رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : مصطفي الأسواني

 

 

 

يعتبر التحرك نحو اتخاذ قرار بشأن الملف النووي الإيراني مسألة حساسة وشديدة الخطورة على أجندة الولايات المتحدة والأجندة الدولية في الوقت الراهن، وسوف يتحدد وبشكل كبير أمر الصراع الطويل القائم بين أمريكا وطهران، في حين أن المخاطر الكبيرة ذات الصلة تجعل التوصل إلى تسوية سريعة وقاطعة أمرًا حاسمًا بكل معنىً للكلمة، غير أن إيران سوف تستمر في تشكيل تحدٍ طويل الأمد لواشنطن بسبب الأيديولوجيات المتناقضة، وأهداف السياسة الخارجية المتعارضة، وبسبب الطموح الإيراني في الهيمنة الإقليمية.

 

إن سعي طهران لامتلاك أسلحة نووية يهيمن بشكل مفهوم على مواجهتها مع المجتمع الدولي، ورداً على ذلك، قامت الولايات المتحدة بتكوين تحالفات فعلية وقانونية مثيرة للإعجاب مع «دول الخليج، وإسرائيل، وحلف شمال الأطلسي، والاتحاد الأوروبي، ومجلس الأمن الدولي» لنشر دفاعات مضادة للصواريخ، ومتابعة المفاوضات النووية مع إيران، وإدانة البرنامج دوليًا من خلال آليات الأمم المتحدة، ومعاقبة إيران اقتصاديًا وماليًا ونفطيًا وعسكريًا.

 

وفي العام 2012 كان تأثير هذه العقوبات ضخمًا؛ فقد تراجعت صادرات النفط الإيراني بنحو 40%، وانخفضت الأرباح بنسبة مساوية تقريبًا، بينما تهاوت العملة الإيرانية، وبالطبع، تستطيع إيران نشر آلياتها العسكرية والإرهابية والاقتصادية والسياسية في المنطقة وعلى مستوى العالم، اعتمادًا على حلفائها «سوريا وحزب الله»، بالرغم من أنهما محاصران الآن، وممارسة النفوذ على العراق وأفغانستان، مع الحصول على دعم وتأييد شفهي من حركة عدم الانحياز.

 

وفي ضوء ردود الفعل الإيرانية هذه، والقيود المتأصلة أمام فعالية الحملات الاقتصادية والدبلوماسية المفروضة من الغرب، لا يوجد ضمان بأن معاناة إيران ستكون كبيرة لدرجة تَحْمِلُها على تغيير نواياها في السعي لامتلاك أسلحة نووية، كما أن الاعتماد على الشعب الإيراني لن يحمل في طياته آمالاً عريضة؛ فبعد إخماد الانتفاضة الشعبية الإيرانية بصورة عنيفة في العام 2009، يصعب تأكيد دور الشعب الإيراني في أي مواجهة مع إيران أو أي عمليات احتواء على المدى الطويل، فهناك أكثر من 30% من الإيرانيين يؤيدون السعي نحو الحصول على أسلحة نووية، وقرابة 90% يؤيدون أيضًا إنشاء طاقة نووية مدنية، بحسب آخر استطلاع للرأي، أما فيما يتعلق بفتح مجال العلاقات مع واشنطن، فهناك انقسام يكاد يكون متساويًا.

 

*****

 

ومن الواضح أن البرنامج النووي الإيراني يمثل قيمة قومية، ويعتبر أكثر أهمية حتى من تأميم قطاع النفط في زمانه، وإذا كان تأميم قطاع النفط الإيراني محدودًا بمسائل الطاقة والموارد الطبيعية؛ فإن البرنامج النووي يملك أيضًا أهمية تكنولوجية للإيرانيين، ولعل الاهتمام البالغ من الغرب ببرنامج طهران النووي قد أسهم في كشف أهمية البرنامج السياسية، فضلاً عن أهميته الاقتصادية والبيئية؛ ولذلك صار الناس في الجمهورية الإسلامية الإيرانية يعتبرون هذا الموضوع مسألة حياة أو موت.

 

ولفهم حجم هذه المسألة، يكفي التذكير بأنه عندما جرى تأميم قطاع النفط، قامت بريطانيا وحدها بفرض عقوبات على إيران، أما في البرنامج النووي فقد انضمت إلى فرض العقوبات كل الدول الغربية، فالاهتمام الكبير الذي يلقاه برنامج إيران النووي، ما هو إلا تأكيد بالغ الأهمية لتعاظم الدور الإقليمي لطهران؛ ولذلك فقد تحول البرنامج النووي الإيراني عمليًا إلى مشروع وطني.

 

وهذا ما يجعل الرئيس الأمريكي باراك أوباما يشعر بالإحباط من عدم إحراز أي تقدم كاستجابة لانفتاحه نحو إيجاد انفراجة جديدة تجاه النظام الإيراني، كما أن حكومته الجديدة ملتزمة من جانبها بمساعدته في تسهيل محاولات التفاوض التي من شأنها تحسين الوضع، فإذا ما واصل الإيرانيون رفضهم لمواقف الولايات المتحدة -التي على ما يبدو أنها في طريقها للاستجابة لبعض مطالبهم- فإن الإدارة الأمريكية ستبدأ في تطبيق ضغوط أخرى، ومن المؤكد أنها ستتخذ هذه الخطوات عاجلاً وليس آجلاً؛ حتى يتسنى للأطراف التحرك مجددًا نحو التوصل إلى حلول مقبولة للطرفين.

 

*****

 

وأعتقد أن الصفقة الأمريكية مع إيران النووية قد تتضمن، وقف التخصيب بما يتجاوز 3.5%، وشحن أي وقود مُخصب بنسبة تتجاوز 3.5% إلى خارج البلاد، والحد من أعمال توسعة محطة «فوردو» للتخصيب؛ والسماح بالتفتيش المفاجئ من قِبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهذا ما سيفرض على الولايات المتحدة والمجتمع الدولي القيام بتوفير الوقود والنظائر الطبية لمفاعل الأبحاث الطبية الإيراني؛ وتوفير قطع الغيار للطائرات المدنية؛ والامتناع عن فرض أية عقوبات إضافية، والرفع التدريجي للعقوبات القائمة بالفعل مع إثبات إيران التزامها بالاتفاق.

 

ولن أغفل أيضًا، أن الولايات المتحدة تضع في اعتبارها أن المرشد الأعلى علي خامنئي هو صاحب الكلمة الأخيرة في إيران، لذا لن يجلس الإيرانيون على طاولة المفاوضات إلا إذا سمح لهم بذلك، وفي السنوات الماضية، أصدر خامنئي فتوى ندد فيها باستخدام الأسلحة النووية، وهو الأمر الذي ستلجأ واشنطن للاستفادة منه؛ من خلال صياغة قرار لمجلس الأمن للمصادقة على هذه الفتوى، وبغض النظر عن أن هذا يمثل خطوة صغيرة نحو تعزيز مكانة خامنئي الدولية، إلا أنه في الوقت نفسه يمثل ورقة ضغط على إيران -من وجهة نظر أمريكا- للامتثال لأحكام دينهم.

 

وفي ظل رغبة واشنطن في إنهاء عقد الحروب؛ فإن هذه الصفقة تناسب الولايات المتحدة تمامًا، خصوصًا أنها تخطط للانسحاب من أفغانستان في العام المقبل، وتسعى إلى أن تلعب طهران دورًا إيجابيًا في مرحلة الانسحاب وما بعدها، وفي ذات الوقت فإن الصفقة تعد حلاً مثاليًا للقيادة الإيرانية الراغبة في إنهاء الحصار الاقتصادي عنها، والذي قد يتسبب في موجة احتجاجات على أبواب الانتخابات الرئاسية المقبلة، لكن النظام في طهران يرغب في ضمانات إضافية في شأن الدور الإقليمي، ويراهن في ذلك على حاجة أمريكا لمساعدته في أفغانستان.

 

*****

 

وسوف تبقى الأسابيع المقبلة حتى زيارة أوباما إلى الشرق الأوسط مفتوحة على احتمال عقد صفقة نووية وإقليمية مع إيران، ولكن لا يمكن إسقاط تطورات قد تفضي إلى حرب شاملة في المنطقة التي تشهد أجزاء منها حربًا بالوكالة يمكن أن تنتقل لتحرق الإقليم بأسره، وفي حال تم عقد مثل هذه الصفقة، فإنني أتوقع عددًا من النتائج المحتملة في القضية النووية الإيرانية، وهي: «قرار إيراني أحادي الجانب بوقف التقدم نحو امتلاك سلاح نووي أو إبطاء هذا التقدم بشكل كبير؛ أو نتيجة تفاوضية يتم التوصل إليها من خلال مجموعة الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا، أو المفاوضات الثنائية؛ أو توجيه ضربة عسكرية، كما تم التهديد بها من قِبل أوباما ونتنياهو؛ أو تحول صريح أو ضمني نحو سياسة الاحتواء؛ بما يشير إلى أن أمريكا سوف تكون مستعدة للتعايش مع إيران المسلحة نوويًا».

 

وفي حال تحدثنا عن سياسة الاحتواء؛ فإنها تعني بصورة عامة قبول الجمهورية الإسلامية كقوة نووية حتمية، واستخدام الردع للتعامل مع إيران المسلحة نوويًا، غير أن مثل هذه النتيجة قد تكون كارثية بالنسبة للسياسة الأمريكية لمنع الانتشار النووي، التي تقوم على فكرة أنه إذا قل عدد الدول النووية تقل فرصة الاستخدام الخاطئ، وإذا حازت إيران على سلاح نووي، هناك قوى إقليمية أخرى سوف تحذو حذوها على الأرجح، وهذه بلا شك نتيجة غير مرغوب فيها بالنسبة للمجتمع الدولي بصفة عامة.

 

كذلك فإن اللجوء للوسائل العسكرية على المدى القصير لضمان إعاقة طهران النووية سوف يستلزم استخداماً هائلاً للقوة، و«جوهريًا احتلال إيران بصورة غير رسمية وشبه دائمة»، إلا أن ذلك غير قابل للتطبيق، خاصة إذا لم تُستنفد بعد السبل الدبلوماسية الأخرى.

 

*****

 

ولمن لا يعلم؛ فإن جميع الدول لها مصالح مختلفة على المحك مع إيران النووية؛ إذ نجد أن الولايات المتحدة تنظر إلى طهران باعتبارها تمثل تهديدًا واسعًا، وذلك في ضوء دعمها للإرهاب وأنشطتها المزعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط -من وجهة نظر أمريكا- وهو ما عززه وأكده سعي طهران نحو امتلاك أسلحة نووية، أما روسيا والصين فتنظران إلى القضية من منظور مختلف؛ فقد تستهدف إيران مواقع حيوية في واشنطن، لكنها تتجنب توريط نفسها في الشيشان وشينجيانج، ونتيجة لذلك، لا يرى الكثيرون في موسكو وبكين أن إيران تمثل أي تهديد، ولكنهم يعتبرونها شريكًا محتملاً في تقييد ممارسات واشنطن للسلطة والنفوذ في المنطقة.

 

أخيرًا وليس آخرًا، وبالرغم مما ذكرته آنفًا، أكاد أجزم بأن المشكلة لا حل لها؛ لأن الأطراف لا تثق ببعضها البعض، فلم ينجُ نظام القذافي في ليبيا بسبب تخليه عن برنامجه النووي، فيما دفع نظام صدام في العراق فاتورة عدم حصوله على السلاح النووي، في المقابل اقتنعت إيران وكوريا الشمالية بعدم التخلي عن البحوث النووية أو وضعها تحت المراقبة الدولية بدون الحصول على ضمانات نجاتها، علمًا بأن إيران وكوريا الشمالية لا تثقان سلفًا بأية ضمانات دولية، لاسيما الأمريكية منها.

 

ولكن المجتمع الدولي أيضًا له دوافع ألا يثق بدول مارقة مثل إيران وكوريا الشمالية، وأسهل ما وجدته في مثل هذه الظروف، هو القول بأن طرفي المفاوضات «إيران وأمريكا» يتقاسمان المسؤولية عن دخولهما في الكثير من المآزق.

 

تم نسخ الرابط