بين الهدف والرسالة.. كيف تحولت أمم أفريقيا إلى منصة سياسية صامتة؟
لم تعد الرياضة وبخاصة كرة القدم، مجرد منافسة داخل المستطيل الأخضر أو وسيلة للترفيه الجماهيري، بل تحولت في السنوات الأخيرة إلى لغة عالمية لتوصيل الرسائل السياسية والاجتماعية.
ومع اتساع دائرة المتابعة العالمية للبطولات الكبرى، باتت الملاعب واحدة من أكثر المساحات تأثيرًا في الرأي العام، حيث تصل الإشارة الصغيرة أو الاحتفال العابر إلى ملايين المتابعين حول العالم خلال ثوانى معدودة.
وفي بطولة كأس الأمم الأفريقية الحالية، عادت ظاهرة تداخل السياسة مع الرياضة إلى الواجهة من جديد، ليس عبر تصريحات رسمية أو لافتات مباشرة، وإنما من خلال رموز وإيماءات صامتة حملت دلالات سياسية عميقة، فتجاوزت اللعبة حدودها التقليدية، وفتحت باب الجدل حول العلاقة المعقدة بين كرة القدم والسياسة في القارة السمراء.
إشارة لاعب الكونغو
أحد أبرز المشاهد التي أثارت الجدل في البطولة، كان احتفال سيدريك باكامبو أحد لاعبي منتخب الكونغو الديمقراطية، حيث قام بحركة رمزية لافتة عقب تسجيله هدفًا، تمثلت في تغطية فمه بيده ورفع إصبع اليد الأخرى في إشارة فسرها متابعون على أنها رسالة سياسية مشفرة.
الاحتفال لم يمر مرور الكرام، سرعان ما انتشرت صوره على مواقع التواصل الاجتماعي، كشفت منصة XTRAfrica Media عبر موقع إكس، تفسير هذه الحركة ووضحت أن، اللاعب يغطي فمه ويشير بأصابعه على رأسه، في إشارة إلى الصمت الدولي تجاه العنف والمجازر في بلاده، ترمز اليد على الفم إلى تجاهل العالم للأزمة، بينما ترمز الأصابع إلى القتل المسلح الذي يتعرض له المدنيين في محاولة من اللاعبين لفت الأنظار إلى معاناة المدنيين والنزاعات المسلحة المستمرة في منطقتهم عبر منصة كرة القدم العالمية.
واستخدام اللاعب بطولة كأس الأمم الإفريقية لتوصيل رسالته عبر بطولة تحظى بمتابعة ملايين المشاهدين داخل القارة وخارجها، منح الرسالة قوة مضاعفة.
لومومبا.. الذاكرة التي لا تموت
وخلال كأس الأمم الإفريقية 2025 بالمغرب، خطف أحد المشجعين الكونغوليين الأنظار بعدما جسد شخصية رئيس وزراء بلاده الأسبق باتريس لومومبا.
ظهر المشجع في مدرجات مباريات الكونغو بثبات لافت، ما جعل البعض يظنه تمثالًا، قبل أن يتحرك مؤكدًا أن ما يقدمه رسالة وفاء لأحد أبرز رموز النضال ضد الاستعمار البلجيكي.
لقطة جسدت اعتزاز الأفارقة بتاريخهم، وأعادت إلى الأذهان سيرة لومومبا الذي دفع حياته ثمنًا لكفاحه من أجل الحرية والاستقلال.
ما حدث في الكان يؤكد أن الملاعب تحولت إلى ساحة مقاومة ولكنها مقاومة ناعمة، تمرر فيها الرسائل دون هتافات أو لافتات، يكون عبر جسد اللاعب وحركته.
لوائح الفيفا والكاف.. الحياد المعلن
تنص لوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بوضوح على حظر أي رسائل أو شعارات ذات طابع سياسي أو ديني داخل الملاعب، سواء عبر اللافتات أو الاحتفالات أو الملابس وينص قانون الانضباط على توقيع عقوبات قد تصل إلى الإيقاف أو الغرامة حال ثبوت المخالفة.
الاتحاد الأفريقي لكرة القدم بدوره يلتزم بمبدأ حياد الملاعب، لكنه يواجه تحديًا متكررًا في تفسير الرموز غير المباشرة، حيث يصعب إثبات النية السياسية في الإيماءات الصامتة، ما يضع الجهات المنظمة في منطقة رمادية بين تطبيق اللوائح واحترام حرية التعبير الفردي.



