رؤية تاريخية حول مصطلح شرق أفريقيا القديم
نناقش في هذا المقال مصطلح السودان الشرقي Eastern Sudan Land of، أو ما يُقال له: ساحل شرق أفريقيا وذلك بمزيد من العمق والتفصيل، ويعد مُصطلحُ السودان الشرقي من أهم المصطلحات التي من الواضح لها ارتباطٌ وثيقٌ بين كل من السكان القاطنين في مناطق سواحل شرق أفريقيا من جانب، وما يقال لها شعوب بلاد الزنج من جانب آخر، بل يمكن القول بأنهما مصطلحان يرتبطان ببعضهما البعض حتى يكاد كل منها يعبر عن الآخر في ذات الآن، رغم ما يبدو من بُعد الشُقة فيما بينهما بشكل واضح. فمن المعلوم أن بلاد الزنج جغرافيا تمتد من مقدشو شمالا على الساحل الصومالي، وتمتد جنوبا حتى سفالة.
على هذا فإن بلاد الزنج هي جزء من آراضي شرق أفريقيا، وتحديدا الساحل الشرقي الأفريقي، أو بلاد السودان الشرقي التي تضم مع بلاد الزنج سواحل وآراضي القرن الأفريقي، إضافة إلى سواحل بلاد البجة، بل إن البعض يجعل بلاد حوض النيل الأوسط، وبلاد النوبة جزءا من هذا الامتداد والإطار الجغرافي المتسع والعريض. وحتى تكون الأمور أكثر وضوحا فإننا سوف نستبعد الحديث عن الإمارات والممالك العربية التي تأسست في بلاد حوض النيل الأوسط وبلاد النوبة حتى لانسهب بشكل يخل من الغاية الرئيسية من هذا الكتاب.
يجدر بالذكر أن البعض يقسم بلاد شرق أفريقيا، أو بلاد السودان الشرقي، لمنطقتين رئيسيتين، الأولى ويطلق عليها: بلاد الزنج، وهي البلاد تضم آراضي كل من كينيا، وتنزانيا، وأوغندا، وموزمبيق، ولاسيما المناطق الساحلية منها. أما التقسيم الثانية: فيُطلق عليها بلاد القرن الأفريقيAfrican Horn ، وهي تضم الصومال، وجيبوتي، وإريتريا، وإثيوبيا . وعن هذا المصطلح يذكر أحد الباحثين: "واصطلاحُ شرقي أفريقيا يعني المناطق التي تضم الوحدات السياسية الحالية: بلاد الحبشة، وآراضي اريتريا، والسومالات، وكينيا، وأوغندة، وتنزانيا، وموزمبيق، وكذا الجزر المواجهة لساحل تلك المناطق نظرا للارتباط الوثيق الذي يربط بينها تاريخيا وجغرافيا" .
من المؤكد أن مصطلح شرق أفريقيا لايزال يحيط به بعض الإشكاليات في ضوء التحديد الجغرافي الخاص به. بينما يذهب آخرون إلى أن بلاد السودان الشرقي يُقصد بها السودان الحالي، وهو ما يطلق عليه البعض، تسمية بلاد السودان الإنجليزي–المصري، كما يُعرف أيضا باسم: السودان الشمالي . كما يُطلق عليها في بعض كتابات تسميات أخرى، لعل منها: بلاد سودان وادي النيل، وكذا حوض النيل الأوسط..الخ، وغير ذلك. وعن ذلك يقول ترمنجهام: "والسودان الشرقي الذي سيقصد به السودان الإنجليزي– المصري الشمالي.." .
كما يشير مصطلح أفريقيا السوداء في الكتابات الغربية، من ناحية أخرى، لبلاد جنوب الصحراء، حيث تسكن الشعوب ذات البشرة السوداء، وهي الشعوب التي يطلق عليها عدة تسميات، أهمها: "أمم السودان" (أو "شعوب السودان"، أو بلاد السودان)، وكذلك تشتهر بتسميات الشعوب الكوشية، أو الكوشيين، أو حتى الشعوب الحامية (الحاميين)..الخ . لاريب أن ارتباط سكان شرق أفريقيا بالحاميين هو أمر معروف، أي أنهم ينتسبون لنسل حام بن نوح عليه السلام، يذكر أبوالفداء (ت: سنة 732هـ): "ذكر أمم السودان، وهم من ولد حام بن نوح" . أما عن نسل حام بن نوح، أو الشعوب الحامية، وانتساب شعوب السودان لهم، يذكر القضاعي (ت سنة: 454هـ): "فالسودان كلهم على اختلاف أجناسهم من ولده (أي من نسل حام)، والقبط، والأفارقة الذين نسبت إليهم أفريقية من ولده.." .
يبدو من المؤكد بشكل واضح أنه يوجد في إطار ذلك تأصيلات أُخرى عدة لايمكن أن نخُوض فيها بمزيد من التعمق والتفصيل، وذلك حتى لايخرج العمل عن الغاية المأمولة منه، بينما تشير المصادرُ إلى لفظ "الأفارقة"، إما إشارة لسكان مدينة أفريقية، أو ربما لعموم السكان في بعض المناطق الواقعة في شمال أفريقيا .
ربما يلحظ الباحثُ في تاريخ بلاد جنوب الصحراء خلال مطالعته لبعض المصادر التاريخية أنه يبدو ثمة خلطٌ ما في روايات بعض المصادر حول أي من الأقاليم الواقعة في بلاد السودان هو الأكثر امتداد واتساعا من الأقاليم الأخرى. حيث يشير بعضها أن بلاد الزنج، وهي جزء من السودان الشرقي) هي أكبر وأطول الأقاليم في بلاد السودان. كما نلحظ في بعض المصادر الأخرى التي تشير إلى مناطق أخرى مثل مملكة غانة وتوصف بأنها أكبر المناطق أو الأقاليم في بلاد السودان. بأية حال، فمن الراجح أن بلاد الزنج تعد أحد الأقاليم الكبرى التي يعدها المؤرخون ضمن بلاد السودان بشكل عام: "وأرضُ الزنج أطول آراضي السودان، ولاتتصل بمملكة غير الحبشة.." .










