رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : مصطفي الأسواني

 

 

 

في البداية أود التأكيد على أنني أحب كل من يكره الولايات المتحدة والكيان الصهيوني المحتل، من فيديل كاسترو، وتشي جيفارا، وجمال عبد الناصر..، وكم يروق لي هذا اللاتيني الغاضب المتبع لنهجهم، والذي كثيرًا ما أعلن صراحة كرهه لأمريكا وهو ليس ببعيد عنها، بينما البعض تبعد عنهم أمريكا أميال وأميال، وتفصل عنهم محيطات سحيقة، وهم يرتجفون خوفًا منها.

 

أحدثكم عن ذاك الذي قال ذات مرة في حق «عبد الناصر» ومشروعه: «.. حدثني أحدهم عن تشاؤمه من مستقبل القومية العربية، فأجبته بأنني متفائل؛ لأن أفكار "ناصر" لم تزل حية، وأقول "ناصر" لأُثني على الأقل واحدًا من عظماء التاريخ العربي، أنا ناصري منذ كنت عسكريًا شاباً، وعلى الشعب العربي أن يسير نحو وحدته رغم بعض الفروقات بين طاقة وأخرى..»، إنه الرئيس الفنزويلي الخالد في قلوب الأحرار «هوجو شافيز»، والذي رحل عن عالمنا يوم الثلاثاء، بعد صراع مع مرض السرطان دام عامين.

 

«شافيز» الذي تسلم السلطة قبل 14 عامًا، اشتهرت حكومته ذات السلطة الديمقراطية الاشتراكية، واشتهر لمناداته بتكامل أمريكا اللاتينية السياسي والاقتصادي مع معاداته للإمبريالية وانتقاده الحاد لأنصار العولمة من الليبراليين الحديثين، وللسياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية، كما أصَّر على الترويج لرؤيته الثورية التي كان يتقاسمها مع الرئيس الكوبي فيدل كاسترو، الذي اعتبره «الأب الروحي»، ووجه سهام نقدٍ شديدة اللهجة لحكم جورج بوش الابن، قائلاً: «دعوا كلاب الإمبراطورية تنبح، فهذه مهمتهم، أما نحن فنقاوم لتحرير شعبنا».

 

*****

 

ومنذ فترة ليست ببعيدة، أقدم هوجو شافيز على خطوة جريئة بطرده السفير الإسرائيلي من عاصمة بلاده كاراكاس؛ احتجاجًا على المذابح البشعة في حق الشعب الفلسطيني، وهي خطوة أعجبتني كثيرًا؛ الخطوة التي يعجز عنها كثير من حكام دولنا العربية، بل إن سفراء تل أبيب يكرمون في بلادنا أكثر منا!!

 

وعلى النقيض نجد أن حاكم مصر الجديدة ممثل جماعة الإخوان المسلمين في قصر الرئاسة محمد مرسي، يخون الأمة، ويُشارك في هدر دماء الفلسطينيين الأبرياء، ويُمعن في نحر أهالي غزة المُحاصرين بإغلاقه المعابر في وجههم، ويهدم الأنفاق بيننا وبينهم، بالتعاون مع صديقه العظيم الإسرائيلي شيمون بيريز؛ وهذا طبيعي ومُتوارث ومتوقع منه، فهو يعمل بأصله.

 

وبالمثل، يتآمر آل سعود على الفلسطينيين ويسعون بكل الوسائل لفرقتهم، كما يتظاهر حفيد إليزابيث عبد الله الثاني، بالحرص والشفقة على مصير الشعب الفلسطيني، بينما هو أول من باع فلسطين وأضاع القدس، وفرط بالضفة الغربية، ونجد كذلك أن محمود عباس وحكومة حماس يتاجرون بالقضية الفلسطينية، ويجعلونها سلعة رخيصة لكسب العيش والرفاهية على حساب نضال وحقوق الشعب الفلسطيني.

 

وما يدعو للحيرة، أن يثور وينتفض للقضية الفلسطينية شخص أمريكي جنوبي لاتيني، ليس بعربي ولا هو بمُسلم ولا تربطه بالعرب أية علاقة عرقية أو رابطة دم أو دين أو نسب، إنه الرئيس الفنزويلي الحُر «هوجو شافيز» الذي يفرض عليك أن تحترمه وتقدر مواقفه في ظل عجز أنظمة التخاذل العربية في وقتنا الحاضر، والعجيب في ذلك أن حكام العرب يعتبرونه كافرًا وحرام التعامل معه!!

 

ولو كان الأمر بيدي، وبناءً على التصنيف العادل للمواقف والأفعال، لمنحت «شافيز» لقب حامي حمى العرب والمُسلمين، فالرجال مواقف، ولأستحق عن جدارة لقب سادس وعاشر الخلفاء الراشدين أيضًا.

 

*****

 

وأذكر جيدًا موقف «شافيز» الإنسان، عندما ترك قصره الرئاسي لضحايا الفيضانات، وانتقل لخيمة بدوية في العام 2010، بل ونقل مقر حكمه مؤقتًا إلى خيمة نصبها في حديقة القصر الرئاسي حتى يتسنى لضحايا الفيضانات في البلاد اللجوء إلى القصر. وبكل تأكيد لا أجد وجهًا للمقارنة بين هذا الموقف الإنساني من «هوجو» تجاه شعبه المنكوب، وبين أفعال الرئيس الإخواني محمد مرسي، تجاه شعبه المكبوت أمام قصر الرئاسة.

 

واشتهر شافيز «اليساري» وليس «الإسلامي»، بحملات الإصلاح الواسعة التي أطلقها في فنزويلا وخارجها؛ بهدف إمداد الفقراء باحتياجاتهم، لا من أجل حصد أصواتهم، وعلى الصعيد العالمي عُرف أيضًا بدعواته لخلق علاقات وطيدة بين الدول الأكثر فقرًا في العالم، بدءًا بدعوة للتكامل بين دول أمريكا الجنوبية، ودعمه لقضية الشعب الفلسطيني.

 

«شافيز» رجل واضح وصريح ومُتصالح مع نفسه وشعبه الذي انتخبه، وهو لا يُحب المناورة أو المُراوغة أو الدعاية الرخيصة، كما يفعل مرسي وجماعته، أو مثلما يفعل حاكم قطر الذي يذرف الدموع على أطفال غزة، بينما علم الكيان الصهيوني يُرفرف عاليًا على المكتب التجاري الإسرائيلي في قلب الدوحة، ومحمى من قبل أفراد أمنه وقواته الخاصة. «شافيز» هذا رجل يفخر بأصوله الجنوبية وبحضارته اللاتينية، لم يوقع معاهدة «سلام بارد مُخزٍ» مع أعدائه، ولم يُصبح متآمرًا ومنقادًا كرئيس لأكبر دولة عربية، ولم يحمي يومًا حدود الاحتلال الإسرائيلي كما يفعل جلالة الحفيد في الأردن، أو رئيس الإخوان في مصر، بالرغم من أنه ليس بين بلاده وبين إسرائيل أية مشكلة سياسية أو دينية أو حدودية، بل لديه شريحة لا بأس بها من شعبه من الطائفة اليهودية، وقد تولى الحكم والسفارة الإسرائيلية قائمة في بلاده، ومع هذا عندما شاهد مجزرة غزة ثار وغضب وطرد السفير الإسرائيلي بكل حزم وشجاعة دون تردد، إنه شخص يدعو للحيرة والعجب حقًا!!

 

*****

 

واعتبر أن «شافيز» هو الرئيس الشرعي لي وللرجال الأحرار من أبناء جيلي، لنصره «الحقيقة والكرامة»، وسعيه المستمر لفتح أبواب المستقبل، ومنح فقراء البلاد الغذاء بسعر زهيد، والتعليم المجاني. كما أن صوره باتت حاضرة في مختلف التحركات الشعبية منذ أن اتخذت كاراكاس قرارًا بطرد السفير الإسرائيلي استنكارًا للعدوان على قطاع غزة، محققًا بذلك مطالب الشباب الأردني والعربي بضرورة طرد سفراء الكيان الصهيوني المجرم، بينما لا يزال حكامنا مترددون في تحقيق تطلعات شعوبهم.

 

ولا أخفي عليكم أن كثير من المواطنين العرب -وعلى رأسهم أنا- معجبون بمواقف «شافيز»؛ لأنها مثلتنا عن بُعد آلاف الأميال من موطننا، وهذا ما يؤكد أن مشكلة الأمة في زعمائها الذين يجب أن يتحولوا لأسود كما هي شعوبهم، كما أن «شافيز» كان حلمًا عربيًا للشبان الذين يهتفون ويطالبون بقطع العلاقات مع كيان الاحتلال الإسرائيلي، وأود لفت الانتباه هنا إلى أن الغاية من الاستمرار في رفع صور الراحل «شافيز» هو إرسال رسالة من الشارع للحكام العرب بأن هذا الرئيس مثل مطالب الشارع العربي عن بُعد آلاف الأميال.

 

وأؤكد أن من يرفعون صور «شافيز» لا يرفعونها تمجيدًا لشخصه، وإنما لتذكير حكامنا بأنهم عاجزون عن اتخاذ مواقف مماثلة من التي نتظاهر ونصرخ بها بضرورة طرد السفراء الإسرائيليين، خاصة من الأردن ومصر؛ فنحن نرفع صوره كرمز نقيض للرموز التي نراها أمامنا اليوم باعتبارها رموزًا منقذة وتمثل تطلعاتنا.

 

«شافيز» الثوري الذي وافته المنية عن عمر ناهز 85 عامًا، صار شوكة في حلق الولايات المتحدة الأمريكية، إنه الاشتراكي بقلب مؤمن، وهو الامتداد لصاحب الثورات المشهورة على أمريكا «سيمون دي بوليفار» الذي قال قبل أكثر من قرن إنّ «أمريكا تتلذذ بتعذيب الشعوب»، وهو امتداد أيضًا لإرث «تشي جيفارا» الذي نذر حياته لمحاربة الإمبريالية الأمريكية.

 

وأخيرًا وليس آخرًا، لا أستطيع إلا أن أقول: شكرًا ووداعًا للحلم العربي «هوجو شافيز»..

 

تم نسخ الرابط