فى طريقى إلى موعد استثنائى مع فضيلة الإمام الأكبر، الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، ذهبتُ محملاً بعديد من الأفكار عن مسيرته ومواقفه وتجربته الدينية والفكرية والإنسانية، غير أن ما كان يشغل تفكيرى، ذلك الوصف الذى صاغه الإمام كثيراً عن حياته، بأنها "كانت لطفاً من االله".
ونقطة التوقف هنا، كيف ينظر فضيلته بهذا اليقين، لتحولات ومحطات رحلة ثمانين عاماً بداية من نجاته من حادث في طفولته بعد حصوله على شهادة الابتدائية، وصولاً إلى قيادة أعرق مؤسسة دينية إسلامية في لحظة تاريخية حرجة؟
كانت مناسبة اللقاء الذى خصّنا به الإمام الأكبر، تكريمًا وتقديرًا مستحقًا من «روزاليوسف» لفضيلته، بمنحه درع المؤسسة ونسخة من "وسام الإحترام"، الذى نُشر في عدد المجلة الأسبوع الماضي، عرفاناً بسيرة دينية وفكرية وإنسانية لشيخ الأزهر في عيد ميلاده الثمانين، والواقع أن الأثر الذي يقدمه الإمام لا يمكن حسابه بعدد السنوات، وإنما ببصمته وإسهامه الفكرى والدينى والإنسانى الشامل.

شيخ عمره ألف عام
ذهبتُ إلى موعد الإمام الأكبر، فى مقر مشيخة الأزهر، بمشاعر يسيطر عليها الشغف، ليس فقط للحديث والاستماع إلى الإمام وآرائه ومواقفه، وإنما للاقتراب أكثر من شخص الدكتور أحمد الطيب، الذى طالما استمعتُ إليه فى مناسبات عدة، وعاصرت أحاديثه وشاهدت مواقفه الراسخة الصلبة التى لا تنسى، ولا سيما انحيازه للإرادة الشعبية فى ثورة 30 يونيو، ومشاركته مع القوى الوطنية والمجتمعية فى بيان 3 يوليو 2013، دفاعًا عن الوطن والهوية، فى فترة صعبة وعصيبة على الدولة المصرية.
واقع الأمر أننى وجدتُ نفسى جالسًا فى حضرة عالم هو عنوان للأزهر بمواقفه وتاريخه العتيق، استمعتُ إلى «إمام»، قلبه مليء بالتواضع واليقين برسالة العلم والتعلم، ورغم بساطته التى لا تفارقه، لا يمكن أن تتجاهل جسارته ورساخة مواقفه المدافعة عن الإنسانية والأخوة، وفوق كل ذلك «طيّب» الكلام.
باختصار وجدتُ نفسى أمام شيخ، عمره ألف عام، من عمر تاريخ الأزهر الذى يمتد إلى ألف و85 عامًا، لقد لمستُ تواضع العالم، تواضع لا يعنى ضعفًا، وإنما يقين بالغ بقيمة الرسالة، ورساخة مواقفه لا تعنى جمودًا فى الفكر أو تصلبًا، وإنما هو إيمان عميق بضرورة الدفاع عن الحق، ولا سيما حقوق الضعفاء.
خطفنى شيخ الأزهر، بحضوره الفريد، يترك أثره الهادئ فى النفوس، ليس كونه عالمًا وقامة دينية، بل ببساطته، التى تنبع من صدق ويقين لا مجال فيه لتكلف، هكذا حتى يتحدث عن نفسه، فيقول إنه «رجل بسيط جدًا»، هو زاهد فى الحياة، عازف عن الماديات أو المظاهر، لا يعبأ بصخب المناصب وبريقها، فهو يرى أن رسالته الأساسية «أمانة العلم»، والتكليف بحمل هذه الرسالة هو خير تشريف وتقدير.
هكذا لمستُ فى لقاء الإمام الأكبر، تقديره لرسالته، فى حمل مشاعل العلم والتعلم، فقد تحدث عن اهتمامه السابق بقراءة الصحف، ومنها مجلة روزاليوسف، ثم بعد ذلك، ترك الصحف واتجه للكتاب، فى إشارة للعلم والتعلم، حتى إن مسيرته فى حصول العلم، لم تتقيد بحدود الأزهر وجامعته، وإنما واصل هذه الرحلة، فى استكمال دراساته العليا من جامعة السوربون الفرنسية، ما عزز انفتاحه على الثقافة الأوروبية والغربية الحديثة، وهذه محطات لا يمكن فصلها عن التكوين الفكرى للإمام الأكبر.
قارئ روزاليوسف
نقطة التوقف الأخرى، تتعلق بما جرى فى لقاء الإمام الأكبر الودود مع وفد مؤسسة روزاليوسف، الأسبوع الماضي، فقد فاجأنا الدكتور أحمد الطيب، بمتابعته القديمة لمجلة روزاليوسف، حينما تحدث عن متابعته لرواد كتاب المجلة وصحفييها، رغم أنها كانت ناقدة، لكن حديثه أظهر قبوله للاختلاف، خصوصًا وأنه أشار إلى أنه «كان يلتمس الأعذار مع ما كان يكتب على صفحات المجلة، باعتباره لم يكن ضد الأزهر، ولكن ضد الحداثة فى الدين بشكل عام».
ولعل الرسالة التى تستحق التوقف فى هذا الأمر، ما تحدث عنه الإمام الطيب، أنه «كان يعجب من الهجوم على مؤسسة عمرها ألف عام (يقصد الأزهر)، ولو أنها موجودة فى بلد آخر، لتم استثمارها خير استثمار فى السلام والتنمية»، والشاهد هنا، إذا كانت هناك رؤى تتعلق بالحداثة، فلا يجب أن تطال الكيان نفسه، وهى مؤسسة الأزهر الشريف.
استوقفنى تفاعل شيخ الأزهر الشريف، بالتقدير الممنوح له من روزاليوسف، حتى إنه أشار إلى أن «مسألة حصوله على تكريم منها، فهذا يحمل دلالة كبيرة جدًا لديه»، وتوجيه بإيداع «وسام الاحترام» الممنوح له من المجلة، فى متحف الأزهر الشريف، الذى سيتم افتتاحه قريبًا، فى حين كان لافتًا تعليقه على حديث بعض الزملاء فى المجلة، باعتبارهم من خريجى جامعة الأزهر، حينما قال «هل هى شراسة الأزهر أم سماحة روزاليوسف».
مسئولية الأزهر
لم تمنع صيغة اللقاء «الودية» مع الإمام الأكبر، من التطرق لبعض القضايا والمواقف المشهودة له،خصوصًا قيادته لمشيخة الأزهر فى فترة عصيبة على الدولة المصرية ومؤسساتها، بعد أحداث يناير 2011، وحتى ما بعد ثورة 30 يونيو، وكيف انحاز الدكتور الطيب، بمواقفه إلى الاصطفاف الوطني، وفى نفس الوقت سعيه لتجنيب الأزهر، تجاذبات ومحاولات تيارات الإسلام السياسى المتشددة لاستغلاله.
وكان تفاعل الإمام الطيب واضحًا فى هذا الأمر، حينما أشار إلى أن «الأزهر شعر بمسئولية» فى هذه الفترة، دعمًا للدولة الوطنية.
والواقع أن السياق الزمانى الذى تولى فيه الإمام الطيب، مشيخة الأزهر، فى مارس 2010، كانت فترة تاريخية تتجاذب فيها تيارات التطرف والعنف باسم الدين، محاولات للسطو على مرجعية الأزهر الوسطية، وهنا اختار الدكتور الطيب، أن يكون الأزهر حاضرًا كمرجعية علمية أساسية، وصاغ دوره وفقًا لمرجعياته، كمؤسسة علمية إسلامية سنية، وليست مؤسسة سياسية تخلط الدين بالسياسة، ومن هذه المحددات جاءت مواقف الإمام الواضحة، لتعزيز دور الأزهر ككيان تعليمى وذاكرة معرفية وضميرًا للمواقف الإنسانية، وكان الحفاظ على هذه المرجعية والمحددات هو الهدف الأساسى أمام الإمام الطيب.
على مدار نحو 16عامًا من قيادة مشيخة الأزهر، نستطيع أن ننظر إلى فلسفة الإمام الطيب، التى جمعت ما بين عدة محددات أساسية، بداية من الحفاظ على المؤسسة بعدّها مرجعية علمية، وإلى جانب مواقفها الوطنية الصلبة، ومنها الدفاع عن القضية الفلسطينية، مع المسار الإنسانى الذى يتبناه لتعزيز الأخوة الإنسانية، بغض النظر عن العقائد والأديان.
أما القضية التى أفرد لها الإمام الأكبر، حديثًا ليس بقليل فكانت، حقوق المرأة، وضرورة أن تأخذ دورها، وكان تشخيص الدكتور الطيب لهذه المسألة يستحق التوقف، ذلك أنه أشار إلى أن «المعركة بين عادات وتقاليد موروثة، وبين نصوص شرعية صريحة داعمة للمرأة وتحريرها»، والحل فى هذه القضية، بيد المرأة نفسها، وبالعودة إلى النصوص الشرعية التى تحمى حقوقها.
بلا شك، تتجاوز المعانى والرسائل، الخاصة بلقاء الإمام الأكبر، حدود الزمان والمكان، ولكن يكفى فى حضرته، أن نستكشف المعانى الحقيقية للقيادة الأخلاقية، والصدق فى القول والممارسة، والتواضع حينما يجتمع مع قمة العلم، والبساطة فى الحديث والنصح، وفوق كل ذلك، سمة التواضع التى لا تفارقه، لا سيما مع حرصه على مرافقة وفد «روزاليوسف» بعد نهاية اللقاء، حتى خارج مكتبه، فى موقف لا يمكن أن يُنسى، خصوصًا أنه موقف من قامة دينية بحجم شيخ الأزهر الشريف.
هذه مناسبة، أسجل فيها امتنانى، بذلك اللقاء الودود مع فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب،ولعل من المصادفة،أنه جاء متزامناً مع لقاء مشابه مع البابا تواضروس الثانى، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، في لحظة مليئة بكل معانى الامتنان للمناسبة التى أتاحت لى فرصة وشرف الجلوس فى حضرة القامتين الدينيتين فى مصر.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



