في ظل حالة الجدل التي أثارها قانون الإيجار القديم في مصر، وبين تضارب المصالح بين الملاك والمستأجرين، ظهرت فئة قليلة من المحامين حوّلوا معاناة الناس إلى فرصة للربح السريع. فبدلًا من أن يكون المحامي حصنًا للعدالة، أصبح (في بعض الحالات) طرفًا في لعبة استنزاف نفسي ومالي للمستأجرين، مستخدمين في ذلك عبارات يتم من خلالها تروعيهم، مثل (المالك سيطردك فورا، أو أن القانون تغير وأنت لا تعلم، لذا يجب الطعن على القانون أو لا تدفع قيمة الإيجار كاملا)، يحدث هذا في ظل غياب ثقافة قانونية لدى الكثير من المواطنين، وهنا تحديدا يجد المستأجر ألا سبيل أمامه سوى دفع أتعاب الطعون، التي غالبا ما يكون مبالغا فيها. الأكثر من ذلك أن بعضهم يتعمد إطالة أمد النزاعات عبر طعون شكلية أو دعاوى يعلم مسبقًا ضعفها، فقط لضمان استمرار تدفق الأتعاب. بل إن هناك من يُخفي حلولًا ودية ممكنة، لأنها ببساطة لا تدرّ عليهم أرباحًا كافية.
ممارسات بالتأكيد لا تمثل مهنة المحاماة، بل تشوهها، وتسيء لمهنة المحاماة، وتضعف الثقة في منظومة العدالة ككل. ومهنة المحاماة، التي تعد رسالة قبل أن تكون وظيفة، تقوم على الأمانة والدفاع عن الحقوق في إطار القانون. وأي خروج عن هذه المبادئ يُعد إخلالًا بشرف المهنة ويستوجب المساءلة التأديبية. بعيدا عن تحقيق الربح الذي يسعى إليه أمثال هؤلاء. وهذا تحديدا ما تم ملاحظته في الآونة الأخيرة من قبل عدد محدود من المحامين باتباع أساليب تفتقر إلى الشفافية، من بينها المبالغة في توصيف المخاطر القانونية، أو إطالة أمد التقاضي دون مبرر جوهري، أو عدم إيضاح البدائل القانونية المتاحة للموكلين، بما يخالف القواعد المنظمة لتلك المهنة. وهذا ما تبين عندما ادعى البعض من هؤلاء المحامين أن (المحكمة الدستورية) قبلت إحدى الدعاوى ضد القانون الجديد لإلغاء شروط الإخلاء والوقف (التعليقي) للقانون 164، مروجا لذلك على مواقع السوشيال ميديا، مبشرا المستأجرين بهذا النصر، وهذا ما ردت عليه مصادر رفيعة المستوى، بعدم صحة ما تم تداوله على بعض مواقع التواصل الاجتماعي، من أن تقارير هيئة المفوضين بالمحكمة الدستورية العليا الخاصة بكافة الطعون المقدمة بشأن قانون الإيجار القديم، تم صدور قرار فيها بوقفها تعليقيا، لحين فصل المحكمة الدستورية في القانون، وكشفت نفس المصادر أنه لا يجوز للمحكمة الدستورية العليا أو هيئة المفوضين بها إصدار قرار بوقف قانون معين في أي وقت من أوقات نظر الدعوى وذلك حتى صدور حكم المحكمة الدستورية، وأشارت المصادر إلى أن الدعاوى التي تطالب بعدم دستورية قانون الايجار القديم بعضها لم يقيد والبعض الآخر مقيد طرف هيئة المفوضين والتي تم نظرها في جلسة 8 فبراير الجاري، وتم تأجيل ثلاث دعاوى منها لتقديم المذكرات بشأن أوجه التعارض بين قانون الإيجار القديم والدستور المصري ومذكرات المدعي في الدعاوى وإخطار المدعى عليهم ولم يتم حجز الدعاوى أو كتابة تقارير المفوضين، وذكرت نفس المصادر أيضا، أن أي دعاوى محالة إلى المحكمة الدستورية العليا تمر بمراحل معينة وهى تحضير الدعوى من حيث الأوراق والمستندات، ثم قيدها بجدول هيئة المفوضين التي تعقد جلسات لنظر الدعوى على مدار عدة جلسات يتم فيها سماع طلبات ومرافعات المدعي والمدعي عليه، وتقديم المذكرات ثم تحجز الدعوى لكتابة تقريرها بالرأي القانوني في الدعوى والذى يحمل توصيات لهيئة المحكمة، وهو استشاري غير ملزم للمحكمة، مضيفة بأن بعد انتهاء الكتابة من التقرير يتم إحالته وقيده في جدول المحكمة الدستورية العليا التي تحدد جلسة لنظر الدعوى برمتها وتلقى المذكرات وسماع المرافعات ثم حجز الدعوى للحكم، وبمجرد صدوره سواء كان بعدم الدستورية أو بعدم القبول أو بالرفض أو بانقطاع الخصومة ويكون واجب النفاذ وملزم للكافة ولا يجوز الطعن عليه أو استئنافه ، ورغم هذا الرد الشافي الوافي على من يرددون مثل هذه الأقاويل، خرج علينا بعضهم مطالبا المستأجرين بعدم سداد قيمة الإيجار كاملا، والاكتفاء بدفع 250 جنيها لحين الفصل في دعوى عدم دستورية القانون، مازال هؤلاء مستمرين في غيهم ظنا منهم أن نشر الشائعات والمعلومات المغلوطة، والتشكيك في القانون، على وسائل التواصل الاجتماعي، ستؤدى إلى تعديله أو إلغاء المواد الخاصة بالإخلاء على الأقل. اعتقاد منهم أن تلك الادعاءات واصطناع أحكام ومبادئ قانونية مغلوطة، من الممكن أن تشكل ضغطا على الحكومة أو البرلمان لإصدار قانون يتوافق مع ما يصرحون به.
الأدهى من ذلك أن بعض الصفحات ومواقع (بير السلم) نشرت أنباء عن تمرير تعديل تشريعي، بينما الحقيقة أن الأمر لا يعد سوى كونه وعودًا أطلقها البعض من نواب البرلمان، وليس لها من وجود داخل لجان البرلمان أصلا.
وقبل أن نلف وندور في خضم هذا الجدل المتصاعد حول نزاعات قانون الإيجار القديم، ومدى مسئولية نقابة المحامين تجاه البعض من المنتسبين إليها، الذين استغلوا مواقع السوشيال ميديا، ليدلوا بتصريحات وبيانات بعيدة عن الواقع. علينا أولا أن نؤكد أن الغالبية العظمى من المحامين يمارسون مهنتهم بشرف ونزاهة، لكن مجرد وجود حالات محدودة من الممارسات غير المهنية، يضعها أمام مسئولية مباشرة. لكونها ليست مجرد كيان خدمي لأعضائها، بل هي جهة تنظيمية رقابية، أُنشئت لحماية شرف المهنة وصون ثقة المجتمع، وقانون النقابة يمنحها سلطة التأديب والمساءلة وتصل إلى حد الشطب من جداولها، حال خروج أحد من أعضائها، عن الدور المهني والقانوني المنوط به، حين يتولى أي دعوى قضائية، لكونها جهة رقابية وتنظيمية أُنشئت لحماية شرف المهنة وصون ثقة المجتمع، وبالتالي حالة الجدل التي تسبب بها البعض من المنتسبين إليها - الباحثون عن الشو والشهرة - يضع على كاهلها ضرورة التصدي لمثل هذه التفسيرات والبيانات التي تثير طوائف المجتمع وتهدد أمنه وسلامه، وأعتقد جازما أن هذا دورها، بخلاف دورها في حماية أعضائها ضد أي هجوم، لكن الدفاع المشروع لا يعني التستر على المخالفات حال ثبوتها. لأن النقابة القوية هي التي تُحاسب المخطئ قبل أن يسيء إلى باقي زملائه. فالمساءلة الصارمة تحمي الشرفاء أكثر مما تضرهم، لأن المحاماة في النهاية مهنة تختص بإرساء العدالة، والنقابة هي الجهة المنوط بها إرساء وتدعيم مثل هذا الدور.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



