الأربعاء 07 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

رواية المصادر العربية حول بعض القبائل الأفريقية

أرشيفية
أرشيفية



  تشير المعاجمُ اللُغوية إلى أن مصطلح زنج أو الزنج قد ينطق بأكثر من شكل لغُوي، كما أن ذلك اللفظ ومشتقاته قد يستخدم بأكثر من دلالة في سياق لغة العرب ومتونها، ولعل هذا الأمر ما نود الإشارة إليه في هذا المبحث الذي نحن بصدده. يذكر أهلُ اللغة: الزنِّجُ والزَّنجُ، وهم جيلٌ من السودان (أي ذوي البشرة السوداء)، وهم الزُّنوُج، وأحدهما: زِنجِيّ وزَنجِي .       لقد ورد ذكر هذه البلاد، أي بلاد الزنج، في العديد من أشعار ومأثورات العرب منذ القدم، ومن أشهر ما ذكر في ذلك ما أورده ابن سيدُه: (تراطُن الزَّنج بزجلِ الأزُنجِ) .

 

   يُشير البعضُ إلى أن لفظ الزنج ربما يرجعُ لغويا لأصل فارسي، ثم استخدمه العرب بعدئذ، ومن ثم كثر تداوله بين المؤرخين والبلدانيين العرب في مصنفاتهم. ويكتب الاسم زنج بفتح النون، وزنج بكسر النون، وزنجي، وزنجي بفتح الزاي، وكسرها في الكل . كما أورد أهل اللغة في ذات الشأن: والزَّنجُ وهو شدةُ العطش ، وقالوا أيضًا: وزِنجَت الإبل زَنجًا، أي عَطشَتْ مرةً بعد مرة، فضاقت بطُونها، كما قالوا: زنج الرجل من ترك الشرب ، قال صاحب مختار الصِحاح: "الزنج: جيل من السودان، وهم الزنوج . 

 


 يمكن القول بأن من بين أهم المشتقات اللغوية الأخرى لهذا اللفظ: الزِّناجُ، أي المُكافأة بخير أو بشر، وقالوا: الزَّنجُ والحَجزُ واحد، ويُقال حَجِز الرجلُ وزَنجَ، أي تقبض أمعاء الرجل ومصارينه من الظمأ والعطش، فلا يستطيع أن يكثر من تناول الشراب أو الطعام . كما قالوا: والزَّنجُ، ويقصد به الدفع كأنه يريد هجوم هذا الشخص، وإقباله، كما قالوا: وتَزَّنَج على فلان، أي تطاول . 

 


    ويعد مُصطلحُ السودان الشرقي Eastern Sudan من أهم المصطلحات التي لها ارتباطٌ وثيقٌ بسواحل شرق أفريقيا، وبلاد الزنج، بل يمكن القول بأنهما يرتبطان ببعضهما البعض حتى يكاد كل منها يعبر عن الآخر في ذات الآن، رغم ما يبدو من بُعد الشُقة فيما بينهما. 

 


   ويُحدد البعضُ بلاد شرق أفريقيا، أو السودان الشرقي، لمنطقتين رئيسيتين، الأولى: بلاد الزنج، وهي التي تضم آراضي كينيا، وتنزانيا، وأوغندا، وموزمبيق، أما الثانية: يُطلق عليها بلاد القرن الأفريقيAfrican Horn ، وهي تضم بلاد الصومال، وجيبوتي، وإريتريا، وإثيوبيا . وعن مصطلح شرق أفريقيا يذكر أحد الباحثين: "واصطلاحُ شرقي أفريقيا يعني المناطق التي تضم الوحدات السياسية الحالية: الحبشة، واريتريا، والسومالات، وكينيا، وأوغندة، وتنزانيا، وموزمبيق، والجزر المواجهة لسواحل تلك المناطق لارتباطها تاريخيا وجغرافيا" . 

 


    بينما يذهب آخرون إلى أن بلاد السودان الشرقي يُقصد بها آراضي السودان الحالي ، وهو ما يطلق عليه ترمنجهام اسم السودان الإنجليزي– المصري، كما يُعرف أيضا السودان الشمالي . كما يشير مصطلح أفريقيا السوداء في الكتابات الغربية، من ناحية أخرى، لبلاد جنوب الصحراء، حيث تسكن الشعوب ذات البشرة السوداء التي يطلق عليها "أمم السودان"، أو "شعوب السودان"، وكذلك "بلاد السودان" ، يذكر أبوالفداء: "ذكر أمم السودان، وهم من ولد حام بن نوح" . أما عن نسل حام، أو ما يقال لهم الشعوب الحامية، وانتساب شعوب السودان لهم، أو الشعوب من ذوي البشرة السوداء، يذكر القضاعي (ت: 454هـ): "فالسودان كلهم على اختلاف أجناسهم من ولده (اي حام)، والقبط، والأفارقة الذين نسبت إليهم أفريقية من ولده" .

 


كما تشير المصادرُ للفظ الأفارقة، إما إشارة لسكان مدينة أفريقية، أو ربما إشارة لعموم السكان في مناطق شمال أفريقيا . أما تسمية بلاد السودان ذاتها، يُقصد بها الآراضي التي تسكن بها شعوب أفريقيا جنوب الصحراء، لاسيما المنطقة التي تمتد فيما بين سواحل الأطلنطي غربا وحتى البحر الأحمر، والقرن الأفريقي، وسواحل شرق أفريقيا شرقا . كما أن لفظ السودان يشير بدوره إما للأرض ذاتها، أو لشعوب جنوب الصحراء. وبحسب روايات أخرى، تشير إلى أن شعوب أفريقيا السوداء، أو شعوب السودان بأنهم من أبناء سودان بن كنعان .  

 


        وتلك تسمية فيما يقال لجد الشعوب السودانية لم نر أي ذكر لها إلا فيما يذكره المسعودي على قدر علمنا . ويعتقد أن تلك الرواية لا أصل لها، ويقال إن المدعو "سودان" كان له عددٌ من الأولاد، وكان من بينهم الزنج، وعرقيات أخرى كثيرة، كانت قد استقرت بالمغرب بحسب ذات الرواية . وكان أقدم سكان شرق أفريقيا منذ أقدم العصور، وتحديدا منذ العصور الحجرية، يطلق عليهم: البانتو . ويرى دافيدسون أن شعوب البانتو كانوا من بين الشعوب التي برز دورها منذ العصر الحجري على غرار الشعوب التي تنتمي للسلالات الأفريقية الأخرى .

 


ويبدو من خلال ما ورد في المصادر العربية عن بلاد "الزنج" كمصطلح قديم ثمة فرقٌ واضح فيما نفهمه بين مصطلح "الزنج" ودلالته من ناحية، ومصطلح "الزنوج" من ناحية أخرى. كما أن هناك، في ذات الآن، من الدارسين من يجعل هذين اللفظين، مصطلحا واحدًا، وأن لهما ذات الدلالة . ويمكن القولُ بأن مصطلح الزنوج حديثا يُقصد بهم تلك الشعوب التي تسكن جنوب الخط الذي يمتد من مصب نهر السنغال مارا بكل من تمبكتو في مالي حاليا، ثم الخرطوم، ثم يتجه جنوبا صوب الحبشة عند خط عرض 12 شمالاً، ثم يسير بمحاذاة التخوم الغربية، ثم الجنوبية لآراضي الحبشة حتى نهر جوبا، ومنه لسواحل المحيط الهندي . 

 


وفيما يخص الربط بين مصطلح الزنوج، وبلاد السودان، يرى ترمنجهام أن اسم السودان الذي يطلق على المنطقة شبه الصحراوية التي تمتد من الأطلنطي حتى البحر الأحمر بأنها ليست موطن الزنوج، ولكنها تشكل المنطقة التي تقع بين المجموعة الحامية في شمال أفريقيا والمجموعة الزنجية في وسط أفريقيا . 

 


 

تم نسخ الرابط