أفضل استثمار العدالة فى مبادرة «الرواد الرقميون»
جذبتنى منظومة العمل من دراسة وتعلم وتدريب وتأهيل، داخل الأكاديمية العسكرية المصرية، حينما وطأت قدماى لأول مرة هذا الصرح التعليمى العالى، فلم يستوقفنى فقط حالة التنظيم والانضباط، فتلك سمات معهودة عن أى منظومة للعمل العسكرى، بقدر ما استوقفنى بيئة التعليم نفسها، القائمة على أسس حديثة متطورة، تجعل من الأكاديمية منصة جاذبة لإعداد الكفاءات والكوادر فى مختلف المجالات.
كان ذلك الانطباع الأول، بمجرد دخولى مقر الأكاديمية فى العاصمة الجديدة، فقد وجدتُ نفسى وسط العديد من الأجنحة والصروح التعليمية، كليات للتدريس، ومراكز للتدريب والتأهيل العسكرى والمدنى، دارسين من مختلف التخصصات والمجالات، عشرات الوافدين من المدنيين، إلى جانب مئات المقيمين ضمن برامج التعليم المستدام، أصوات المحاضرين فى كل مكان، فهى ليست مبانٍ شُيدت بنظم بناء حديثة، وإنما فى الواقع كيان بات ينبض بحياة العلم والتعلم.
كانت المناسبة، معايشة عن قرب لواحدة من أكثر المبادرات الرئاسية استثمارًا فى التعليم والتعلم، وهى مبادرة «الرواد الرقميون»، التى تستضيفها الأكاديمية، وحضور مراسم توقيع شراكات بين وزارة الاتصالات، مع 30 شركة محلية دولية فى مجال الاتصالات والتكنولوجيا، لضمان تحقيق المبادرة أهدافها، والواقع أن ما شاهدته يفوق فى جدواه وتأثيره، حدود أهداف تلك المبادرة وغايتها المتمثلة فى تقديم جيل جديد من المتخصصين فى مجالات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، بِعدّه من القطاعات الواعدة اقتصاديًا فى مصر والعالم.
فلا يمكن فصل فلسفة إطلاق مبادرة «الرواد الرقميون» بدعم رئاسى، عن سياقها الأشمل، وهى استراتيجية الدولة الهادفة لأفضل بناء للشخصية المصرية، وخطة تقديم «كوادر مؤهلة»، ليس لمواجهة مشكلة ضعف الكوادر بوجه عام، وإنما لإتاحة كفاءات قادرة على مواجهة أى تحدِ، وتستكمل مسار التطوير والتحديث بمختلف القطاعات، والمعنى هنا، يتجاوز حدود برامج التعليم والتأهيل، وإنما فى الواقع أراه خير «استثمار» فى تعليم الشباب والأجيال الجديدة.
لماذا أفضل استثمار؟
مبادرة «الرواد الرقميون»، واحدة من المنصات التى تحقق هذا الاستثمار، والمعنى هنا، ليس استثمارًا من منظور مادى فقط، ولكنه ادخار فى العنصر البشرى، المُؤهل والمُدرب، والقادر على تحقيق الأثر الإيجابى، فى التنمية ثم فى المردود الاقتصادى، وتلك المعانى من المهم التوقف معها، من الأبعاد التالية:
> تنمويًا، تستهدف المبادرة، الاستثمار فى العنصر البشرى، لاسيما فئة الشباب والدارسين فى مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، من خلال تعزيز القدرات الرقمية للكوادر الشابة، وإعداد عناصر مؤهلة فى مختلف مجالات التكنولوجيا؛ بما يتواكب متطلبات سوق العمل الحديثة، واحتياجات الاقتصاد القائم على المعرفة.
وهذه كانت رسالة الرئيس عبدالفتاح السيسي الخاصة، للحاضرين فى مراسم توقيع بروتوكول التعاون بين الشركات التكنولوجية والمبادرة، والتى نقلها كل من الفريق أشرف سالم زاهر، مدير الأكاديمية العسكرية المصرية، والدكتور عمرو طلعت وزير الاتصالات، حيث أشار الرئيس إلى أن «الهدف من المبادرة الرئاسية، خلق جيل جديد من الكوادر التقنية والمتمرسين المُتعمّقين بقطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، القادرين على إحداث أثر نوعى فارق فى هذا المجال، بما يجعل مصر فى المكانة التى تستحقها».
علميًا، تُتِيح المبادرة ببرامجها العلمية المكثفة، فرصة لتمكين الشباب بالمهارات الرقمية المُتقدمة، وتعزيز الابتكار وريادة الأعمال، من خلال برامج تعليمية مُكثفة ومُتعددة، تعزز من مهارات المستفيدين منها، إلى جانب الشهادات المعتمدة دوليًا، مع جامعات فى كندا وماليزيا.
وتلك رسالة أكد عليها، الفريق أشرف سالم زاهر، فى كلمته باحتفالية توقيع بروتوكول التعاون مع الشركات الخاصة، ذلك أنه أشار إلى «توفير جميع الإمكانية اللازمة لتأهيل وتدريب الشباب»، ضمن استراتجية الأكاديمية لتأهيل الكوادر المدنية فى الدولة.
مجتمعيًا، تفتح المبادرة المجال أمام فرص عمل محلية ودولية للشباب والمستفيدين منها، فى تخصصات يتزايد عليها الطلب يوميًا محليًا وعالميًا، ذلك أنها تُتِيح مسارات التعلم والخبرة والمهارة فى تخصصات تكنولوجية عالمية، وهى «الذكاء الاصطناعى، والأمن السيبرانى، وتحليل البيانات وتطوير البرمجيات، وصولا لمجال المستقبل .. الحوسبة الكمية».
وما يُعزز ذلك، حديث وزير الاتصالات الدكتور عمرو طلعت، عن توفير 75 ألف وظيفة خلال ثلاث سنوات، فى مجال الخدمات الرقمية، إلى جانب توسيع مجال الشراكات مع 30 شركة عالمية ومحلية متخصصة فى مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وهى بلا شك نافذة مباشرة تستهدف استقطاب الكوادر المستفيدة من برامج «الرواد الرقميون».
اقتصاديًا، لا يختلف الأمر، من المنظور المكاسب الاقتصادية، عن الجوانب السابقة، ذلك أن تأهيل العنصر البشرى فى قطاع واعد عالميًا فى مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، يُعزز من عوائده الاقتصادية، والشاهد على ذلك حديث الأرقام، ذلك أن قطاع الاتصالات، يحقق معدلات نمو سنوية تتراوح بين 14 و 16 %، وارتفعت نسبة مساهمته فى الناتج القومى الإجمالى، إلى 6 % بعد أن كانت نصف هذه النسبة، كما أن الصادرات الرقمية المصرية بلغت 7.4 مليار دولار، ومستهدف وصولها إلى 9 مليارات دولار بحلول عام 2028، وكلها بيانات صادرة عن وزارة الاتصالات.
العدالة فى الاختيار
وإذا كنا نتحدث عن الغايات والمستهدفات وفلسفة هذه المبادرة الرئاسية الفريدة، إلا أن واقع المعايشة مع المشاركين فيها من دارسين ومحاضرين وأكاديميين ومختصين، أظهر معانى ورسائل مهمة، تستحق أن تروى، وواحدة من تلك الرسائل، مسألة «العدالة» التى تنطوى عليها إجراءات تنظيم وتنفيذ تلك المبادرة.
والمقصود هنا العدالة والمساوة فى اختيار المشاركين فيها، ذلك أننى شاهدتُ فى الدفعة الأولى للمبادرة، نماذج من مختلف الشرائح المجتمعية ومختلف الفئات، شباب من مختلف المحافظات، كان الرابط الوحيد الذى يجمعهم، هو استيفاء شروط التقدم والاشتراك فى المبادرة، التى جرى صياغتها بموضوعية مطلقة، وأن تكون عملية التقييم تجرى بشكل عادل دون أى مجاملات.
وتتسق الشروط الموضوعة للالتحاق بالمبادرة، مع الغاية منها ومن مستهدافتها، لتقديم جيل جديد من الكوادر المؤهلة فى المجال الرقمى، ذلك أن تشمل أن يكون المتقدم مصريًا مقيمًا داخل البلاد، وأنهى خدمته العسكرية، وأن يكون من طلاب الجامعات والمعاهد العليا ومن الخريجين فى جميع المحافظات، إلى جانب ضرورة التفرغ الكامل خلال مدة التدريب، وتمت إتاحة التقديم بشكل شفاف ونزيه، عبر تطبيق مخصص للمبادرة، دون تدخل بشرى.
ويخضع المتقدم لمراحل عديدة من الاختبارات قبل قبوله فى المبادرة، تشمل اختبارات علمية فى مجال التخصص الذى سيدرسه، إلى جانب اختبارات ذكاء، ولغة، واختبارات طبية واختبارات هيئة، وصولًا لمرحلة المقابلات الشخصية وقياس المهارات.
وفقًا للبيانات الصادرة عن وزارة الاتصالات، تقدم للالتحاق لمبادرة «الرواد الرقميون» عند فتح الباب للمرحلة الأولى، نحو 40 ألف شاب وشابة من مختلف المحافظات، وجرى تقييم شامل للمتقدمين من خلال مجموعة من الاختبارات لقياس المهارات الفنية فى المجالات التى تقدموا فيها، ليتم اختيار 2500 دارس فى المرحلة الأولى من المبادرة.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن المبادرة تشمل أربعة مسارات للتدريب، حيث تضم برنامجا للدبلومات المكثفة، فى مدة دراسية 4 أشهر، ومستهدف تقديمها إلى 31 ألفًا و500 دارس، وبرنامج للدبلومات التخصصية لمدة 9 أشهر، بإجمالى 3750 شابًا، وبرنامج للحصول على الماجستير المهنى (12 شهرًا)، بإجمالى 675 دارسًا، وبرنامج لماجستير العلوم، (24 شهرًا)، إلى 25 دارسًا، على أن يحصل الخريج عقب اجتياز مدة الدراسة على شهادات معتمدة دوليًا.

ما يطمئن فى سياق إدارة هذه المبادرة، ذلك الاهتمام الرئاسى رفيع المستوى لرعاية ودعم تلك المبادرة لتحقيق هدفها بشكل موضوعى نزيه، حيث تقدم الدولة المصرية المبادرة مجانًا للمستفيدين منها، بعد أن تم تخصيص نحو مليار جنيه من صندوق «تحيا مصر» ووزارة الاتصالات بالشراكة مع الأكاديمية العسكرية لتنفيذ المبادرة.
كما أن المبادرة، توفر إقامة دائمة للمستفيدين منها داخل الأكاديمية العسكرية، وتوفر إلى جانب التخصص التكنولوجى الذى يدرس فيه المستفيد منها، برامج أخرى لثقل المهارات الشخصية واللغوية والقيادية، ودعم قدرات المتدربين فى مجال العمل الحر وريادة الأعمال، بما يعزز من تنافسهم فى أسواق العمل المحلية والدولية.
البعد عن السوشيال ميديا
داخل الأكاديمية العسكرية كانت هناك فرصة، للتعرف عن قرب على البرنامج اليومى للتدريب والتدريس فى مبادرة «الرواد الرقميون»، من خلال لقاءات مع مجموعة من الشباب الدارسين فيها، وبعيدًا عن جوانب التأهيل العلمى المكثفة، كانت هناك مجموعة من المكاسب التى تحدث عنها المستفيدون، خلال أربعة أشهر من الدراسة فى المبادرة، وتتعلق بشكل أساسى بالجوانب الشخصية لديهم، ومنها مايلى:
أولًا: حديث الطلاب عن الانضباط وتنظيم الوقت الذى توفره المبادرة للدارسين، وفق برنامج دراسى وحياتى صحى مُنظم، يبدأ من الخامسة صباحًا، بصلاة الفجر، ثم فقرة اللياقة الرياضية، ومواعيد الطعام المنتظمة، وتوقيتات الدراسة، وفترات ممارسة الرياضة والمهارات المختلفة للدارسين، وصولًا لنهاية اليوم عند العاشرة مساءً.
ثانيًا: الحرص على اكتشاف مهارات الدارسين وثقلها وتطويرها، من خلال دعم القدرات القيادية، حيث تحدث أكثر من دارس عن توجيه المحاضرين لهم فى نقاط القوة فى شخصياتهم، وثقلها بكورسات تدريبية أخرى، معتمدة من الخارج، حتى إن إحدى الدارسات، تحدثت عن مكسب تنظيم الوقت، من خلال ترك «السوشيال ميديا»، والتى كانت تُضيع كثيرًا من وقتها يوميًا، واستثماره فى الدراسة، لدرجة حصولها على 7 شهادات معتمدة دوليًا من جامعة كالفورنيا وشركة IBM، فى مجالات أخرى غير مجال التخصص، وذلك خلال أربعة أشهر فقط.
ثالثًا: كان لافتًا لى، حديث الدارسة «بسنت»، التى تركت عملها كمعيدة فى الجامعة فى مجال الحاسبات، من أجل الالتحاق بالمبادرة والاستفادة منها، وتعزيز قدراتها فى مجال الأمن السيبرانى، إلى جانب حديثها عن مكاسب تطوير الذات، ليس من باب الانضباط والالتزام، ولكن أن الأهم من الكلام هو الأفعال، والأهم من الاثنين هو الاستمرارية، إلى جانب التدريب الذى توفره المبادرة على الإدارة وعلى العمل تحت ضغط.
رابعًا: تحدث الدارسون، عن البيئة التعليمية التى توفرها المبادرة، والتى تجمع بين القيم الوطنية، وتطوير الذات والقدرات الشخصية، إلى جانب التأهيل فى مجال التخصص العلمى، والتدريب العملى على المشكلات وحلها، مع ثقل مهارات الدارسين فى اللغات الأجنبية، وكيفية إدارة الاعمال، وتأسيس شركات خاصة.
خامسًا: ما يتعلق بالمحتوى العلمى للمبادرة، حيث أشارت المدير الأكاديمى للمبادرة، رانيا الجوهرى، إلى أن «المحتوى جرى تنفيذه على مدى أكثر من عام، مع نخبة من المختصين»، لضمان تقديم برامج تعليمية وتدريسية تناظر ما يقدم عالميًا، وبما يُساعد الخريج، على المنافسة فى فرص العمل فى الشركات العالمية.
وهنا تجدر الإشارة إلى التخصصات التكنولوجية التى تقدمها المبادرة، والتى تشمل، تطوير البرمجيات والذكاء الاصطناعى وعلوم البيانات والشبكات والبنية التحتية التكنولوجية والأمن السيبرانى والنظم المُدمجة والإلكترونيات والفنون الرقمية.
امتلاك القدرة التكنولوجية
ما شاهدته فى الأكاديمية العسكرية، والفترة التى عايشت فيها عن قرب الدارسين فى مبادرة «الرواد الرقميون»، واحدة من إجراءات تعزيز قوى الدولة الشاملة، بامتلاك قدراتها المتكاملة، سواء قوى صلبة (عسكرية واقتصادية)، أو قوى ناعمة، ومن بينها امتلاك القدرة والقوة التكنولوجية والمعلوماتية.
وجزء من مساعى الدولة المصرية، لتعزيز قدرات قواها الشاملة، الاستثمار فى أجيال جديدة من الكوادر المؤهلة والمُدربة فى مختلف القطاعات، وتلك الفلسفة التى تتصدر أولويات أجندة القيادة السياسية، وتحدث عنها الرئيس عبدالفتاح السيسى، فى مناسبات عديدة فى الفترة الأخيرة، بهدف بناء إنسان مصرى، واعِ ووطنى وقادر على مواجهة أى تحدِ ويقود مسار التحديث والتطوير فى قطاعات الدولة، وربما هذا ما يُفسر البرامج التعليمية والتأهيلية التى تستضيفها الأكاديمية العسكرية لقطاعات مدنية عديدة، كالتعليم والأوقاف والإعلام والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.

نقطة التوقف الأخرى، التى تفرض حتمية وأهمية، مسار مبادرة «الرواد الرقميون»، الحراك العالمى وما تشهده الساحة الدولية من تحولات متسارعة فى قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وزيادة الاعتماد عليه باعتباره قوامًا رئيسيًا لجميع المشروعات التنموية ومختلف مناحى الحياة، فلا يمكن الحديث عن تطوير فى قطاعات الصناعة والزراعة والتعليم والصحة والموارد المائية وغيرها، دون الاعتماد على تكنولوجيا المعلومات.
وبالتالى ينعكس بالضرورة هذا الحراك، على الطلب العالمى على الكوادر البشرية المؤهلة فى مجالات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، فى مصر والعالم، وحتى فى أوروبا التى تواجه انحسارًا فى كوادرها البشرية الشابة، وتلك جوانب تُبيّن أهمية التحرك الرئاسى، للاستثمار فى العنصر البشرى المصرى فى هذا المجال.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



