rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

حسناً فعل وزير الثقافة المصري أ. د. أحمد فؤاد هنو عندما أطلق العام 2024 يوم الثقافة المصرية، الذي أصبح اسمه هذا العام عيد الثقافة المصرية.

 

وقد تألق هذا الحفل الكبير وبرعاية السيد عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية في دار الأوبرا المصرية ليكشف عن ثراء واضح في القمم الإبداعية المصرية وأصحاب المشاريع الثقافية الواضحة والناشئة في الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية.

 

وإذ تم تكريم الحاصلين على جوائز الدولة هذا العام وسط القامات الكبرى فهو تكريم يحتفي بقيمة الإنجاز.

 

وإذ أشكر هذا اليوم العيد الذي نتمناه منتظماً أتذكر بكل اهتمام تلك المطالب المتكررة طوال السنوات القريبة الماضية بشأن استعادة عيد الفن الذي أطلقه الرئيس الراحل أنور السادات عام 1976 في الثامن من أكتوبر، وهو اختيار ليوم يحمل دلالات شهر أكتوبر ونصره المجيد.

ولعل عيد الثقافة المصرية يقترب من تلك الاستعادة التي طالبنا بها لعيد الفن مع التفكير في الجمع بين الفن والأدب والعلوم الاجتماعية.

 

وقد دفعني هذا الحدث أن أفكر في إبداء الرأي بشأن أفق مفتوح أثاره هذا التكريم، كي أرى ضرورة فتح مسارات نحو الاستفادة الواقعية منه، إذ يبدو هذا الحشد الملهم والكبير مثيراً للاهتمام ودالاً على حيوية الثقافة المصرية.

 

ولذلك تحضرني بعض من الأفكار التي ربما تكون بمثابة اقتراحات عملية بشأن المكرمين، وهي ممكنة التحقيق مثل الاستعانة بالرموز للمشاركة في تدريس عدد من المواد الإبداعية في أكاديمية الفنون لنقل تجربتهم الإبداعية في السينما والمسرح والموسيقى والغناء والفنون الشعبية.

 

كما يمكن لي أن ألاحظ غياب رموز الرقص الشعبي المصري عن التكريم، وذلك ينبهنا إلى ضرورة الاهتمام بهذا النوع من الفنون التعبيرية المصرية، إذ يجب النظر نحو غياب الرموز الكبرى مثل محمود رضا وكمال نعيم وغيرهما، كجرس إنذار يشير لمشكلة واضحة في هذا النوع الإبداعي، مما يرتب ضرورة استعادة هذا الاهتمام من جديد على صعيد اختلاف النظر إنتاجياً وإبداعياً لهذا النوع الفني الإبداعي والذي كان علامة على نهضة مصر الستينية في فرقة رضا والفرقة القومية وفرقة باليه القاهرة، إذ يمكن للمقتربين من الإنتاج الفني في مصر ملاحظة هذا التهديد بالنقص والبقاء في التكرار وتراجع هذا النوع الفني بوضوح، مما تجلى في الغياب الملحوظ لصناعه عن التكريمات والجوائز لسنوات مضت في مصر، كما يمكن ملاحظة ظاهرة هجرة المتميزين في هذا النوع إلى العالم الغربي.

 

كما يفتح عيد الثقافة المصرية الأفق لعدد من الملاحظات مثل ضرورة أن تشهد أكاديمية الفنون الرموز المصرية الإبداعية كخبراء كبار فيها، مثل الحضور البهي الذي كان ليوسف شاهين في المعهد العالي للسينما.

 

أما المقترح الثاني فهو الذهاب بهؤلاء الرموز في فعاليات الثقافة العامة بالهيئة العامة لقصور الثقافة كي يتم التواصل مع جميع أطراف مصر المتعددة وأقاليمها الثرية وتوثيق وبث تلك اللقاءات.

 

كما يمكن التوصية للمجلس الأعلى للإعلام وللهيئات ذات الصلة بضرورة عودة صفحات الفن والثقافة بمشروعها المعرفي عميق المحتوى، في المواقع الإلكترونية والبوابات المتعددة، وكذلك تخصيص برنامج محدد للحاصلين على جوائز الدولة ربما يحمل عنوان الجائزة، لعرض إبداعهم وأفكارهم وإنجازهم على الجمهور العام، وإعادة إطلاقه على مواقع التواصل الاجتماعي المتعددة.

كما يمكن للمجلس الأعلى للجامعات النظر في إطلاق لقاءات منتظمة داخل الجامعات المصرية مع هؤلاء المكرمين كي يديروا حواراً مجتمعياً مع جيل جديد يبحث عن نماذج للنجاح والقدوة والاحتذاء، بعيداً عن فراغ جاذب هو ثقب أسود كبير ظهر متكرراً في نماذج غرائبة مدعومة بأموال كبرى على تطبيقات الشبكة الدولية للمعلومات.

ولعل مقترحات أخرى ممكنة في هذا الشأن، مع ضرورة استعادة إشارة السيد رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي بالاهتمام بالرعاية الصحية والدعم الكريم لكبار السن من الكتاب والفنانين الذين أفنوا أعمارهم في مصر.

 

كما يمكن النظر للمشروعات الإبداعية نظرة تتوافق مع القرن الحادي والعشرين، وفتح مسارات متابعة للجدد القادمين، وتمهيد الطرق أمام الخبرات القادرة على العطاء وذلك بتمكينهم من الفعل الثقافي وضمان مردوده المادي المنطقي كي يستطيع هؤلاء الاستمرار في الإنتاج.

 

كما يمكن النظر في طريقة الضرائب الحالية في المكافآت البسيطة والأجور التي لا تتجاوز المئة ألف جنيه في الأعمال الإبداعية الشاقة والجادة في قطاع الإنتاج الثقافي على سبيل المثال، والنظر في بسط حق الإعفاء الضريبي النسبي المتاح لنقابة التشكيليين للصفوف العديدة من الفنانين الذين ليسوا في قائمة الأجور الكبيرة، ورفع حد الإعفاء السنوي الضريبي على أصحاب المشروعات الثقافية غير الهادفة للربح، وإعادة النظر في ضريبة الملاهي الحالية في السينما والمسرح والحفلات الموسيقية، وذلك بالتنسيق مع النقابات المهنية.

 

وميزات أخرى في الحصول على مساكن في قدرات شباب المبدعين وأصحاب المشروعات الثقافية والإبداعية، على أن يحمل هذا الاهتمام طابعاً مؤسسياً منتظماً يمتد مع كل عيد جديد قادم للثقافة المصرية.

 

ولعل ذلك العيد يحمل أياماً قادمة تلبي مطلباً متكرراً عن لقاء وزير الثقافة بالجماعة الثقافية على أنواعها المتعددة وبحضور رموزها، وليس بالضرورة في الحضور الإعلامي، كي تكون لقاءات المكاشفة والوضوح وتحديد التحديات وتقييم الأداء والاعتراف بضرورة الحضور الواضح للثقافة المصرية التي تنتجها الدولة في الموازنة العامة، ذلك أن البشر المبدع في مصر ثروة كبرى لا يمكن رعايتها حقاً إلا بالحضور الإنتاجي القوي للمؤسسات الثقافية الرسمية المصرية، وذلك بعد تأمل كبير لقدرات واهتمامات المجمع المدني في الإنتاج الثقافي والتي لا تستطيع حقاً بمفردها الحفاظ على الصورة الذهنية والمسارات رفيعة المستوى في الإبداع، وإن حاول المجتمع المدني في هذا الأمر الكثير والكثير.

 

مع الوضع في الاعتبار أن هناك مقولات مغلوطة وغير متناسبة مع الظروف الموضوعية العامة في مصر، عن رأس المال والاستثمار الثقافي، وبالنظر في كبريات الدول التي تعمل وفقاً للاقتصاد الحر، تظهر الدولة بمسميات مختلفة، وإن لم تحمل طابع الوزارة، ويمكن تأمل الصندوق الحكومي في بريطانيا المسؤول عن الإنتاج الثقافي والإبداعي هناك وحضوره الإنتاجي الواضح، كمثال حي على حضور الدولة في الثقافة في القلب من نموذج العمل الرأسمالي العام.

 

وإذ يأتي عيد الثقافة المصرية دالاً على اهتمام الدولة الكبير بالثقافة المصرية، ففي هذا نتمنى حضوراً واضحاً ليدها التدخلية القوية المحفزة على الإبداع الحافظة والحاضنة لمسارات الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية المعبرة عن الهوية المصرية، وصورة مصر الرمزية والتي تأتي الثقافة المصرية في موقع القلب منها قادرة على حفظ الماضي والحاضر والمستقبل.

تم نسخ الرابط