الإثنين 05 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

 


كيف نواجه «هندسة» الفوضى فى القرن الإفريقى؟

 

فى نهاية عام مليء بالتحولات والتغيرات الإقليمية، ومع بداية عام جديد يُعول عليه أن يكون الفصل الأخير لدوامة الصراعات المستمرة بالمنطقة، كنت قد استشهدتُ الأسبوع الماضى، بتقدير موقف لوزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطى، صاغه فى بداية عام 2025، عن واقع ما تواجهه الدولة المصرية خارجيًا، وأشار إلى أنه «لم يحدث فى تاريخ الدولة المصرية وأن شاهدنا انفجارًا للأزمات فى كل الاتجاهات، وفى توقيت واحد، ما يستدعى وجود سياسة نشطة خارجيًا لمجابهة هذه الظروف الضاغطة».

 

وبعيدًا عن تقديرات «قلة» من النقاد والمحللين، التى تنظر بأعين غير موضوعية لواقع الضغوط الإقليمية، أو تقلل من مخاطر التحديات التى تواجهها الدولة المصرية فى مختلف الاتجاهات، فالواقع الذى لم يعد خافيًا على أحد، أن الجغرافيا الجديدة التى يُجرى هندستها فى الإقليم، تُحاصر القاهرة بجبهات صراع وتوتر واضطراب من كل اتجاه وفى توقيت متزامن، فهكذا ننظر لمآلات ما يحدث غربًا فى ليبيا بتحويلها إلى جزئين شرقًا وغربًا، والواقع نفسه جنوبًا فى السودان، بتفتيته شرقًا وغربًا، وشرقًا ما يحدث فى غزة والأراضى الفلسطينية، وصولًا للعمق الجنوبى فى القرن الإفريقى والبحر الأحمر ومصالح مصر الاستراتيجية بتلك المنطقة.


من هذا المنظور، لا يمكن فصل التطور الأخير فى منطقة القرن الإفريقى، المتمثل فى الاعتراف أحادى الجانب، من دولة الاحتلال الإسرائيلى، بما يسمى «إقليم أرض الصومال»، كدولة مستقلة، بعيدًا عن الواقع الإقليمى، والتحديات التى يواجهها الأمن القومى العربى وفى القلب من الأمن القومى المصرى، والتى تصل فى بعض الحالات إلى تحدٍ وجودى.


ولا يعنى اتساع دائرة الشجب والإدانة والرفض والاستنكار، وكل معانى الاعتراض على الاعتراف أحادى الجانب من دولة الاحتلال الاسرائيلى، بما يسمى «إقليم أرض الصومال»، كدولة مستقلة، أن تداعيات وارتدادات هذه الخطوة ستتوقف عند هذا الحد، أو أن مثل هذه المواقف، يمكنها الحد من المساعى الإسرائيلية فى منطقة القرن الإفريقى والبحر الأحمر، رغم عدم قانونيتها وتجاوزها للمواثيق والمعاهدات الدولية.


صحيح الرفض العابر للحدود، مهم للتأكيد على سيادة دولة الصومال، غير أن حسابات صراع النفوذ القائم منذ فترة فى منطقة القرن الإفريقى، والتطورات الإقليمية، يجعلنا أمام محاولات لهندسة جغرافيا جديدة فى الإقليم، وبلا شك تستهدف أعمدة الأمن القومى العربى والمصالح المصرية فى تلك المنطقة، وهنا نجد أنفسنا أمام جملة من التساؤلات، تتعلق أولًا بمعانى ودلالات الاعتراف الإسرائيلى وتأثيراته الإقليمية، وأنماط وصور التحديات التى تواجهها تلك المنطقة؟ ومصير الأوضاع فى تلك المنطقة الحيوية، التى تتكاثر فيها أيادى ونفوذ لاعبين دوليين وإقليميين؟


ماذا يعنى الاعتراف الإسرائيلي؟

 

منذ أن أعلن إقليم أرض الصومال، فى عام 1991، انفصاله من جانب واحد عن الدولة الصومالية، وهو لا يحظى باعتراف دولى طوال هذه الفترة، رغم مساعى سلطة هذا الإقليم فى كل اتجاه، غير أن دولة الاحتلال الإسرائيلى، أعلنت فى السادس والعشرين من ديسمبر 2025، الاعتراف «الأحادي» بهذا الإقليم كدولة مستقلة، فى خطوة قد لا تكون مفاجأة بالنظر إلى الاتصالات المعلنة وغير المعلنة بين الجانبين خلال الفترة الأخيرة، فقد أعلن وزير خارجية أرض الصومال، عبد الرحمن آدم فى أبريل الماضى، بدء الحوار مع الجانب الإسرائيلى بما يفضى إلى اعتراف متبادل.


وربما أكد ذلك، رئيس وزراء الصومال، حمزة عبدى برى، الذى تحدث فى تصريحات إعلامية الأسبوع الماضى، عن اتصالات وزيارات سرية لسلطة إقليم «أرض الصومال» مع مسئولين فى تل أبيب، خلال الفترة الأخيرة، غير أن ما يستحق التوقف هنا، هو الغاية الإسرائيلية من هذا التحرك ودلالاته فى هذا التوقيت، فالمؤكد أن تل أبيب لن تخطو مثل هذه الخطوة، بلا مقابل، أو عائد استراتيجى، والأهم من ذلك ارتدادات وتأثيرات هذا التحرك.. وهى أبعاد يمكن تأطيرها فى النقاط التالية:
أولًا، زاد الاعتراف الإسرائيلى، «غير القانوني»، بإقليم «أرض الصومال»، من مخاوف التهجير، أو إقامة قواعد عسكرية لتل أبيب، بالمنطقة المطلة على ساحل البحر الأحمر، ومضيق باب المندب، وهذا حديث أكدته الحكومة الصومالية، حينما أشار رئيس الوزراء الصومالى، إلى أن «كل المؤشرات تؤكد أن نتنياهو يريد تهجير سكان غزة لأرض الصومال»، إلى جانب رغبة تل أبيب «لاستغلال الظروف السياسية والإقليمية، لضمان موضع قدم لها على ساحل البحر الأحمر، وباب المندب، مع إمكانية إقامة قواعد عسكرية لها هناك»، وهى خطوة مرفوضة عربيا ودوليًا.


ثانيًا، لا يمكن النظر للتحرك الإسرائيلى، بِعَدّه حدثًا دبلوماسيا عابرًا، وإنما يشير إلى تحول جديد فى منطقة تعانى من هشاشة متجذرة وصراعات متداخلة وتنافس دولى وإقليمى، وتجعل من أرض الصومال، ومنطقة القرن الإفريقى، ساحة جديدة للتنافس الدولى والإقليمى، فى وقت ترفض فيه مصر ودول القرن الإفريقى تواجد أى دولة غير متشاطئة على ساحل البحر الأحمر، ما يعنى أنه يفتح الباب لتواجد قوى أخرى غير مرغوب فيها على ساحل المجرى الملاحي.


ثالثا، يشجع مثل هذا الاعتراف، أطرافا إقليمية أخرى، لاتخاذ نفس الخطوة، وهنا نشير إلى سلوك دولة حبيسة مثل إثيوبيا، التى لم تتخل عن طموحها فى الوصول إلى البحر، وهو ما دفع رئيس الوزراء الإثيوبى، آبى أحمد، الذى يتبنى نظرية «من النهر للبحر»، لإبرام اتفاق مع «أرض الصومال»، فى يناير 2024، يقضى بالحصول على منفذ بحرى لبلاده مقابل الاعتراف بالإقليم كدولة مستقلة، وتبقى فرص تفعيل هذا الاتفاق قائمة، رغم اتفاق المصالحة بين أديس أبابا ومقديشيو، الذى رعته تركيا، ولم تنته مشاوراته التنفيذية حتى الآن.


رابعًا، تتجاوز تأثيرات وارتدادات هذا التحرك، حدود الإقليم نفسه، ذلك أن السلوك الإسرائيلى، يكسر قواعد راسخة فى القانون الدولى، والمواثيق التى تحمى سيادة الدول وحدودها، بالاعتراف بمنطقة تخضع لسيادة دولة، وهو نهج لو قبل به المجتمع الدولى، سيفتح الباب أمام نزاعات إقليمية لاسيما فى دول إفريقية، وبالمنطقة، تتواجد فيها حركات انفصالية، وكيانات تسعى لإقامة سلطات موازية داخل الدولة الواحدة، كما هو الحال فى ليبيا والسودان واليمن، وبالتالى الحسم فى مواجهة هذا السلوك، ضرورة حتمية لضمان الاستقرار الإقليمي.


خامسًا، من المخاطر التى يعززها السلوك الإسرائيلى تنامى خطر الإرهاب فى تلك المنطقة الهشة، التى ما زالت تدفع فاتورة سيطرة القاعدة على أجزاء عديدة من الصومال، لاسيما أن حركة الشباب الصومالية (تنظيم القاعدة)، هدد باستهداف أرض الصومال وأى مصالح إسرائيلية بها، وهذا البعد حذر منه أيضا الرئيس الصومالى، حسن شيخ محمود، خصوصا فى ظل انتشار التنظيمات المتطرفة بالمنطقة.


سادسًا، يتزامن هذا الاعتراف، مع توترات فى الساحة اليمنية، الأخيرة، بسبب التحركات التى شهدتها المحافظات الجنوبية، بعد تحركات عسكرية نفذها «المجلس الانتقالى الجنوبي»، فى محافظتى حضرموت والمهرة.

 


صراعات مركبة

 


نقطة التوقف الأخرى، تتعلق بالواقع الهش الذى تعيشه منطقة القرن الإفريقى وجنوب البحر الأحمر، ذلك أننا سنجد أن المصالح المصرية أمام تحديات مركبة، بفضل التنافس الدولى فيها، وصراع للوجود بين قوى دولية كبرى، بالنظر إلى حيويتها وتأثيرها على حركة التجارة العالمية، حيث تمر منها أكثر من 12 % من التجارة العالمية، فهى باختصار رئة إفريقيا التجارية، ومتنفس الدول الخارجية للسوق الإفريقية، ورهان الفاعلين الدوليين للتمركز على ممرات مهمة كالمحيط الهندى وخليج عدن والبحر الأحمر.


ولعل الشاهد على ذلك، التأثيرات الاقتصادية التى تعرضت لها حركة التجارة العالمية، وخسائر مصر الاقتصادية من قناة السويس، بسبب هجمات الحوثيين أثناء حرب غزة على السفن المارة، ما أدى إلى توقف شبه كامل لحركة عبور السفن من البحر الأحمر، والبحث عن طرق بديلة منها طريق الرجاء الصالح. 


وبموازاة تحدى التنافس الدولى على المنطقة، نجد أن استقرارها، يواجه حزمة من الصراعات الجيوسياسية المعقدة ومتعددة الأبعاد، التى تتشابك فيها عوامل داخلية وإقليمية ودولية وصراعات على الموارد والحدود والنفوذ السياسى، واضطرابات داخلية وحروب إثنية، واللافت فى الأمر أن «إثيوبيا» هى محور أساسى وعامل مشترك فى غالبية أنماط الصراعات التى تشهدها تلك المنطقة، وأحد الأطراف الأساسية فيها، هذه الصراعات والممارسات يمكن تأطيرها بشكل أساسى فى الصراعات الحدودية والبينية مع دول الإقليم.


وفى تحدى الصراع الحدودى، تُجاهر الحكومة الإثيوبية، ورئيس وزرائها آبى أحمد، بضرورة أن تحصل على «منفذ بحري» لها على البحر الأحمر، دون أن يعبأ بسيادة دول الجوار وقواعد القانون الدولى، وهذا ما يفسر تدخلات أديس أبابا السافرة فى الصومال، ومساعيها فى إريتريا، ووصل به التهديد أخيرًا بقوله أن «الوصول للبحر الأحمر أمر حتمى وضرورى ولا مفر منه».. وهنا نجد أن الممارسات الإثيوبية تشمل الآتي:


1 -  النزاع الصومالى الإثيوبي: حيث تشهد العلاقات الصومالية الإثيوبية توترا، إثر توقيع أديس أبابا اتفاقية مع إقليم (أرض الصومال) الانفصالى فى بداية عام 2024، تسمح لها باستخدام سواحل المنطقة على البحر الأحمر لأغراض تجارية وعسكرية، ورغم نجاح الوساطة التركية، فى شهر ديسمبر 2024، فى الوصول لاتفاق ينهى التوتر بين مقديشيو وأديس أبابا، إلا أن المفاوضات الفنية بين البلدين تعثرت، وهو موقف يعكس السلوك الإثيوبى فى عدم احترام أى اتفاق.


2 -  التوتر الإثيوبي- الإريتري: منذ الربع الاول من عام 2025، تواجه المنطقة عودة للتوتر والخلاف بين إثيوبيا مع إريتريا، على وقع النزاع المسلح الداخلى مع إقليم «تيجراي»، بصورة قد تعود معها المواجهات المسلحة بين الطرفين، خصوصا مع الحشد العسكرى للطرفين، بمحازاة إقليم «عفر» الإثيوبى (شمال شرق إثيوبيا)، لكن التحركات الإثيوبية تأتى سعيا للوصول إلى البحر الأحمر، عبر إريتريا، ولعل الشاهد على ذلك حديث آبى أحمد نفسه فى شهر سبتمبر 2025، حينما أشار إلى أن «بلاده فقدت سيطرتها على موانئها على البحر الأحمر منذ ثلاثة عقود مضت»، واصفًا الأمر بأنه «خطأ تاريخى ينبغى تصحيحه»!.


3  - «سد سياسي» وليس مائيا: لا يمكن فصل السلوك الاثيوبى، مع دول الجوار، عن موقفها وتصرفاتها من قضية الأمن المائى، وإعلانها العام المنتهى، تدشين السد الإثيوبى، بالمخالفة للقانون الدولى، في تحد صارخ، وتجاوز لحقوق دولتى المصب مصر والسودان، وهنا يمارس السلوك الإثيوبى، عدوانا آخر على حقوق دول الجوار المباشر وغير المباشر، بانتهاج سياسة أحادية وعشوائية، لتشغيل «سد غير قانونى وغير شرعي»، قامت بإنشائه دون مراعاة لأى قواعد قانونية واتفاقيات تاريخية مبرمة بين دول حوض النيل الشرقى (مصر والسودان وإثيوبيا).


والشاهد هنا، التشابه فى مصادر التهديد، ما بين سلوك دولة الاحتلال الإسرائيلى، أو الحكومة الإثيوبية، والترابط فى إسلوب الاستهداف، من حيث «تجاوز كل ما هو قانونى وإنساني»، وصولا إلى مستوى التنسيق فى الضرر والإضرار، بحقوق ومصالح وأمن دول المنطقة وخصوصًا مصر.

 


كيف نواجه التحديات المركبة؟

نقطة التوقف الأخرى تتعلق بالتعاطى المصرى مع تحديات البحر الأحمر والقرن الإفريقى المركبة، والتى تفرض وضع سياسات وآليات لمعالجتها، ويحول دون أى تهديد للمصالح المصرية هناك، والمعنى هنا، يجب أن يكون هناك تحرك نشط، للتعاطى مع الواقع فى منطقة باب المندب، هذا التحرك يمكن أن يشمل المسارات التالية:


1  - دعم مقاربة الدولة الوطنية: يمكن اعتبار أن نقطة الانطلاق لمعالجة الصراعات المركبة والمعقدة فى منطقة القرن الإفريقى، تبدأ بالحفاظ على مفهوم الدولة الوطنية فى المنطقة، والحفاظ على المؤسسات الوطنية، والسيادة الوطنية لدول المنطقة، خصوصا أن كثيرا من دول المنطقة تواجه تحديات تتعلق بالسيادة ووحدة أراضيها واستقرارها، مثل الصومال والسودان، وبالتالى السبيل الأول، يمكن أن يبدأ بدعم المؤسسات الوطنية لتلك الدول، وتمكينها من الحفاظ على وحدة واستقرار وسيادة الدولة الوطنية فيها، مع حشد الجهود الدولية والأممية للحفاظ على تلك المبادئ.


2 - التكامل والتعاون الإقليمي: عبر تعزيز الشراكات المصرية، مع دول القرن الإفريقى، وهو نهج تطبقه بالفعل القاهرة فى سياساتها الخارجية، بتعزيز التعاون والتنسيق مع إريتريا وجيبوتى والصومال، ويبدو ذلك فى برامج التعاون المختلفة، ويجب أن يمتد هذا التنسيق والتعاون ليشمل دولا عربية وإسلامية لها تأثير فى المنطقة، خصوصا السعودية وتركيا.


وتابعنا خلال الفترة الأخيرة مستويات التنسيق الثنائية ومتعددة الأطراف، والتى كان أحدث صورها زيارة الرئيس الإريترى أسياس أفورقى، إلى مصر والسعودية أخيرًا، والمشروعات التى افتتحها نائب رئيس الوزراء ووزير النقل والصناعة، المهندس كامل الوزير فى جيبوتى الأسبوع الماضي.


3 -  تفعيل الآليات الإقليمية: يجب أن تتكامل هذه التحركات، مع سياسة الردع المصرى فى منطقة البحر الأحمر، والقائمة على ضرورة تفعيل المبادرات الإقليمية لحماية الملاحة ومكافحة الإرهاب البحرى، ومن بينها تفعيل التعاون الأمنى فى إطار مجلس «الدول العربية والإفريقية المتشاطئة على البحر الأحمر وخليج عدن»، وهو مجلس جرى تشكيله بمبادرة من السعودية عام 2020، وتستند إلى ضرورة «حوكمة إدارة وتأمين البحر الأحمر»، من خلال حماية السيادة الوطنية للدول المطلة، والتعاون الجماعى لحماية المصالح المشتركة.


وتعزيزًا لهذا التوجه، طرحت مصر مبادرة لتعزيز التعاون والتكامل بين الدول المتشاطئة للبحر الأحمر، وهى مبادرة «السويس والبحر الأحمر» للتنمية الاقتصادية والبحرية، كخريطة طريق لتعزيز التنمية المستدامة فى المنطقة.
 

تم نسخ الرابط