لماذا استعان الرئيس بشباب البرنامج الرئاسى فى المحليات؟
كان من الطبيعى، وربما من الضرورى، فى مسار العمل الحكومى والتنفيذى، أن تأتى لحظات نقد الذات والتقييم، ثم التعديل والتغيير، بغاية التطوير والتحديث، ومعالجة أوجه القصور، مع ضخ دماء جديدة، يمكن أن تقدم جديدًا يفيد الناس.. هذه هى الفلسفة العامة، التى يمكن النظر بها إلى حركة التعديل الحكومى، فى حكومة الدكتور مصطفى مدبولى، وما تبعها من حركة موسعة للمحافظين.
وربما من المبكر الحكم على أداء الاختيارات الجديدة، من وزراء ومحافظين، ومدى قدرتهم على تحقيق أثر إيجابى فى مواقعهم، بغض النظر عن خلفياتهم وخبراتهم، غير أن ما يستحق التوقف، مسألة «التمكين» للكوادر الشابة، التى انطوت عليها حركة المحافظين الأسبوع الماضى، باعتبارها واحدة من ثمار سياسة الدولة التى بدأتها بعد ثورة 30 يونيو، المتعلقة بخطة حماية ورعاية الشباب.
واللافت هنا؛ أن أكثر من نصف حركة المحافظين التى شملت نحو 20 محافظًا جديدًا، بجانب 12 نائبَ محافظ، كانت من كوادر استفادت من البرامج الرئاسية، المَعنية بتأهيل وتدريب وتمكين الشباب خلال العقد الماضى، وتحديدًا من بين خريجى دفعات البرنامج الرئاسى لتمكين وتأهيل الشباب (PLP)، وأيضًا «تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين»، ومنهم من سبق أن حظى بثقة القيادة السياسية فى بعض المحافظات، وجرى تجديدها.
والمعنى هنا، يتجاوز كثيرًا مسألة الاستعانة بشباب فى مواقع السلطة المحلية؛ وإنما يمتد لمعانٍ أخرى، تتعلق باستراتيجية واضحة تنتهجها الدولة المصرية، ترتبط بتعزيز قدرات قوى الدولة الشاملة، وجزء أساسى منها، تقديم أفضل بناء للشخصية المصرية، بما يشمل ذلك خطة تقديم كوادر وكفاءات جديدة مؤهلة ومدربة وقادرة على استكمال مَسيرة البناء والتحديث والتطوير.
امتلاك القدرة على التمكين
تلك هى الفلسفة، التى تعمل بها القيادة السياسية، فى قضية تمكين الشباب، وهى قضية كانت مطلبًا أساسيًا رفعه المصريون فى ثورة 30 يونيو 2013، وقبلها فى الفعل الثورى فى يناير 2011، غير أنّ الدولة استهدفت تحويله من شعار سياسى، إلى واقع عملى قابل للتطبيق والتنفيذ؛ بامتلاك القدرة على التمكين، وجزء من امتلاك القدرة هو ثقل الشباب أنفسهم ببرامج تدريب وتأهيل تُكسبهم الخبرات الكافية؛ لتولى مسئولية العمل التنفيذى، وأيضًا المشاركة السياسية والبرلمانية والعامة.
من هذا المنطلق؛ تنطلق رؤية الرئيس عبدالفتاح السيسي، بضرورة «التدريب والتأهيل قبل التمكين»، وهذه الرؤية كانت واضحة منذ بداية تنفيذ استراتيجية الدولة المصرية لتمكين الشباب، عند انعقاد أول مؤتمر وطنى للشباب قبل عشر سنوات، وتحديدًا فى نهاية شهر أكتوير 2016، بمدينة شرم الشيخ، بما تضمنه من حالة زخم غير مسبوقة، بفضل قنوات التواصل المباشرة التى وفّرَها لشرائح الشباب مع القيادة السياسية وكبار المسئولين.
يستند اهتمام الدولة برعاية وتمكين الشباب، إلى النص الدستورى، فى المادة 82، من دستور 2014، التى نصت على أن «تكفل الدولة رعاية الشباب والنشء، وتعمل على اكتشاف مواهبهم، وتنمية قدراتهم الثقافية والعلمية والنفسية، والبدنية، والإبداعية وتشجيعهم على العمل الجماعى والتطوعى، وتمكينهم من المشاركة فى الحياة العامة».
من هذا المنطلق؛ كان من بين أولويات العمل الرئاسى، بَعد تولى الرئيس السيسي، السلطة فى يونيو 2014، فتح قنوات تواصل مع مختلف شرائح الشباب وإشراكهم فى مسئولية بناء الدولة، وكانت البداية بصياغة برنامج وطنى لتأهيل الشباب للقيادة تمهيدًا لإشراكهم فى المسئولية.
وبَعد تخطيط ودراسة، بدأت الدولة ببرنامج رئاسى؛ لتأهيل الشباب للقيادة (PLP)، وبدأت الدولة أولى خطواته العملية فى سبتمبر 2015، وفق معايير محددة ومجردة؛ لاختيار شباب من سن 20-30 سنة، بمعايير علمية، تحفظ جميع المُحافظات وتمثيل مناسب بين الجنسين؛ الإناث والذكور، وأيضًا ذوى الاحتياجات الخاصة إلى جانب الأداء الشخصى فى المقابلة الشخصية.
وبالفعل نجح البرنامج فى تقديم نحو أربع دفعات، بواقع 500 شاب فى كل دفعة، كانوا نواة أساسية، فى تنظيم المؤتمرات الوطنية للشباب، ونسخ منتدى شباب العالم، بجانب اختيار نماذج من خريجى هذا البرنامج فى مواقع مسئولية، مثل نواب محافظين ونواب وزراء، وأيضًا للتمثيل البرلمانى داخل مجلسىّ النواب والشيوخ، بالإضافة إلى كونهم النواة التى اعتمدت عليها الدولة فى تنفيذ عدد من المبادرات؛ خصوصًا مبادرة «حياة كريمة»، لتطوير الريف المصرى.
أفضل استثمار
نقطة التوقف الأخرى؛ أنّ الهدف من برامج الدولة للتدريب والتأهيل، يتجاوز حدود برامج التعليم والتأهيل، وإنما فى الواقع أراه خير «استثمار» فى تعليم الشباب والأجيال الجديدة، ولتوطين الخبرات المصرية فى مختلف المجالات.. ولعل هذا ما يفسر حرص الرئيس على تدشين الأكاديمية الوطنية للتدريب والتأهيل، فى 2016، بغاية أساسية تستهدف تأهيل الكوادر الشابة فى مختلف القطاعات.
هذا بالإضافة إلى مساهمات الأكاديمية العسكرية، فى تعزيز قدرات القوى الشاملة للدولة، من خلال استضافتها لبرامج تعليمية وتأهيلية، لقطاعات مدنية عديدة، كالتعليم والأوقاف والإعلام والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.
وبالنظر إلى ما تضمنته حركة المحافظين الأخيرة؛ نجد أن الدولة تجنى ثمارَ استثمارها فى كوادرها الشابة، بتمثيل واسع من الشباب، ذلك أن السمة الغالبة فى هذا التعديل، هو النزول بمعدل أعمار المسئولين فى السلطة المحلية، من محافظين ونواب محافظين، بالإضافة إلى تعزيز الثقة فى بعض الكوادر التى تركت أثرًا فى عملها، مثل الدكتور محمد غنيم، محافظ الفيوم، والدكتورة جاكلين عازر محافظ البحيرة، والدكتورة حنان مجدى، محافظ الوادى الجديد، بعد أن كانت نائبة للمحافظ لسنوات، وهو اختيار نوعى، ذلك أن العُرف جرى أن يتولى المحافظات الحدودية، أحد العسكريين، غير أن القيادة السياسية منحت هذه المرة الثقة لسيدة مسئولية محافظة مهمة بحجم الوادى الجديد.
البعد عن المجاملات
هذه رحلة من التدريب والتأهيل وصولاً للتمكين نفذتها الدولة، عاصرتها على مدار السنوات العشر الماضية، غير أن التساؤل الذى يطرح نفسه، هو: ما الذى يمكن أن يعود على المواطن والدولة من خلال الاستعانة بالكوادر الشابة فى مواقع تنفيذية بالمحافظات؟، ولعل الإجابة على مثل هذا الاستفهام، مرهون بالتأكيد بأداء المحافظين الجُدُد ونوابهم، وقبلهم المسئولون فى التشكيل الحكومى الجديد، لكن هناك مجموعة من الأبعاد يجب وضعها فى الحسبان، فى قراءة هذه التجربة، وهى ما يلى:
أولاً، إنّ الغاية الأساسية من حركة التعديل الحكومى، ثم المحافظين، هو المواطن، وكيف يستشعر ثمار التنمية والإصلاح التى تنفذها الدولة خلال السنوات الأخيرة، على حياته ومستوى معيشته، وهو الأمر الذى أراه فى التوجيه الرئاسى للمحافظين الجُدُد، حينما شدّد الرئيس السيسي، على ضرورة العمل بإخلاص وتفانٍ بعيدًا عن المجاملات، مع الالتزام بالشفافية والوضوح، والاستفادة من كافة الكوادر فى الأجهزة التنفيذية.
ثانيًا، إنّ المحافظين، هم قناة التواصل الأولى بين الدولة والمواطن.. وهو المعنى الذى أكد عليه الرئيس، حينما أشار إلى الدور المحورى لكل مُحافظ، ذلك أن نجاح كل مُحافظ فى مهمته ينعكس بشكل مباشر على مصلحة الدولة ككل، وبالتالى جزء من شعور المواطن بالتحسن وحركة الإصلاح فى مختلف القطاعات، تبدأ من مهمة عمل المُحافظ، وتواصله المباشر مع المواطنين، وتعاطيه مع مشاكلهم.
ثالثًا، إنّ التمكين بالاستعانة بالشباب لا يعنى الرفاهية، أو قضاء أوقات سعيدة؛ وإنما هى فى الأساس مسئولية، تقتضى العمل لتحقيق أثر إيجابى ملموس.. وهنا يجب الإشارة إلى أن كثيرًا من الكوادر الشابة فى حركة المحافظين، سبق أن تحملوا مسئولية الإشراف على مشروعات تنموية فى المحافظات، ضمن مبادرة «حياة كريمة»، ما أكسبهم خبرات فى أجهزة العمل المحلى بالمحافظات.
رابعًا، لا يمكن فصل حركة التمكين؛ عن التوجيه الرئاسى للحكومة الأسبوع الماضى، بضرورة استكمال الاستحقاق الدستورى، الخاص بقانون الإدارة المحلية، والذى يمهد الطريق لعودة تشكيل المجالس المحلية الشعبية فى المحافظات، والغائبة منذ 2011.. وهى خطوة بلا شك، ستعزز من دَور الأجهزة المحلية على الصعيد التنفيذى والشعبى والسياسى، وقبل ذلك؛ ستمنح مزيدًا من الفرص لتمكين الكوادر الشابة؛ خصوصًا أن النص الدستورى، فى المادة 180 من الدستور، صاغ التزامًا، بضرورة أن يُخصّص ربع عدد مقاعد المجالس المحلية للشباب، من دون سن 35 عامًا، وربع آخر للمرأة، ونحو خمسين بالمائة من العمال والفلاحين.
والخلاصة؛ إنّ منح القيادة الثقة فى عدد من الكوادر الشبابية، لتولى سلطة العمل المحلى فى عدد من المحافظات؛ إنما هو جزءٌ من رؤية وطنية قائمة على تقديم كوادر مؤهلة ومدربة وقادرة على التطوير والتحديث فى مختلف القطاعات، فهل سنرى يومًا رئيسًا للوزراء من هذه الكوادر والكفاءات؟، والواقع أننى لا أستبعد ذلك؛ شريطة مواصلة العمل والتطوير والتأهيل وتراكم الخبرات.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



