رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : مصطفي الأسواني

 

 

 

«هيلاري كلينتون لا تحبني.. وأنا أيضًا لا أحبها». كلمات تغنَّى بها الراحل «هوجو شافيز» خلال خطاب ألقاه في يونيو 2006، تلقي الضوء على الكثير في سياسته وشخصيته. الرئيس الفنزويلي «شافيز» أحد أبرز زعماء أمريكا اللاتينية وأكثرهم إثارة للجدل، كان قائدًا بارزًا وصديقًا حميمًا لروسيا، وعاشقًا للعرب، وفاته كانت مأساة، والحزن على رحيله تخطّى الحدود الفنزويلية، كما أنه ترك أثرًا لا يُمحى لدى شعبه.

 

إن انتقال «شافيز» إلى ذمة الخلود يشكل تحديًا جديدًا بالنسبة لفنزويلا؛ حيث لم تستطع منظمة "هيومن رايتس ووتش" انتظار انتهاء الحداد، فنددت بـ"مركزية السلطة، وتجاهل ضمانات حقوق الإنسان الأساسية" خلال فترة حكمه، ولم تنس التنديد بعلاقاته مع حكومات إيران وسوريا وليبيا؛ حيث كانت لـ«شافيز» علاقات ممتازة مع أحمدي نجاد والقذافي وغيرهما من الزعماء المكروهين أمريكيًا، وكثيرًا ما سعى إلى خلق «قوة مضادة للإمبريالية الأمريكية»، ونادى بالتكامل السياسي والاقتصادي في أمريكا اللاتينية، وبالتحالف «الإفريقي - الجنوب أمريكي».

 

ولم يكُفْ «شافيز» طوال فترة حكمه عن الدعوة إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي، والتخلص من هيمنة صندوق النقد والبنك الدوليين، وإلى العملة المشتركة لتحقيق الاستقرار المالي في المنطقة؛ هذه السياسة على المستوى الإقليمي لا يمكن إلا أن تصطدم بالمصالح الإمبريالية لترتفع حرارة الاحتكاك، بحيث تصبح معاداة السياسة الخارجية للولايات المتحدة محورية في سياسته، فيهاجم «شافيز» واشنطن وأصدقاؤها بالنقد اللاذع.

 

«شافيز» الضابط المظلي السابق تعرّف على حياة السجن الذي قضى فيه سنتين، وتخرّج منه يساريًا مناضلاً، كافح باسم الفقراء ولمصلحتهم، وتسبب بنقلة نوعية في السياسة الفنزويلية، كذلك فقد كان شخصية فريدة، ورجلاً واضحًا يُسمي الأشياء بأسمائها دون مواربة، ودون خوف من الآثار الدبلوماسية الممكنة لتصريحاته، ووصفه معارضوه بـ«المستبد»، بينما لقَّب نفسه بـ«الجندي الثائر».

 

*****

 

وفي رأيي؛ لا أتوقع أن تتبدل العلاقات المتوترة بين فنزويلا والولايات المتحدة بسهولة بعد رحيل «شافيز»، وذلك بالرغم من تأكيد الرئيس الأمريكي باراك أوباما دعمه للشعب الفنزويلي، ورغبة واشنطن في علاقات بنَّاءة مع كراكاس، إلا أن توالي الأحداث خلال الساعات القليلة التي أعقبت الإعلان عن وفاة «شافيز» تشير إلى بقاء حالة العداء والصدام بين الجانبين إلى أمد لا يمكن التنبؤ بنهايته.

 

ولقد ظلَّ «شافيز» خلال سنوات حكمه الـ14 لفنزويلا، في حالة صدام مع الولايات المتحدة، التي كثيرًا ما وجَّه لها اتهامات بالسعي للانقلاب على نظام حكمه، والتدخل بالشؤون الداخلية لبلاده، ومحاولة فرض هيمنتها الاقتصادية والسياسية على دول أمريكا اللاتينية والعالم، وفي المقابل اعتبرت واشنطن «شافيز» عاملاً في عدم الاستقرار بأمريكا اللاتينية، وتهديدًا لمصالحها الاستراتيجية.

 

لذا، فمن المستبعد أن يطرأ أي تغيير إيجابي في العلاقات بين واشنطن وفنزويلا؛ لأن التحولات السياسية والاقتصادية في فنزويلا أصبحت تستند إلى أرضية اجتماعية صلبة، ليس من السهل تفتيتها، حتى بعد وفاة «شافيز».

 

والتغيير في العلاقات «الفنزويلية – الأمريكية» يعتمد على من سيكون الفائز في الانتخابات الرئاسية المقبلة؛ وإذا جرت الانتخابات بعد شهر، فإن أنصار «شافيز» قد استعدوا لها جيدًا، وبدون شك فإن نائب الرئيس نيكولاس مادورو، سيصبح رئيسًا، وهو يعادي أمريكا أكثر، ويميل إلى روسيا، وسوف يستمر على النهج السياسي لـ«شافيز»، بالرغم من أنه لا يمتلك الجاذبية التي امتلكها «شافيز».

 

أما إذا تمكنت المعارضة من توحيد صفوفها، واستطاعت تأخير موعد إجراء الانتخابات، فإن زعيم المعارضة هنريك كابريليس رادونسكي، سيفوز، وستحصل تحولات جدية كما في السياسة الداخلية كذلك في السياسة الخارجية لفنزويلا، وفي هذه الحالة أتوقع أن تزول الرغبة في تطوير العلاقات مع روسيا، وهذا يعني استبعاد كافة الشركات الروسية مع فسخ كافة العقود والصفقات معها؛ لأنها لم تُوقَّع مع شخص «شافيز»، بل مع الحكومة الفنزويلية، التي بطبيعة الحال سوف تفكر بسمعتها الدولية، ويؤكد رأيي هذا، ما ورد على لسان «كابريليس» من أنه في حال وصوله لسُدَّة الحكم فإنه سيقطع علاقته بإيران وروسيا، ويسرع عملية السلام بين الحكومة الكولومبية ومتمردي «فارك».

 

ورغم ما سبق، أؤكد على أن «مادورو»، هو الأكثر كفؤًا لمواصلة البرامج التنموية التي بدأها «شافيز»، كما أن المعارضة لن يكن بمقدورها كسب المعركة الانتخابية القادمة لو أجريت بعد شهر من الآن، رغم الدعم الذي تتلقاه من واشنطن؛ لأن المزاج الشعبي الغالب في البلاد ما زال يحفظ الود لــ«شافيز»، والإنجازات التي تحققت إبان حكمه.

 

*****

 

وحظي «شافيز» بشعبية جارفة في العالم العربي؛ فمناصرة الرجل العديد من القضايا العربية جعلت الشارع العربي يلقبه بـ«شافيز العربي»، كما أنه كان يحلو له تشبيه نفسه بالزعيم الراحل جمال عبد الناصر، الذي كانت خطاباته ومساعيه للوحدة العربية ومواقفه من الولايات المتحدة والغرب وإسرائيل تشعل حماس الشعوب العربية آنذاك، ويبدو أن «شافيز» سار على نهج «عبد الناصر» في هذا الإطار، معلنًا عداءه الواضح لسياسات الولايات المتحدة في العالم، واعتماده في بناء شعبيته الكبيرة على تقاسم ثروة فنزويلا النفطية الهائلة مع الفقراء والمحرومين، الأمر الذي وفَّر الكثير من الأموال لهم، وهذا كان أهم عامل لنجاحه خلال فترة حكمه التي امتدت إلى 14 عامًا؛ إذ تراجعت الفجوة في توزيع الثورة إلى أدنى مستوياتها في الأمريكيتين خلال فترة ولايته.

 

كما كان معجبًا بسيمون بوليفار محرر أمريكا الجنوبية، ولن ننسى أنه قال ذات مرة «أشعر أنني عربي»، وهذا يدل على مدى تعلقه بالأمة العربية، ليس بسبب انتصاراتها وعظمتها وغناها، بل انطلاقًا من دعمه للشعوب.

 

ويُحسب لـ«شافيز» أنه جعل الفنزويليين فخورين بهويتهم، وقام بتحسين مستوى الحياة لأعداد كبيرة منهم، ورفع مستوى البلاد؛ وسياسته عملت على تخفيض نسبة الفقر بأكثر من النصف، وعمل أيضًا على تطبيق نظام تأمين صحي مجاني شامل للفينزويليين في كافة أنحاء البلاد، وفي عهده أيضًا هبطت نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر، كما انخفض معدل موت حديثي الولادة، وأصبح التعليم أيضًا بمتناول الجميع، مثلما فعل «عبد الناصر» في مصر.

 

*****

 

فـ«شافيز العربي» الإنسان اليساري ذو القلب المؤمن، أعلن في العام 2006، حينما كانت العديد من الحكومات في العالم العربي متخبطة في رد فعلها إزاء الهجمات الإسرائيلية الغاشمة على لبنان، وفلسطين أيضًا، أنه «لا فائدة من التعامل مع إسرائيل»، وبهذا يكون قد أقدم على فعل ما لم تفعله دولنا العربية التي تربطها علاقات دبلوماسية بإسرائيل، كما أن فنزويلا في عهده اعترفت رسميًا بفلسطين دولة مستقلة وذات سيادة، ودشنت أول سفارة فلسطينية في كراكاس، وكثيرًا ما أعلن «شافيز» تأييده ودعمه مساعي فلسطين للانضمام للأمم المتحدة، وأن تكون للفلسطينيين دولتهم المستقلة، وكشف عن نية بلاده فتح سفارة لها في فلسطين، ورفع درجة التمثيل الدبلوماسي إلى مستوى السفراء.

 

بالإضافة إلى أنه وكمناصر للفلسطينيين، طالب في 2009 بتدريس القضية الفلسطينية في المدارس والجامعات بدول أمريكا اللاتينية؛ حتى تتعلم الأجيال الصاعدة تاريخ هذه القضية، كما أمر بتوزيع خرائط للأراضي الفلسطينية على المدارس، تُظهر ضيق المساحة التي يعيش فيها الفلسطينيون في قطاع غزة، الذي تحاصره إسرائيل العنصرية. كما أنه سمح للفلسطينيين بدخول فنزويلا بدون تأشيرة دخول، في حين يُحرمون من زيارة الكثير من الدول العربية حتى بتأشيرة سياحة!!

 

*****

 

مات «الرفيق المناضل المثالي» بعد مسيرة ثورية حافلة، ستُبقي «هوجو شافيز» رمزًا للأجيال، وإرثًا ثقيلاً على من سيأتي بعده لن يُمحى بسهولة أبدًا؛ فهو الزعيم الأوحد في العالم الذي أنقذه شعبه من براثن الانقلابيين، بعد فشله في الوصول إلى الحكم من خلال الانقلاب مرتين، ولكنه فاز خمس مرات بعمليات انتخاب واستفتاء من قبل الشعب.

 

رحل الرجل المشاكس المعادي للإمبريالية والزعيم الاشتراكي الثوري «شافيز» إلى ذمة الخلود، بعد أن قضى حياته ثائرًا مناضلاً يصارع بنجاح قوى صغيرة وكبيرة، ومات في ميدان الصراع.. رحم الله «عدو الأغنياء بطل الفقراء».

 

تم نسخ الرابط