بقلم : مصطفي الأسواني
.jpg)
لا شك أن ثورتنا المجيدة في 25 يناير 2011 لا تزال مستمرة، وأن البلاد الآن في حالة استقطاب حاد بين جماعة الإخوان المسلمين الحاكمة، التي تبنت العديد من اتجاهات الرئيس السابق حسني مبارك الاستبدادية في محاولة لتوطيد سلطتها، وبين المعارضة التي تخشى من الحكم الديني في مصر من جانب آخر.
لكنني اليوم لن أحدثكم عما آلت إليه أحوال البلاد نتيجة لذلك الصراع والاستقطاب ما بين المعارضة وجماعة الرئيس الحاكم، بل سألقي الضوء على جانب آخر أظنه سببًا رئيسيًا لما نعانيه الآن في ربوع مصر، وهو «ازدواجية مرسي، وعبقريته في التلون، وإجادته لارتداء الأقنعة»، منذ استيلائه على السلطة قبل سبعة أشهر.
ونلاحظ ذلك بداية من تصريحاته المتداولة وقت أن كان رئيسًا لحزب الحرية والعدالة، التي أكد فيها أن رحيل حكومة الدكتور كمال الجنزوري في أسرع وقتٍ ضرورة، وقال إن «البرلمان لن يترك المتهاونين في حقِّ الوطن يعبثون بثرواته، وعليه فإن حكومة الجنزوري أعطاها البرلمان الفرصة، ولكن البلاد تتأخر وتزداد الكوارث يومًا تلو الآخر، وهو ما استوجب سحب الثقة منها بإجماع نواب الشعب؛ لأن يدها مرتعشة، ولا تقوم بالأداء المطلوب منها، بل تقصر وتقود البلاد إلى الوراء، ويجب تغييرها الآن وليس غدًا، وإن ما يجري في مصر من انفلاتٍ أمني وتدهورٍ صحي واقتصادي يستوجب إقالة الحكومة وتغييرها على الفور»، متسائلاً: لماذا نحرص على بقاء حكومة لا تستطيع القيام بمهامها؟، وهو نفس الأمر الذي ينطبق على حكومة قنديل، التي فقدت شرعيتها القانونية؛ لأنها لا تُعبِّر عن إرادة الشعب المطالب بإقالتها.
*****
كما نلاحظ أن ممثل مكتب إرشاد جماعة الإخوان في قصر الرئاسة محمد مرسي يتعامل مع رموز النظام السابق بازدواجية شديدة؛ حيث نجده يعلق الأخطاء على السياسات القديمة للنظام السابق وفلول الحزب الوطني، في حين تتصالح حكومته الآن مع رجال الأعمال وأعضاء الحزب الوطني، ليس هذا فحسب؛ بل إنه أصدر أمرًا بتعيين ستة أشخاص بمجلس الشورى من الحزب الوطني، كما أن الحكومة الحالية ورئيسها ينتمون للحزب الوطني!!
وفي السياق ذاته، أذكركم برسالته لصديقه العظيم الإسرائيلي شيمون بيريز، في أكتوبر الماضي، والتي تشير إلى أنه يستطيع أن يكون ودودًا للغاية في تعاملاته وفي علاقاته مع إسرائيل؛ فقد بدأ مرسي رسالته بعبارة «إلى عزيزي وصديقي العظيم»، ثم ألحقها بجملة «لما لي من شديد الرغبة في أن أطور علاقات المحبة التي تربط لحسن الحظ بين بلدينا»، ولن ننسى أيضًا أنه كان وعد في وقت سابق، رسميًا وبشكل استعراضي بـ«صون هذه العلاقات وتعزيزها».
وبالرغم من ذلك، فإن لقاء مرسي، في برلين مع المدافعة باستماته عن المصالح الإسرائيلية أنجيلا ميركل، يعطي انطباعًا بأن هذا الرجل ذو وجهين؛ ففي دور رئيس الدولة، يبدو اجتماعيًا، ويريد أن يكون «رئيسًا لكل المصريين» -بغض النظر عن أن الذين صوتوا له لا يشكلون ربع عدد سكان مصر- وبطبيعة الحال، هذا يؤكد أن القاهرة ستنفذ جميع الالتزامات التي تم اتخاذها في عهد الرئيس السابق حسني مبارك، بما في ذلك اتفاقية «السلام البارد» مع إسرائيل، والتعاون مع الولايات المتحدة.
لكن هناك محمد مرسي آخر تمامًا، هو الرجل المليء بالكراهية في ما يتعلق بـ«الكيان الصهيوني»، ففي منتصف يناير من العام 2012، تم تداول شريط فيديو تم تصويره قبل حوالي ثلاثة أعوام، ظهر فيه، محمد مرسي كرجل إسلامي متحمس، تكلم بحدة ضد إسرائيل؛ حيث ألقى خطبة كزعيم سياسي إسلامي حثَّ فيها المصريون على تربية أولادهم وأحفادهم على كراهية اليهود والصهاينة، واصفًا إياهم بـ«مصاصي الدماء ومثيري الحروب وأحفاد القردة والخنازير»، الأمر الذي دفع الناطق باسم رئاسة الجمهورية آنذاك ياسر علي، إلى نفي ذلك تمامًا، مؤكدًا أن «تصريحات منسوبة إليه عام 2010 قد أُذيعت مجتزأة من سياق تعليقه على العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين في قطاع غزة!!»، وهذا ما يُبين بوضوح أن الرئيس مرسي مشتت بين أمرين متضادين؛ فعندما يوجه كلامه إلى الغرب يتحدث عن ضرورة احترام مصر للاتفاقيات المبرمة، والعكس عند حديثه للداخل.
*****
إن ممثل «الجماعة» في قصر الرئاسة هو نموذج حقيقي للشخصية الإخوانية التي تلقي التصريحات حسب المكان الذي توجد فيه، ويمكنها مناقضتها بعد دقائق، وتقسم أنها لم تقل ذلك أبدًا؛ فالإخوان يمارسون التقية، ويفتون بجواز الكذب كأنما هم في حالة حرب مع العالم كله، وتجدهم بوجهين ولسانين، وأدلل على ذلك بأن من ينتمون لجماعة الإخوان خلال الاجتماعات الداخلية يقولون إن «الديمقراطية كفر»، ويقرون بضرورة أن «يدفع الأقباط الجزية»، ويؤمنون بضرورة «المسارعة إلى تطبيق الحدود»، لكنهم أمام الناس يقولون عكس ذلك تمامًا، المهم أن ينتخبوهم، وبعد ذلك لكل حادث حديث، هذا شعارهم.
وأؤكد لكم أن مرسي بشغله منصب الرئيس لن يعفي نفسه من مهامه الحزبية التي أوكلتها له جماعة الإخوان؛ لأنه رجل صاحب قناعات، وبالتالي فإن تصرفاته محكومة بها، وإذا ما سمعناه يقول غير ذلك، فيعني أنه لا يقول الحقيقة، خاصة وأن قدرته على التلون هي التي مكنته من النجاة في عهد الرئيس السابق حسني مبارك؛ فهو يجيد ارتداء الأقنعة. واليوم فإن مرسي أمام تحديات كبيرة من أهمها إقناع الغرب بتقديم مساعدات مالية للاقتصاد المصري، وبالتالي عليه أن يظهر في صورة مختلفة وأن يتملق على غرار ما حدث في الرسالة التي بعث بها إلى شيمون بيريز.
يبدو أن الازدواجية باتت نهجًا وسياسة تتبع في كل شيء؛ حيث كان هناك طابور من قوات الأمن المركزي يطوق السفارة السعودية ومدرعات من قوات الجيش تقف بالمرصاد للمتظاهرين الذين يهتفون ضد الظلم، ضد جلد مواطنة مصرية في السجون السعودية، وضد احتجاز العشرات من المصريين هناك بتهم لا تمت بصلة للقانون الجنائي أو الدولي، أو حتى الجنح البسيطة.
*****
كثيرة هي الوعود التي قطعها مرسي على نفسه قبل توليه منصب الرئيس، وما إن اعتلى كرسي الحكم حتى نكص عن تلك الوعود وتملص منها، وأود أن ألفت الانتباه هنا إلى أن الشعارات الرنانة -التي يطلقها مرسي بين الحين والآخر- لم تكن يومًا معيارًا لقياس دعم الشعوب التي تعاني تحت وطأة احتلال أو ممارسات قمعية أو إبادة جماعية كما يحدث في دول شقيقة؛ ففي مصر أصبحت الازدواجية شعار المرحلة، نتحدث عن دعم فلسطين ونهدم الأنفاق التي تعد بمثابة شريان الحياة لأهلنا في غزة، ونغلق المعابر بلا بدائل، نتحدث عن دعم سوريا ونعتقل من يتظاهر تضامنًا مع شعبها الذي يواجه الأمرَّين بوجود حاكم ظالم تعدى حدود الإنسانية، وبات إعلان الموقف ضده مسموح لمرسي وممنوع للمتظاهرين حول السفارة السورية في القاهرة.
إن تلك الازدواجية تُصدِّر للعالم مدى الهشاشة التي يعاني منها النظام صاحب الشعارات الرنانة في كل المؤتمرات. ونذكر أيضًا أن آخر ما قاله مرسي في مؤتمر القمة الأخير كان «سوريا سوريا سوريا»، في الوقت نفسه، ألقت قوات الأمن القبض على عدد كبير من الناشطين حول السفارة السورية بالقاهرة المتضامنون مع ثورة الشعب السوري الأعزل، بل وتم تحويلهم إلى النيابة باعتبارهم مخربين. وهنا أوجه حديثي للرئيس مرسي: «إذا كان موقف النظام هو نفسه موقف الشعب؛ دعم سوريا، فلماذا تشتبكون مع المتظاهرين وتعتقلونهم وتصفونهم بالمخربين، مسيرات دعم الشعوب الشقيقة في محنها يجب أن تلقى الدعم والتشجيع لا التفريق والحصار، حتى يتسق الخطابُ مع الفعل وتنتفي الازدواجية».
وأذكر أيضًا وصف مرسي للنظام السوري بأنه «نظام قمعي»، ودعا إلى تدخل خارجي للإطاحة به، وهذا دليل آخر على عدم اقتران القول بالفعل لدى الرئيس الإخواني في الموقف من الملف السوري، حيث إنه ما زال يحتفظ بالسفير السوري في القاهرة، ولم يقم حتى بدعوته لمجرد الاستفسار أو الاحتجاج على المذابح التي تتم أمام أنظار العالم ولا يراها مرسي وتنظيم الإخوان، كما أن مرسي ما زال يسمح حتى الآن بمرور شحنات الأسلحة إلى نظام الأسد عبر قناة السويس، لتبدو مصر الإخوان شريكًا في المجازر عمليًا، وهنا أجدني أتساءل «كيف يمكن لمرسي أن يطلب التدخل العاجل والفاعل من الخارج لإنقاذ الشعب السوري، وهو يعارض تسليح المعارضة ودعمها؟!».
*****
ومما يفسر التناقض بين خطاب مرسي في المحافل الدولية وبين مواقفه على الأرض بما عرف عن جماعة الإخوان من ازدواجية في الخطاب تطال مختلف القضايا الداخلية والخارجية، أذكر أمرًا آخر يؤكد ازدواجية المواقف الإخوانية، وهو الموقف من غزة وحصار القطاع من الجانب المصري، فإلى الآن يطلق الرئيس الإخواني الوعود والتطمينات بأن فتح معبر رفح سيكون دائمًا، لكن أهل القطاع ما يزالون في انتظار التطبيق العملي والدائم لتلك الوعود.
وأؤكد ثانية، أن مرسي، إنْ واصل على هذا الأسلوب الخطابي المزايد، سيعيد مصر نصف قرن إلى الوراء، ويدفعها إلى أن تغيّب قضايا الاقتصاد ومحاربة الفقر والأمية والأمراض، وتتمسك بالشعارات والمعارك الوهمية. وأقول للرئيس الإخواني وجماعته، إن سياسة الازدواجية عادة ما تكون قصيرة المدى، لكنها تترك أثرًا سلبيًّا بالداخل والخارج، إلا أنها في النهاية تكشف النقاب عن قوة النظام من عدمه، وتعجِّل برحيله؛ لأنها تفقده الشرعية مع الوقت تمامًا كما تفقده مصداقيته وتقلل ممن يلتفون حوله ويدعمونه، ونحن نريد سياسة واضحة تنفذ من أجل مصلحة الوطن والشعوب الشقيقة التي تستحق الدعم الحقيقي، لا خطابات لا قيمة لها تنفذ بالعكس على أرض مصر.
وأخيرًا وليس آخرًا، فإن الخلاصة مخيبة للآمال في الوقت الراهن، خطاب سياسي يفتقد المصداقية، وسلوك داخلي يفتقد الشفافية، وفي كل الأحوال استهتار بالمواطن وبحقوقه وحرياته، وتنصل من مسؤولية الدفاع عنهم داخل وخارج مصر.



