بقلم : مصطفي الأسواني
.jpg)
لقد أدركت الولايات المتحدة الأمريكية أنها تتبع استراتيجية عديمة الجدوى، بشأن ملف إيران النووي، وأن هذه الاستراتيجية بحاجة للتغيير؛ ذلك أن التخريب، واستهداف العلماء الإيرانيين وتصفيتهم، أو التلويح باستهداف المواقع النووية الإيرانية، أو اللجوء إلى القرصنة الإلكترونية، لم ولن يفلح في عرقلة البرنامج النووي الإيراني.
وبالنسبة لقيام إيران بإطلاق قمر اصطناعي على متنه قرد حلَّق في كبسولة، ووصل إلى ارتفاع 120 كيلومترًا فوق مستوى سطح البحر، وعاد بسلام إلى الأرض خلال الفترة الماضية؛ فإن ذلك يثبت قدرة طهران في مجال الصواريخ البالستية؛ الأمر الذي يشير بشكل غير مباشر إلى أن البرنامج النووي الإيراني بلغ مستوى متقدمًا من الجودة.
في المقابل، يبدو أن موقف واشنطن ضعيف جدًا من عدة نواحٍ؛ بما فيها الناحية القانونية؛ فمعروف أن إيران من الدول الموقعة على اتفاقية الحد من انتشار السلاح النووي، إلا أنها تملك الحق في الحصول على الطاقة النووية السلمية، ويبدو أن طهران قررت استخدام السيناريو الياباني؛ بإجراء جميع التجارب والخطوات التي تسبق مراحل الإنتاج النهائي، وتكون قادرة على إنتاج السلاح النووي في وقت قياسي، عندما تستدعي الحاجة ذلك. ولن يكون بمقدور أحد أن يعاقب إيران؛ لأن عددًا لا بأس به من الدول سار على هذا النهج، ولم نسمع أن أيًا من تلك الدول تَعَرض لعقوبة، وبالتالي فإن الولايات المتحدة تجد نفسها أمام معضلة حقيقية؛ إذ ليس أمامها سوى خيارين: إما أن تبادر إلى قصف طهران، أو أن تُسلِّم بفكرة امتلاك الجمهورية الإسلامية الإيرانية للسلاح النووي.
*****
وبتدقيق النظر فيما سبق ذكره، نجد أن أيًا من هذين الخيارين، لا يمكن أن يُمثل مخرجًا مضمونًا ونهائيًا من الأزمة؛ ذلك أن الضربات الجوية لا يمكن أن تدمر البرنامج النووي الإيراني، لكنها ستؤدي حتمًا إلى اندلاع حرب كبيرة، وعلى واشنطن أن تكون مستعدة لتلقي ضربات كرد فعلٍ من إيران، في قواعدها المنتشرة بالمنطقة، وحتى إذا تمكنت الولايات المتحدة من كسب المعركة وتغيير النظام في طهران، فإن المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط ستتعرض لأضرار فادحة؛ لأن تغيير النظام في إيران سيتيح لدول الخليج العربي إمكانية السيطرة على الفضاء الإسلامي الممتد من المغرب وحتى أفغانستان.
وإذا ما أحجمت أمريكا عن القيام بأي فعل، فإن ذلك سيدفع إسرائيل إلى التصدي للبرنامج النووي الإيراني بالتعاون مع دول مجلس التعاون الخليجي العربية، وهذا ليس من مصلحة الولايات المتحدة؛ إذ ليس من المستبعد أن تؤدي الضربة الإسرائيلية لإيران إلى زيادة عزلة تل أبيب، أما دول الخليج التي لا تملك جيوشًا قادرة على مهاجمة إيران، فسوف تسعى لامتلاك برنامج ردع نووي، لكيلا تكون العقدة الأضعف في هذه السلسلة.
إذن، ليس أمام الإدارة الأمريكية برئاسة باراك أوباما إلا أن تعطي المفاوضات فرصة جديدة، وقد تكون الأخيرة، ومما يشير إلى ذلك خفض الولايات المتحدة مستوى دعمها للمقاتلين في سوريا، وقرار البيت الأبيض تعيين «جون كيري» وزيرًا للخارجية، وكذلك تعيين قيصر الاغتيالات «جون برينان» صاحب نظرية «القتل السريع» في منصب رئيس وكالة الاستخبارات المركزية، وكلاهما يعارضان شن عمل عسكري ضد طهران، وأخيرًا وزير الدفاع الجديد «تشاك هاجل» الذي كتب قبل سنوات مقالا جاء فيه، أنه «على الولايات المتحدة أن تكون أكثر تقبلاً لفكرة التعايش مع إيران النووية، تمامًا كما تعايشت مع الاتحاد السوفيتي النووي».
وفي ظل تضارب التصريحات حول إمكانية التوصل إلى حلول مع إيران بشأن ملفها النووي، تتضاءل احتمالات اندلاع حرب، غير أن التوصل إلى صفقة شاملة يحتاج إلى مزيد من الجهود؛ لأنها يجب أن تشمل ضمانات لجميع الأطراف الإقليمية والدولية، وهذا ما كشفت عنه بعض التصريحات والتحركات في المنطقة حول الاستعدادات لعقد صفقة أمريكية شاملة مع إيران لتلافي خوض حرب إقليمية، وأظن أن الصفقة ستتضمن؛ منع أي هجوم إسرائيلي على المواقع النووية الإيرانية، ومناقشة الحد الذي يمكن أن تصله إيران في مشروعها النووي، ومستقبل حلفاء طهران في محور الممانعة، والذي يضم سوريا وحزب الله، إضافة إلى الدور الإيراني أثناء وبعد عملية انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان، فضلاً عن دورها في منطقة الشرق الأوسط.
*****
في السياق ذاته، فإن زيارة باراك أوباما إلى إسرائيل المقرر إجراؤها في 20 مارس المقبل، تهدف بالأساس إلى إقناع زعماء إيران بأنه حان الوقت للتوصل إلى حل دبلوماسي؛ وسيؤكد أوباما أن بلاده ستقوم بفعل «كل ما هو ضروي لمنع الإيرانيين من الحصول على سلاح نووي»، أو كما قال في خطاب الاتحاد: «سنقف بثبات مع إسرائيل سعيًا إلى الأمن والسلام الدائم»، وأعتقد أن تلك الزيارة لن تأتي بجديد فيما يخص عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وسوف تركز على الموضوع النووي الإيراني، والأوضاع المتوترة في سوريا؛ حيث إن «المسيرة السلمية» قد تراجعت إلى مرتبة ثالثة، وأدعم رأيي هذا بما كُشف عنه مؤخرًا من أن أوباما سيزور موقعًا لمنظومة «القبة الحديدية» في إسرائيل.
وبناءً على ما سبق؛ أؤكد أن زيارة الرئيس الأمريكي إلى المنطقة لا تهدف أساسًا لدفع عملية التسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وفي هذا الإطار لا أجد أية قيمة لتصريحات بنيامين نتنياهو الأخيرة حول التزامه بخطاب جامعة «بار إيلان» الذي أطلقه في عام 2009، وتضمَّن حينها موافقته على خيار حل الدولتين، دون أي تحديد واضح، فهو في ذات الوقت وافق على إنشاء 90 وحدة استيطانية في الضفة، تضاف إلى التوغل الاستيطاني الهمجي، بما يعنيه ذلك عمليًا إنهاءً تامًا لحل الدولتين، والخوف أن تكون تصريحات نتنياهو حول استعداده لمواصلة المفاوضات المتوقفة منذ العام 2010 بدون شروط مسبقة، هي ليست أكثر من عملية «ذر للرماد في العيون».
كما أنه من غير المستبعد أن يطلق أوباما تصريحات رنانة أثناء لقاء قد يجمعه مع نتنياهو ومحمود عباس أثناء زيارته المرتقبة لإسرائيل، لن يختلف مصيرها عما آلت إليها تصريحات سابقة، وأكثر ما يمكن القيام به هو الإيحاء إلى البلدان العربية بأن أمريكا مهتمة بمتابعة الملف الفلسطيني، والعمل على نزع فتيل الأزمات القابلة للاشتعال، وأهمها انهيار السلطة الفلسطينية.
*****
وبالعودة إلى أزمة إيران النووية، نجد أن طهران تؤكد أنها على استعداد لعقد «اتفاق شامل» في هذا الشأن، حسبما أكد رئيس المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية فريدون عباسي دواني، والذي شدد على ضرورة «أن تأخذ المحادثات النووية مسارًا أكثر عقلانية، بعيدًا عن إثارة الخلافات»، وقبلها أكد الناطق باسم الخارجية الإيرانية رامين مهمان برست، أن بلاده تحوّل بعضًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 20%، إلى وقود نووي للاستخدام في تشغيل مفاعل طهران للبحوث الطبية.
فضلاً عن أنني أتوقع أن التقرير التالي للوكالة الدولية للطاقة الذرية حول نشاطات إيران، المتوقع طرحه نهاية الشهر الحالي، سوف يشير إلى أن طهران تواصل توجيه كميات من اليورانيوم المخصب لدرجة 20% لأغراض مفاعل البحث العلمي لديهم؛ ما يعني أن إيران تمتنع عن الاقتراب من الخط الأحمر الذي رسمته إسرائيل، وهو جمع كمية كافية من اليورانيوم تقدر بنحو «250 كجم» لإنتاج قنبلة نووية واحدة، بالرغم من أنها بدأت تركيب أجهزة طرد مركزي من نوع «آي-آر-2 إم» في مفاعل «نطنز»، وهي المرة الأولى التي تنصب فيها أجهزة طرد مركزي أكثر تطورًا في هذا الموقع، ما يُمكِّن إيران من اختصار الفترة الزمنية التي تحتاج إليها لصنع قنبلة نووية بنسبة الثلث.
تلك التصريحات وفحوى التقرير تُعدّ أسبابًا كافية للتقليل من احتمال إقدام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على مغامرة عسكرية يعارضها معظم العسكريين في بلاده، ولا تتوفر الإمكانات لإتمامها عند سلاح الطيران الإسرائيلي، بالإضافة إلى الثمن الكبير لمثل هذه الضربة في حال الرد الإيراني مباشرة أو من قِبل حلفائه في المنطقة، وهذا ما وضعه نتنياهو في الحسبان، ودفعه إلى الاقتراب بشكل كبير من وجهة النظر الأمريكية المنطلقة من أن فرض العقوبات الاقتصادية القاسية أفضل بكثير، وأنها بدأت تؤتي أُكلها على الجانب الإيراني، وأن القيادة في طهران باتت تدرك أن البلاد قد تتعرض لهزة عنيفة على أبواب الانتخابات الرئاسية في يونيو المقبل، يمكن أن تنجح في ظل ما يتعرض له الوطن العربي من هزات وثورات، والأوضاع الاقتصادية الداخلية الصعبة جراء العقوبات.



