حكاية أرضُ الزنج
يبدو هناك ثمة فرقٌ واضح بين مصطلح بلاد السودان الشرقي من ناحية ومصطلح بلاد الزنج Land of Zanj من ناحية أخرى. ويمكن القول بأن لفظُ الزنجZanj وما قد يرتبطُ به من بعض المصطلحات على غرار تلك البلاد التي يُطلق عليها بلاد الزنج، أو أرض الزنج، لايزال يشكل أحد المفاهيم الغامضة لدى الكثيرين، وهو مصطلح لايزال يحتاج بدوره مزيدا من التحقيق والإيضاح لمعرفة أصل اللفظ، ودلالته .
من المهم أن نتعرف على أصل التسمية، ودلالاتها بحسب ما ورد المصادر القديمة من ناحية، وكذلك في ضوء الدراسات الحديثة من ناحية أخرى. وكما هو معلوم أن الزنوج ليسوا كلهم من الأفارقة أي سكان أفريقيا، كما أن الأفارقة ليسوا جميعا من عرق الزنوج، أو الشعوب الزنجية . يذهب أكثرُ الباحثين إلى أن لفظ بلاد الزنج يشير لأرض الشعوب ذات البشرة السوداء ، أي أن لفظ الزنج يعني ذات المعنى الخاص بتسمية السودان، أو شعوب السودان، إلا أنه يُشار إليهم بهذا المعنى في إطار تحديد جغرافي خاص باللفظ، إذ إن شعوب الزنج يقصد بهم هؤلاء السودان، الذين يسكنون ساحل شرق أفريقيا .
وتطلق المصادر التاريخية على تلك البلاد تسمية ذات دلالة، وهي بلاد (أو أرض) العطور، أو إقليم العطور . وهناك من قال بأن الزنج هم من ولد كنعان، حيث يذكر أحد المصادر: "والنوبة والزنج من أولاد كنعان بن حام" . بل إن هناك من المصادر ما يشير إلى أنهم من نسل زنجي بن كوش ، وهذا قولٌ غريبٌ يناقض السياق التاريخي المعلوم لنا، إذ لاتوجد ثمة علاقة البتة بين الزنج والسكان في النوبة من ناحية، ونسل كنعان (أو الكنعانيين) من ناحية أخرى، لكنه قول مأخوذ من التوراة، أي أنه أقوال الإسرائيليات. بينما قال ابن خلدون في روايته: "والزنج من ولد زنجي بن كوش.." .
من الواضح أنه يوجد تباين فيما يخص الافتراضات والآراء التي أدلى بها العلماء والدارسون بشكل بَّيِن حول لفظ أو مصطلح زنج (أو الزنج)، وأصله، ودلالته، وإلى أي اللغات سواء سامية أم حامية ينتمي. بأية حال، يذهب البعضُ إلى أن لفظ الزنج فارسي الأصل . ثم دخل ذاك اللفظ في لغة العرب بعدئذ ، يقول أحد الباحثين: "أما معنى كلمة زنج، فهو على الأرجح مستمد أو مأخوذ من الكلمة الفارسية المماثلة التي يقصد بها: ذوو البشرة السوداء" .
يبدو أن لنا في ذلك الرأي وجهة نظر، إذ إن أصل اللفظ في الغالب مأخوذ من اللاتينية، ونعتقد أن أقدم لفظ اشتق منه لفظ الزنج هو الكلمة اللاتينية "زنجيوم"Zingium ، إذ أطلقت الكتابات اللاتينية على تلك البلاد هذا اللفظ، وهي تسميةٌ تشير قديما لمناطق ساحل شرق أفريقيا . ويشكل لفظ زنجيوم في الغالب أصل تسمية الزنج، إذ إن ذلك اللفظ يعد أقدم إشارة لهذا المصطلح. لهذا فالراجح أن كلمة زنج استخدمها المهاجرون الفُرس الأوائل في الغالب من خلال إطلاعهم عليها في المصادر اللاتينية، ثم إنهم أطلقوا تلك التسمية على السكان المحليين من قاطني سواحل شرق أفريقيا بداية، إشارة للون البشرة، ثم استخدمها على الراجح المؤرخون العرب بعدئذ، على غرار الفزاري والمسعودي، وغيرهما .










