد صورة هذا النائب أو ذاك الوزير، وحتى رئيس الجمهورية نفسه، فنصاب جميعًا باللوعة والحسرة على ما آلت إليه الحال والأحوال في ربوع مصر، بسبب العنتريات الفاضية الماسخة لمن هم في سدة الحكم؛ لذا أقول، إننا بفضل تلك الأسباب والمسببات المؤلمة مجتمعةً بتنا في حاجة إلى وزارة متخصصة في إسعاد البشر، وزرع الابتسامة والتفاؤل في وجوههم وفي ثنايا قلوبهم، وسأختار «باسم» ليكون وزيرًا لها.
وسيكون مطلوبًا من «وزير السعادة» أن يوفر للشعب حبوبًا مُدرة للضحك، وموسعات لشرايين القهقهة، وقوابض لشُعب النكد، ومسيلات للابتسامة، وموانع للاكتئاب، ومضادات للبوز الملوي، وملينات للنكت، ومسهلات للقفشات، وممسكات للهم والغم، وكلها علاجات وأدوية غير متوافرة لدى «وزارة الصحة»، كما يجب على «باسم يوسف» أن يوفر السعادة في وزارته الجديدة عبر منافذ، طوابيرها قصيرة أو بلا طوابير.
*****
اليوم، وفي ظل ما يُسمى بثورات «الربيع العربي» يتوق المواطن إلى من يخاطب عقله بذكاء، ويصفق لمن ينتقد الحالة التي يعيش فيها بمنتهى الاحترام، لقدرة المنتقد على استيعاب ما يدور من حوله، وهذا ما يعتمد عليه باسم يوسف في برنامجه، على خشبة المسرح، من خلال طريقته المباشرة في التخاطب مع الجمهور، الذي يشاهد الحلقات -وليس من الكومبارس الذي يُدفع له مال- بمحض إرادته وبسعادة وحماسة، لذلك يتجاوب معه بشكل عفوي وحقيقي بعيدًا عن توجيهات مدير المسرح أو المخرج، ويُخرج ضحكات طنانة ورنانة تعبر عن الكبت والغضب مما يحصل من حوله.
«وزارة السعادة»، ستفرض نفسها وتصبح في فترة وجيزة حديث الناس، كما سيجد فيها المواطن العربي ظاهرة ظريفة لطيفة تغييرية انتقادية غير تقليدية، ومن المؤكد أنه سيحبها ويعتبرها لسان حاله، لذلك ستحصد النجاح كله، وستشبه إلى حد بعيد الطريقة الغربية القريبة من الديمقراطية واحترام عقل المواطن.
وهذه الوزارة المعدومة في العالم العربي لا تحتاج إلى خفّة ظل فحسب، إنما إلى ثقافة واسعة وسرعة بديهة، وقدرة على السيطرة على جمهور لا يخضع لمنطق المال، بل لمنطق العقل، وسيكون على هذه الوزارة أن تتناول المواقف المتناقضة لجميع المسؤولين والوزارات الأخرى بطريقة ساخرة، وتصنع من كلماتهم المتضاربة وهفواتهم وعباراتهم النابية الجارحة وشتائمهم، السوط الذي تجلدهم به، والسيف الذي تسلِّطه على رقابهم جميعًا، كل هذا وجدته متوافرًا في شخص «باسم يوسف»؛ لذا فقد اخترته وزيرًا للسعادة.



