تحديات كثيرة ومتنوعة تواجهها مدارسنا خلال كل عام دراسي، ويحاول القائمون على العملية التعليمية التصدي لها، وذلك من خلال وضع حلول عملية وجذرية، برغم كل هذا وذاك فإن هناك بعض التحديات التي أصبحت بقدرة قادر مرضا مزمنا ينهش ويخترق جسد المنظومة التربوية، وعلى رأس هذه التحديات مشكلة كثرة الغياب بين طلاب المراحل التعليمية الثلاث "الابتدائية، الإعدادية، الثانوية".
ورغم المحاولات المستميتة لوضع حل جذري لمواجهة هذه المشكلة، سواء عبر الترهيب بالعقاب الإداري وتنفيذه وتطبيقه على من تخطى عدد أيام الغياب المسموح بها سواء بفرض الغرامات المالية أو بخصم درجات من أعمال السنة، فإن هذه المشكلة كانت تتفاقم بشكل فج، لدرجة أن طلاب الشهادة الإعدادية والثانوية انقطعوا عن الحضور إلى المدارس طوال العام الدراسي، الأمر الذي جعل وزارة التربية والتعليم تتفنن في وضع حلول وسبل حديثة لمواجهة هذه المشكلة التي أصبحت تتوغل وتتفاقم في أغلب المدارس وخاصة الحكومية.
منذ أن تولى محمد عبد اللطيف منصب وزير التربية والتعليم، الحقيبة الوزارية في يوليو ٢٠٢٤، اعتمد نظاماً تعليمياً جديداً وحديثاً يعتمد بشكل أساسي على "أعمال السنة"، من خلال إجراء التقييمات المستمرة التي تنفذ في نهاية كل أسبوع، كخطوة أولى لإعادة هيكلة العملية التعليمية من خلال خطة متعددة الأهداف لكي تعالج مشكلات تراكمت عبر السنوات الماضية، على رأسها عودة الانضباط وعلاج ضعف نسبة الحضور داخل المدارس، بالإضافة إلى توفير تقييمات متنوعة ومختلفة للطلاب، لضمان تخريج أجيال مؤهلة ومواكبة لأحدث التطورات، مع التركيز على أهمية التخطيط الاستراتيجي والمتابعة المستمرة لمواكبة الأنظمة العالمية، فضلاً عن تطوير المناهج كي تتواكب مع سوق العمل.
منذ الشروع في تطبيق نظام التقييمات الدراسية الأسبوعية لكل المراحل التعليمية بالمدارس، أثيرت حالة من الجدل بالشارع المصري، حيث انقسمت الآراء بين مؤيد يرى فيها وسيلة حديثة تستهدف الانضباط، ومعارض يراها عبئاً إضافياً، وآخرون لديهم بعض التحفظات، حيث نجد أن وزارة التربية والتعليم ترى أن تطبيق هذه المنظومة لها أهداف استراتيجية منها: "محاولة إعادة الطلاب للمدارس وحثهم على التواجد بالفصول، وربط درجات أعمال السنة بالحضور والتقييمات الأسبوعية، بالإضافة إلى الحد أو القضاء على ظاهرة الدروس الخصوصية، وقياس درجة تحصيل الطالب وفهمه للمنهج أولاً بأول، فضلاً عن أنها تساعد في تحديد نقاط الضعف لدى الطالب والفجوات المعرفية المختلفة، مما يسهل على المعلم تدارك هذه المشاكل قبل فوات الأوان".
في حين أن هناك آراء معارضة بشأن تطبيق تلك التقييمات المشار إليها سابقاً، فهناك من اتهم هذا النظام بأنه قضى على إبداع الطالب، وهناك من رأى أن كثافة عدد الطلاب بالفصول سيقف حائلاً أمام الوصول إلى نتيجة عادلة خاصة أنه سيستهلك وقت الحصص، بالإضافة إلى أن تطبيق التقييمات الأسبوعية يشكل إرهاقا كبيرا على المعلم وعبئاً ثقيلا، فعلى المعلم كل أسبوع القيام بإجراء التقييم والشرح والتصحيح وأخذ الغياب ورصد الدرجات، فضلاً عن الضغط النفسي على الطلاب وأولياء الأمور.
الحكاية لا تقتصر على التقييمات فقط بل كان أيضا للأنشطة نصيب من هذا الجدال، حيث وصف البعض تلك الأنشطة بأنها في أغلب الأوقات تتحول إلى تقييم لـ"جيب الأب" أو "مهارة الأم"، خاصة عندما يطلب من الطالب بالمرحلة الابتدائية عمل مجسم معقد أو لوحة إبداعية ودقيقة لا يقدر على تنفيذها سوى طالب من كوكب القمر، ولا يستطيع أحد من صغارنا إنجازها إلا بمساعدة مالية وتنفيذية من ولي الأمر، هنا وبدون قصد يساهم أولياء الأمور في اغتيال مهارة التفكير والإبداع لدى أولادهم، بعد أن تحولوا من مشجعين إلى منفذين للنشاط.
ختاماً.. بعد استعراض الآراء المختلفة حول تطبيق نظام التقييمات الأسبوعية والأنشطة المدرسية في المدارس، ومع اقتراب الانتهاء من النصف الأول من العام الدراسي، أسئلة واستفسارات كثيرة يرددها أولياء الأمور منتظرين إجابة واضحة تثلج صدورهم وتطمئنهم ومنها:
هل من الممكن تطبيق نظام التقييمات الدراسية بالشكل الذي لا يتعارض مع إتاحة الفرصة لعملية المهارة والابتكار للطالب؟
هل يمكن ألا يستقطع زمن إجراء التقييم من نصيب الوقت الزمني المخصص لعملية الشرح والتفاعل مع الطلاب؟
هل سيتغير نظام التقييمات من التحريرية إلى الشفوية لتخفيف العبء عن المعلمين والطلاب؟
أخيراً.. هل أصبحت التقييمات المدرسية الأداة الوحيدة لعودة الانضباط، أم هي افتكاسة وإرهاق بيروقراطي؟.



