لم أكن أتصور عندما التقيت في نهاية الستينيات بماجدة الجندي وكريمة كمال ودرية الملطاوي.. ثلاث فتيات في عمر الزهور تخرجن حديثا في جامعة القاهرة، ليلتحقن في نفس الوقت بالمؤسسة العريقة "روزاليوسف، وأصبحن زميلات لي في مجلة صباح الخير، أن تأخذنا الحياة بحلوها ومرها، وتعصف الحياة بالبعض منا بعواصفها.
كانت كريمة علامة فارقة، في التحقيقات الجريئة، التي كانت تثير جدلا، أما في أسلوبها المميز الذي فيه نكهة إيماء وغمسة، أو سخرية ولذعة تهكم في موضوعات لا يمكن التعبير عنها بالشكل العادي.. وعندما التحقت بجريدة المصري اليوم أنشأت صفحة وسط الزحمة للتحقيقات الاجتماعية وكتبت العديد من المقالات والحملات الصحفية، حاملة قلمها، تتركه يمشي على عمود الرأي في الجريدة، التي كانت فيها أيضا مستشارة التحرير، لتبرز قدرتها على تناول القضايا التي تمس الناس، تعينها على ذلك، ثقافة وافرة، و تجربة حياتية في العمل الاجتماعي والسياسي. في مقالاتها لم تغفل كريمة كمال عن الكتابة في أي مسألة شائكة، أو عويصة، لتخوض مواضيع لم يتعرض لها الآخرون، فتفتح ملفات ساخنة.
تتزوج كريمة من المخرج الفيلسوف داود عبد السيد أو أديب السينما كما وصفه الشاعر بهاء جاهين، بعد أن التقت به ولفت نظرها عقله المتميز وطريقة تفكيره وتناوله للأمور ورقيه الإنساني، وثقافته ودوامه للقراءة، فأحبته وتزوجا.. تزوجت، وظهرت في أحد أفلامه لثوان في مستهل "فيلم أرض الأحلام" في صحبة أحد شخصيات الفيلم نرجس وهي ذاهبة مع ابنها وابنتها إلى السفارة الأمريكية.. وبعد أربعين عاما من الزواج ومنذ أيام أعلنت وفاته بكلمات مؤثرة قالت فيها: «رحل اليوم أغلى ما عندي.. زوجي وحبيبي داود عبدالسيد».
ثمانية أفلام روائية وثلاثة أفلام تسجيلية أخرجها الفنان والمفكر داود عبد السيد كمثقف حقيقي وسينمائي وأديب، مهموماً بقضايا المجتمع والعصر بإيقاع خاص في عالم خاص وبسرده لقصصه، بتأن وبحث دائم ودقة متناهية، بمضمون فكري وفني متميز، إلى أن توقف عن أحلامه لسينما واقعية بلا حدود، ولمعرفته بالواقع السينمائي المصري ومشهده المحبط، مات محبطاً ومكتئبا.. أفلام كتب سيناريوهاتها بنفسه باستثناء "أرض الأحلام" الذي كتبه هاني فوزي. إيماناً منه بأن كتابة السيناريو هي عملية إخراجية، وحين يكتب السيناريو يكون قد حدد نظرياً أشياء كثيرة في أسلوب الإخراج، فيأتي الإخراج كتعبير تصوري للفيلم. كصانع لسينما المؤلف، فى أفلام مكنوزة بالهمّ السياسي.
داود عبد السيد منذ طفولته أراد أن يكون صحفياً، لكن الظروف لم تتح له تحقيق أمنياته، وعندما صحبه أحد أقربائه لاستوديو جلال القريب من بيته انبهر بما شاهد أثناء تصوير أحد الأفلام السينمائية، فتوجه بانبهاره بالسينما إلى المعهد العالي للسينما، وتحول اهتمامه بالصحافة لكتابة القصص والسيناريوهات ليحصل على بكالوريوس الإخراج السينمائي، ويعمل كمساعد مخرج في بعض الأفلام فكان أولها "الأرض" ليوسف شاهين، و"الرجل الذي فقد ظله" مع كمال الشيخ، و"أوهام الحب" لممدوح شكري.
ولشغفه المتأمل في رصد المدينة وأهلها، ترك دوره كمساعد مخرج، ليقدم ثلاثة أفلام تسجيلية، أكسبته الإحساس بنبض الشارع والقرية، ومعرفة أوسع بالمجتمع المصري ويرصد الحزن والألم في عيون الناس هي "وصية رجل حكيم في شؤؤن القرية والتعليم" و"العمل في الحقل"، وعن الناس والأنبياء والتعليم.
ثم جاء فيلم "الصعاليك" ليكون أول فيلم يخرجه، وتبعها "البحث عن سيد مرزوق"، "الكيت كات"، "سارق الفرح"، "أرض الخوف"، "مواطن ومخبر وحرامي"، و "رسائل بحر" الذي رثى فيه مدينة الإسكندرية، إلا أنه كان له حلم لم يكتمل لفيلم بدأ تصوير مشاهده لمنة شلبي وعمرو يوسف، لم يتم، فقد توقف لتراجع الشركة المنتجة بالالتزام بالميزانية المتفق عليها وخفضها لأكثر من النصف، فكان تَقْويضا حقيقيا لرؤية داود عبد السيد الفنية، وتبخر الحلم لفيلمه الأخير.
دعونا نعرف كيف يفكر فيلسوف السينما، ففي تصريحات له لجريدة "المصرى اليوم" قال: "بعد ثورة 23 يوليو ووجود نظام شمولي، حارب بعض أعوانه حرية التعبير، ولأن الجهل والأمية هي الغالبة على معظم أفراد الشعب، فقد تفاوتت مستويات تخوف السلطة من الحرية، فهي لا تخشى كتابا لأن من يقرأون قلة، لكنها تخشى الصحيفة لأنها لا تحتاج مثقفاً متخصصاً ليقرأها، ويتزايد خوفها من الفنون لأنها الأكثر جذباً ووصولاً لعموم الشعب، ولذلك تزايدت الرقابة على الأفلام والمسرحيات، ولأن الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، كان واثقاً من شعبيته، كما أنه مثقف، فإن أي شكوى يتلقاها من المصادرة، كانت تدفعه لمشاهدة العمل بنفسه، أو قراءة الصحيفة أو الكتاب بنفسه، وكان يتخذ قراراً لصالح العمل، مما يرفع من أسهم شعبيته، مثلما حدث مع فيلم (شىء من الخوف). وليتابع عبدالسيد آراءه: "من المبرر أن تخاف السلطة، أو الأزهر، أو الأعراف الاجتماعية، من مسلسل تليفزيونى، أو برنامج، لأن التليفزيون في كل بيت ومجاني، ولا يستلزم الخروج من المنزل أو شراء تذكرة، أما السينما فتحتاج قراراً، وبإمكان المشاهد ألا يشاهد فيلماً خارجاً، أو ضد النظام، أو الدين، لأنه لا أحد يجبره على هذا، فهو صاحب القرار، لأنه لا أحد يذهب إلى خمارة أو بيت دعارة رغما عنه، والسينما لا علاقة لها بالانحراف أو التحرش، فكلاهما موجود في المجتمع ولا تحتاج إلى أفلام لتشجيعها، لكن الظروف الاجتماعية وتدهور الخطاب الأخلاقي هو الذي ملأ المجتمع بهذه الظواهر، وبعض الأفلام بتاكل عيش على هذه الظواهر التي صدرت نفسها للسينما".
كان أبناء الجيل الواحد.. الجيل الذهبي الذي حمل على عاتقه مهمة تجديد شكل السينما المصرية عاطف الطيب، داود عبد السيد، محمد خان، رأفت الميهي ورضوان الكاشف، وخيري بشارة وعلي بدرخان، مهتمون بالسينما كفن، وليس كوسيلة أكل عيش بصرف النظر عن الاختلاف الجوهري في الأساليب والأفكار الفنية والسياسية، والإيمان بتقديم أفلام مختلفة عن السينما بحكاياتها التقليدية، بشخصيات بصدق وتلقائية عن أحلامها وطموحاتها، وتوصيلها والتواصل مع الجمهور.
ومنذ ثلاث سنوات قرر الاعتزال لاعتباره أن الجو غير صالح لصناعة السينما، لكنه صالح فقط لتربية الدواجن كما قال منتقداً سيطرة السينما التجرية الاستهلاكية، واختفاء الجمهور القديم وظهور جمهور المراكز التجارية.
للموسيقي والأغاني في أفلامه دور مميز وتوظيف فني تزيد من المشاهد جمالاً وتضيف بعداً عميقاً، وقد يدمج أغاني أوبرا كارمن مع الأغاني الشعبية في أحد أفلامه أو سلطنة أغاني أم كلثوم في "الصعاليك"، وبين ابن عمه راجح داود شراكة علاقة عميقة جمعت بينهما على مدار سنوات طويلة من الصداقة والتعاون الفني، قدّم خلالها الاثنان معًا أعمالًا سينمائية خالدة شكّلت علامات بارزة في تاريخ السينما المصرية، وكان للموسيقى التي وضعها راجح داود دور أساسي في تشكيل عالم داود عبد السيد السينمائي المتفرّد، فشاركه في معظم أعماله ومنها فيلم الصعاليك، الكيت كات، رسائل بحر، ومواطن ومخبر وحرامي، وودعه راجح بقوله «وداعًا حبيبي وأخي وصديق العمر الحبيب داود».
كما رافقه في كل أعماله مهندس الديكور أنسي أبو سيف الذي يفتخر بأنه تلميذ شادي عبدالسلام، وتعاون معه في فيلم «المومياء» حينما كان طالباً في المعهد، وعمل في الفيلم بصفته مساعد تصميم من الدرجة الرابعة، وكلف مع صانعي العمل بالاهتمام بكل ما يتعلق بالجانب التاريخي، من نحت ورسم. كان داود عبد السيد صديقا مقرّبا منه، وتخرجا في دفعة 1967 في المعهد العالي للسينما، وجمعهما الفكر نفسه، وسلكا رحلة سينمائية واحدة، حتى إن ديكورات جميع أفلام عبد السيد من تصميمه، والمعروف أن السيناريو يعرض على مهندس الديكور قبل الممثل والمصور، لأنه يحول الورق المكتوب إلى واقع عبر مشاهد في حارات شعبية أو ديكورات تاريخية، ويبدأ بناؤها، من ثم هنا تبدأ ترشيحات الفنانين.
في فيلم "الكيت كات" أهدى داود عبد السيد الفيلم إلى أنسي أبو سيف، الذي لم يكتفِ بتصميم حارة الفيلم، بل غاص في تفاصيلها، واستلهم روح المكان وسكانه، فالحارة لم تكن مجرد خلفية لأحداث، بل كان بطلاً أساسياً يعكس واقع الشخصيات، لدرجة أن المشاهدين لم يلحظوا أنها ديكور.
عندما أعلن داود عبد السيد الانسحاب والاعتزال من المشهد السينمائي في كلمات بسيطة بقوله "لقد اختلف الجمهور، فوداعا".. هذا الاعتزال والخاتمة لمسيرته الفنية جاء بعد هذا الثراء الواسع والقدرة الفنية والفكرية العالية في أفلامه والمدرسة التعليمية الغنية بالتنوع والجدية باهتماماته الإنسانية والفكرية والثقافية.
إن رحيل داود عبد السيد خسارة فادحة للسينما والثقافة المصرية، إذ ترك خلفه إرثًا فنيًا وإنسانيًا سيظل حاضرًا في وجدان محبيه وتلاميذه وأصدقائه.









