الأحد 22 فبراير 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

في روايات ألف ليلة وليلة، وأقول هنا روايات لأنها لم ترتبط ببلد معين بل أصبحت تراثا عالميا ترسل الشعوب فيها حكاياتها، وكما هو معروف عندما تبدأ شهرزاد سرد حكايتها كل ليلة على مسامع الأمير، تحرص طوال الوقت على أن تكون الحكايات ممتعة ومستمرة وبطريقة سلسلة، تصنع اللغز وتدخل به قبل الحل إلى لغز أكثر حيرة من الذي قبله في هندسة للمتاهة، ومن خلال السيطرة الناعمة على الأمير تصبح الحكايات بلا نهاية معروفة أو حتى متوقعه بل ضبابية تماما في شكل خوارزميات حتى يصيح ديك النهار معلنا يوما جديدا في حياة شهرزاد.

 

اعتمدت شهرزاد على كثرة الحكايات والتشويق، وتسلم كل حكاية حكاية أخرى ممتعة وناقصة بدون نهاية وبدون نتائج واضحة، فلم تكن تقدم أحكاما أو حلولا، فقد اعتمدت على سيل من المعلومات تصنع متاهة لأميرها، لم تكن هناك فكرة واضحة بل دعته ليكتشف ويصطدم ويثور، وكما كانت حكاياتها بلا نهاية كانت المتعة الوهمية التي دخل فيها الأمير بلا نهاية.

 

وقد كان ذلك من أسباب تأجيل حكمه بقتلها، ولكن هي الحقيقة هي من صنعت الحكاية وأفقدته قدرته على الحكم عليها  بسبب التعقيد المقصود من حكابات متوالية مترابطة معقدة، وكانت هذه هي عبقريتها إنها نجت لكن لم ينج الأمير من شيء، سواء من عقدته القديمة ولا أعطته القدرة على التفكير في المستقبل أو الاختيار.

 

يوما بعد يوم، وأصبحت شهرزاد لا تفكر في أمر الليلة المقبلة، لأنها أدركت أن السر في استمرارها علي قيد الحياة هو مدى قدرتها على صناعة المتاهة التي لا تنتهي، ولا تفسير لها ولا يستطيع المستمع إلا قبولها كما هي، والاستمرار في الاستماع إلى الحكايات التي يدرك جيدا أنها ليست واقعية، وإنما تُولد لديه أفكار قد يستغلها وفقا لما يريد أو للهوى الذي يتبعه، إنها في الحقيقة معاناة للطرفين، كل منهم يطارد الآخر.

 

والحقيقة الواضحة في حكايات ألف ليلة وليلة أنها لم تتوقف عن التجديد فهي كانت الملاذ لكل الهاربين ليجدوا طريق خلاص من الخوف، و ما زالت قابلة للتجديد للهروب لكل من الحاضر إلى المستقبل الذي ينتظره.

 

الهروب كان سببا في انتشار هذه الروايات، لأن الهروب هنا لم يكن مقتصرا على فكرة هروب شهرزاد فقط بل هو هروب متعلق بكل إنسان يريد أن يهرب من كل ما يطارده، الخوف من المستقبل أو صناعة مستقبل، وشهرزاد في عالمنا هذا لم تعد فتاة عذراء، ربما تجدها شابا حالما أو متسلقا متمرسا في صناعة الضباب، مستخدما سالكا كل السبل فيرتدي ثوب شهرزاد، وربما كان غنيا ورقص مستخدما متاهات كلامية فارغة من المعنى.

 

ربما يكون ذلك هروبا من ماض أليم أو من مستقبل يخشاه فيسبق هو إليه فيدمر في طريقة كل من حوله حتى نفسه، لينجو مثل شهريار بسبب عقدة الخيانة التي عاشها فسجن نفسه داخل حكايات شهرزاد.

 

الحكاءة شهرزاد كانت نشأتها وثقافتها هي سبب ثقتها في نفسها وسبب نجاتها فالنشأة لها التأثير الأبعد على السلوك، وهذا الذي مكنها من شهريار،  تاركة إياه في متاهته، كما ورد في رواية ألف ليلة وليلة، فقد سمح ذكاء وثقافة شهرزاد أن تمرر دروسا في السياسة والأخلاق والحب لا يمكن لشهريار أن يقبلها لو قيلت له بشكل مباشر.

 

كل المسارت المعقدة التي سلكتها شهرزاد كانت سببا في نجاة كل الفتيات من سيف سياف شهريار وتركت شهريار حائرا لم يصل إلى حقيقة واضحة ولم يتخذ القرار لأنها أفقدته القدرة على اتخاذه القرار ولا هي قررت عنه لأنها لا تملك ذلك، فأصبح حائرا متتبعا لفضوله فأصبح تابعا لحكاياتها مسلوب القدرة على التفكير لأن شهرزاد كانت تدرك فقط أن ذلك طريق خلاصها، وأن شهريار لم يدرك أن المسارات الواضحة والعدول عن الخطأ هو ما يصنع نجاحات أكبر وأسرع وأكثر استقرارا.

تم نسخ الرابط