رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : مصطفي الأسواني

 

 

في الآونة الأخيرة قررت الابتعاد مؤقتًا عن الحديث في أمور السياسة؛ في محاولة مني للخروج من حالة السأم والقلق والخوف التي أعيشها وتعيشونها معي حزنًا على ما آلت إليه أحوال مصرنا الحبيبة على كافة الأصعدة، لذا فقد لجأت للهروب إلى حواء؛ والكتابة عنها لأحتمي بها، ولعلي أوفِّيها بعضًا من حقوقها المفروضة علينا، وكثير منا يتجاهل تلك الحقوق ويتناساها إما عمدًا أو سهوًا، غير أنني سأُنَّحي شخصي جانبًا أثناء حديثي عن المرأة، وسأدع من يحمل المرأة في قلبه ولُبِّه ورَحِمِه يكتب نيابة عني؛ وهو هذا «الضمير» المفقود في العالم اليوم، والموجود في رحم حواء وآدم منذ المدى..

 

ويبدأ «الضمير» كتابته متسائلاً: من ذا الذي يعرفُكِ أيتها الأم والزوجة والأخت والعاشقة والحبيبة والجدَّة والحفيدة والأنثى وشاغلة الدنيا والآخرة؟؟ من آدم إلى حواء مسيرتنا في الفضاء والفناء، تصوروا ولو للحظة واحدة العالم بدون حواء!!. نعم سينهار الاقتصاد.. ويموت الحب.

 

ومعروف أن آدم لا يستطيع أن يعيش مع حواء ولا بدونها.. يهرب منها وإليها.. شَرُّ لابد منه، إّنها السر الأبعد من أي سرور.. امرأة، حُرمة، رحمة، محترمة، صفات ومواصفات ولكن الكلمة محدودة وكذلك حرية المرأة أيضًا ممدودة ومحدودة ومسدودة من حضرة السيد المحترم، الذي سمح لنفسه ما لا يُسمح لغيره.. طبعًا يُغار عليها ومنها.. وهي الغار والعار، وهو النور والنار، هذه هي لعبة القط والفأر من جّنة عدن إلى جّنة الإنسان، إلا أنه يجب علينا أن نعترف بأن المرأة شَرٌّ وسِرْ وخير وطُهر وعُهر ونُور، وإلى ما هنالك من أسرار أبعد من لهب الحب ومن شعلة النار، إنها سِحر وفتنة، وإنها البيان والبنيان، ومن البيان للسِحر أنت أيها الرجل خليفة هذا السر.. تذَّكر الرحم الذي رحمك وغمرك ووصلك وأوصلك إلى الأصول الأبعد من أي أصل وأي فصل.

 

هذه هي المرأة التي لا تزال مجهولة بعد أن حَكم وتحّكم آدم بالأرض وبالسماء.. وعليك أيها القارئ الكريم أن تقرأ ما يكتبه لك «الضمير» بقلبك، لا بعقلك ولا بفكرك، لا تحكم ولا تعيب ولا تُدين، بل اسمع واستمتع، والسعة واسعة، وهذا هو السعي؛ سعي الرجل والمرأة إلى التبصر بنور البصيرة، ومن الصعب جدًا أن أقدم لكم المرأة؛ لأن التقديم هو دائمًا للرجل؛ فهو الذي يُعَّرف عنها ويقدمها قائلاً: «إّنها زوجتي أو حُرمتي أو أم عيالي»، وطبعًا هو السائل والمسؤول منها وعنها، وهي التي تحمل وتتحمل من العيال والعلل وإلى ما هنالك من سخافة وهبل وفشل وملل.

 

*****

 

إن الرجل سِرُّ، والمرأة لُغْز، والطبيعة حُجَّة غامضة، وكل جهدنا لمعرفة هذا الوجود سيصاب بالفشل وخيبة الأمل؛ حيث إن المفتاح إلى السعادة ليس بالكلام عن الرقة والحنان والحب والشوق، بل بعيش النشوة الحقيقية التي هي المفتاح الذي لا يزال مفقودًا في يد حامله، والمرأة تبدأ بمقاومة تَطَور وتَقَدم الرجل، وتنتهي بعرقلة سير عمله ومنعه من الراحة والاعتزال، وإذا أردت أن تُغير فكر المرأة اتفق معها، وإذا أحببت أن تعرف حقيقة فكرها وقصدها ونيتها، انظر إليها ولا تسمع ولا تنصت؛ فالمرأة تفكر في إحساسها، والرجل يفكر في فكره، وأين هو التجانس والتواصل؟

 

ومن أكثر الأسباب التي تُفرق وتُخالف وتختلف بين الرجل والمرأة، هي التكيف والتحكم بالإنسان منذ ألوف السنين، هذه الشروط ليست طبيعية في جوهر الإنسان، ولكن هنالك بعض المواصفات الفريدة والمميزة والجميلة التي تمنح الكائن فردية مستقّلة، ويمكننا أن نأخذ هذا الاختلاف بعين الاعتبار؛ فالمرأة هي صاحبة القدرة على إنتاج الحياة، هي التي تلد وتتوالد، الرجل لا يستطيع أن يواجه هذا السر؛ لذلك يشعر بالوضاعة أو الدونية مما يجعله يتحكم ويسيطر على المرأة، إن عقدة التخّلف هذه جعلته يدَّعي ويزعم بأّنه هو الأقوى وهو الأعظم، وبذلك يخدع نفسه ليضّلل العالم، ومن هنا نرى بأن الرجل على مدار الزمن يدمر عبقرية المرأة ومواهبها وقدراتها؛ ليبرهن لنفسه بأّنه الأعلى والأرفع، وبذلك يحق له أن يتحكم بالعالم.

 

وبسؤال «الضمير» عما يقصده من ذلك، وجدته يدعوني لملاحظة أن المرأة أثناء الحمل تبقى حساسة ومرهفة وسريعة التأثر؛ لذلك تعتمد على الرجل، ولكن الزوج استغلّ واستثمر هذه النعمة بطريقة بشعة أدت إلى نقمة بين الطرفين، مع العلم بأن هذا الشعور هو جسدي وطبيعي ويؤدي وظيفته أثناء الحمل ولا يشكل أي فرق في الحق عند الرجل والمرأة؛ فلجسدنا علينا الحق، لكن نفسية المرأة دُمرت وشُوهت بسبب معاملة الرجل، الذي جعل منها إنسانة من الدرجة ثانية وسلعة وعبدة، ولا نزال حتى اليوم نرى بأن الرجل على مرِّ العصور يَعصِرُ المرأة بعضلاته؛ لأن العضل عنده هو السيد على العقل، لقد برهن وأثبت للمرأة بأنه هو السيد، وهو الحاكم وربُّ البيت والمجتمع والعالم أجمع، ولكن القوة العضلية هي جزء من الخصائص الحيوانية في الإنسان، وإذا كانت هذه الميزة هي التي تقرر التفوق والترّفع والتشامخ؛ فإن أي حيوان يكسب الميدالية الذهبية لأنه يتفوق عضليًا على الرجل.

 

لنتذكر أن العضل غير العقل، العقل هو سيد العضل وسيد العضو، ولكن ما نراه حول العالم أن مجتمع الأعضاء هو الذي يحكم ويتحكم، وليحكم العقل ولترى الحكمة بأن ما وصلنا إليه اليوم هو نتيجة هذا الجهل منذ آدم وحواء حتى الساعة، الجهل هو العدو الأساسي، والإنسان عدو ما يجهل، وأكثرنا للحق كارهون وللعضل مجاهدون، ومن أين سيأتي الإشراق طالما لا نزال في هذا الذّل من الجهل؟

 

*****

 

من الطبيعي أن تكون هنالك صفات مميزة بين الرجل والمرأة، وهذا الفرق حق عند الطرفين، ولكن الاختلاف الحقيقي دُمَّر وطُمِر تحت أكوام من الركام التي لا تزال تتراكم لتدعم هذا الرجل، الذي ابتدع اختلافات وخلافات على ذوقه؛ ليقول للمرأة وللعالم بأن الأنثى فاقدة الإدراك والوعي، وما هي إلا وعاء جميل نوعًا ما، وعلى الرجل أن يتصرف بها كما يشاء.

 

ولكن مهما قيل وسيقال، فإن الحق يقول بأن المرأة أقدر من الرجل على الحب؛ لأنها لا تستخدم فكرها بل حدسها وروحها، بينما الرجل بحاجة إلى الحب الجسدي الملموس والمحسوس؛ لذلك نرى بأن المرأة تُفضِّل الزواج الأحادي، والرجل يُفَضِّل تعدد الزوجات أو كلّ نساء العالم ولا يكتفي، بل يحيا الاستياء والتكدر، بينما نجد أن المرأة تكتفي بحب واحد إذا كان متممًا للرغبات النفسية والجسدية والروحية، لا تنظر المرأة إلى جسده فحسب، بل إلى أعماق قلبه وروحه، لا يهمها عضلاته أو شكله أو عقله، بل الجاذبية التي لا يمكن تعريفها أو تحديدها بالكلمات، إنها تبحث عن هذه القدرة الخارقة في الرجل، وما على المرأة إلا المخاطرة والمغامرة والمجازفة لتتعرف على هذا الوعي.

 

ويقول «الضمير» إنه من الواجب أيضًا على الرجل أن لا يتحكم بالمرأة ولا يحرمها العلم والعمل، بل ساعدها لتتعرف على نفسها، فلولا وجودك لما وجدت ولولا وجودها لما كنت ما أنت عليه، أطلق الحرية لنفسك وبذلك تُحرر العالم، لا تحجبها ولا تحجمها، هي أدرى بنفسها منك ومن أي وسيط، جمالها ليس فتنة بل نعمة وقوة، ولكن لمن يعلم ومن يفهم معنى هذه الأسرار، وسأضرب لك مثالاً, عندما تنظر إلى العصفور الذي في القفص، تجده أنه لا يزال يغرد رغم وجوده داخل سجن، ولكن كيف تعرف بأنه لك؟ كذلك المرأة هي معك وأنت ترى جسدها وتتمّتع به على هواك، ولكن هل شققت قلبها لتعرف أنها لك أم لا؟

 

بعض الرجال يتعاملون مع المرأة وكأنها سلعة أو عمولة، وأصبحت المرأة صنف للرشوة على اختلاف أنواعها بالنسبة لهم، «خادمة» في النهار و«غانية» في الليل، وعلى هؤلاء أن يدركوا أن المرأة تنظر إليهم بالمثل أيضًا.

 

*****

 

وعند قراءتي لما كتبه «الضمير» وجدتني أبحث بتعمق أكثر عما في السطور والصدور من أسرار المرأة في الرجل، وأسرار الرجل في المرأة، وتوصلت إلى أن المرأة والرجل وتَران على قيثارة واحدة، ولكل وَتر أسراره، ومعًا نتناغم بالنعم وبالأنغام، أيتها المرأة, إن في قلبك كل الإمكانيات اللامحدودة والمطلقة التي يُبنى بها الإنسان قبل الأوطان، «الأم مدرسة إذا أعددّتها أعددت شعبًا طيب الأعراق»، ولكن الآن انقلبت الحقيقة إلى فضيحة، وأصبحت الأم ممسحة، وعلى الرجل أن يُعيد النظر بأعماله وبما صنعت أفكاره، ولنعتذر من أنفسنا، ولنعتزل عن هذا الجهل وعفا الله عن ما سلف، ولنمضي معًا في بناء إنسان جديد على أسس علمية تخص علم الأبدان وعلم الأديان.

 

وأخيرًا وليس آخرًا، أدركتُ أن نور المرأة في قلب الرجل، ونور الرجل في قلب المرأة، ولكني أتساءل, لماذا نحيا في هذه العتمة وهذه الظلمة؟ كلنا نعيش اليوم ألم التفرقة والانعزال والفصل، أين هي العائلة؟ أين هم الأقرباء والأنسباء؟ والإجابة على هذه الأسئلة توصلنا إلى أن المرأة صاحبة الدور الأهم والأكبر في تأسيس مجتمع متناسق، ولكن عليها أن تبدأ بنفسها أولاً، وعلى الرجل أن يساعدها ويساندها لتلبية رغباتها الجسدية والفكرية والروحية.

 

تم نسخ الرابط