ردًا علي فتاوي تحرم تهنئة الاقباط بأعيادهم
كيف تحولت أعياد غير المسلمين في مصر إلى مساحة جامعة للتاريخ والهوية؟
تشكل تهنئة غير المسلمين بأعيادهم في مصر ظاهرة ذات أبعاد تاريخية وثقافية ووطنية متداخلة، تتجاوز كونها سلوكًا اجتماعيًا عابرًا، لتعبّر عن عمق التعايش بين مكونات المجتمع المصري عبر قرون طويلة، فهي نتاج امتداد تاريخي راسخ، واستجابة طبيعية لواقع متعدد دينيًا وثقافيًا، وعنوان بارز لوحدة وطنية تشكلت عبر الزمن.
الجذور التاريخية للتعايش والتهنئة
يُعد التاريخ المصري شاهدًا حيًا على ترسيخ قيم التعايش منذ الفتح الإسلامي، حيث وُضعت أسس واضحة لاحترام العقائد والشعائر الدينية المختلفة. فقد أرسى القائد عمرو بن العاص مع أهل مصر عقد أمان شاملًا كفل حرية المعتقد وممارسة الطقوس الدينية، وهو ما شكّل حجر الأساس لعلاقات قائمة على الاحترام المتبادل.
ومع تعاقب العصور، تحولت المناسبات الدينية لغير المسلمين إلى مواسم اجتماعية مفتوحة، شارك فيها المسلمون والمسيحيون على السواء.
وتشير كتابات المؤرخين، مثل المسعودي والمقريزي، إلى مشاهد احتفالية جامعة في أعياد كعيد الغطاس والميلاد والشعانين، حيث امتزجت الطقوس الدينية بالمظاهر الاجتماعية، في صورة تعكس عمق التمازج الثقافي بين المصريين.
العصر الفاطمي نموذجًا للازدهار الثقافي
شهد العصر الفاطمي ذروة هذا التداخل، حيث تحولت الأعياد القبطية إلى مواسم عامة، تزدان فيها الكنائس والأسواق، وتنتشر مظاهر الزينة والاحتفال بين جميع فئات المجتمع. ولم تكن هذه الممارسات قاصرة على طائفة بعينها، بل أصبحت جزءًا من المشهد اليومي، بما يعكس قبولًا اجتماعيًا واسعًا واحترامًا متبادلًا.
الدولة الحديثة وترسيخ الهوية الوطنية
مع قيام الدولة المصرية الحديثة، استمر هذا الإرث التاريخي في صورة أكثر تنظيمًا ومؤسسية. فحرص رؤساء الجمهورية، إلى جانب القيادات الدينية، على تبادل التهاني في الأعياد الدينية المختلفة، في رسالة واضحة تؤكد وحدة النسيج الوطني. وتجسد ذلك في مناسبات بارزة، من بينها افتتاح الكاتدرائية المرقسية بالعباسية بحضور القيادة السياسية والدينية، في مشهد حمل دلالات وطنية عميقة.
الدور الديني ومبدأ البر والقسط
أسهمت المؤسسات الدينية، وفي مقدمتها الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية، في ترسيخ مشروعية التهنئة، استنادًا إلى مبادئ دينية أصيلة تقوم على البر وحسن الجوار والعدل في التعامل مع غير المسلمين. وأكدت الفتاوى المعاصرة أن التهنئة لا تتعارض مع العقيدة، بل تعزز قيم السلم الاجتماعي والتعايش الإنساني.
الممارسات الشعبية.. الجذر الأعمق
تبقى الممارسات الشعبية الدليل الأوضح على تجذر التهنئة كعرف اجتماعي. ففي الريف المصري، يتبادل الجيران الكعك والفطير، وتُفتح البيوت للزيارات في الأعياد دون تمييز.
أما في المدن، فتظهر مظاهر التهنئة في أماكن العمل، وتزيين المحال، وتبادل الهدايا والبطاقات، بما يعكس اندماج الأعياد في تفاصيل الحياة اليومية.
الإعلام والثقافة في خدمة الذاكرة الجماعية
عكست الصحافة والإذاعة والتلفزيون هذا التمازج منذ أواخر القرن التاسع عشر، حيث خُصصت مساحات واسعة لرسائل التهنئة، وتحولت المعايدات إلى طقس إعلامي ثابت. كما لعبت السينما والأدب دورًا مهمًا في ترسيخ صورة المواطنة المشتركة، عبر أعمال جسدت العلاقات الإنسانية بين المسلمين والمسيحيين باعتبارها جزءًا طبيعيًا من المجتمع.
خلاصة المشهد المصري
في قلب مصر، تتشابك خيوط التاريخ والدين والثقافة لتنسج نموذجًا فريدًا للتعايش. وتهنئة غير المسلمين بأعيادهم ليست مجرد مجاملة اجتماعية، بل ممارسة متجذرة في الوعي الجمعي، وجزء أصيل من الهوية المصرية، يعكس قدرة هذا المجتمع على تحويل التنوع إلى قوة، والاختلاف إلى مساحة جامعة للوطن الواحد.



