rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

فى عالمنا الآن، لم تعد الأزمات السياسية أحداثاً استثنائية، بل حالة مستمرة ودائمة. وبات من الصعوبة الفصل بين الخطاب الاقتصادى والخطاب السياسى.


لم تعد البيانات الدبلوماسية.. تعامل كوثائق بروتوكولية بمعزل عن سياق صدورها، كما لم تعد المنصات الاقتصادية العالمية، وعلى رأسها منتدى دافوس، قادرة على التمسك بالحياد.


فى هذا الإطار المركب والمتقاطع، يكتسب خطاب الرئيس عبدالفتاح السيسى فى جلسة الحوار الخاصة بدافوس، بالتوازى مع البيان المصرى المرحب بالدعوة للانضمام إلى مجلس السلام، دلالة تتجاوز اللحظة.. ليعكسا معاً رؤية مصرية متكاملة لمعنى الاستقرار فى النظام الدولى الذى يعانى من تصدعات عميقة.

 

وهم عزلة الاقتصاد والسياسة..


منذ تأسيسه، يحاول منتدى دافوس أن يقدم الاقتصاد بوصفه مساحة مشتركة محايدة، ولكن السنوات الأخيرة أثبتت هشاشة هذا الادعاء. الحروب والعقوبات وانهيار الثقة بين القوى الكبرى.. أعادت السياسة إلى قلب السوق الاقتصادية العالمية. فى هذا السياق، جاء خطاب الرئيس عبدالفتاح السيسى ليقر ما تجنبه الكثيرون من حقيقة أن الاقتصاد العالمى لا يعانى من نقص التمويل أو التكنولوجيا، بل من غياب الاستقرار المرتكز على قواعد عادلة.


لم يتحدث السيسى عن المخاطر الجيوسياسية كعوامل طارئة أو استثنائية، بل كنتيجة مباشرة لتجاوز قواعد الشرعية الدولية، هذا الطرح، فى اعتقادى، يمثل لحظة مواجهة هادئة مع النخب الاقتصادية التى اعتادت التعامل مع الصراعات باعتبارها تكلفة هامشية وجانبية.. يمكن احتواؤها، بينما هى فى الواقع تهدد بنية النظام الاقتصادى فى أساسه.


قابل للإصلاح..


الدعوة المصرية للتمسك بأسس النظام الدولى الذى تشكل تدريجياً بعد الحرب العالمية الثانية لا ينطلق من مجرد حنين تاريخى، بل من إدراك عملى لطبيعة البدائل. البيان المصرى الصادر فى 21 يناير2026 تحت عنوان «مصر ترحب بالدعوة للانضمام لمجلس السلام».. شدد على الالتزام بقرارات الأمم المتحدة باعتبارها مرجعية لا غنى عنها لأى تسوية مستدامة، وهو ما ينسجم مع خطاب السيسى فى دافوس الداعى إلى احترام القانون الدولى وميثاق الأمم المتحدة.


ومع ملاحظة أن مصر هنا تتعامل مع النظام الدولى باعتباره إطاراً وظيفياً، وليس نموذجاً مثالياً.. لأن العالم الذى يتخلى عن هذا الإطار لا يتجه نحو عدالة إنسانية، بل نحو الفوضى الخلاقة التى تدار بمنطق الصفقات المؤقتة وموازين القوة العارية. وهو ما يعنى، إن الدفاع عن هذا النظام هو دفاع عن الحد الأدنى من القابلية لاستشراف ما سيحدث، وهى قيمة أساسية لأى اقتصاد عالمى.


الأزمة الصامتة وازدواجية المعايير..


من بين الرسائل غير المعلنة فى خطاب السيسى والبيان المصرى معاً، تبرز إشارة واضحة جداً إلى أزمة ازدواجية المعايير فى النظام الدولى. وأن الدعوة إلى السلام والاستثمار.. تصطدم بواقع تطبق فيه القواعد بشكل انتقائى. هذا التناقض لا يخلق فقط أزمات سياسية، بل يزعزع ثقة الأسواق نفسها.


من وجهة نظرى، يمثل هذا البعد جوهر النقد المصرى غير المباشر.. فلا يمكن للاقتصاد العالمى أن يطالب بالاستقرار بينما يتسامح مع انتهاك القانون الدولى فى قضايا مركزية. الثقة.. هى العمود الفقرى للأسواق، والتى لا يمكن أن تزدهر فى مناخ.. تتجاوز فيه القواعد والمبادئ.


 مركز المعادلة..


يحسب للخطاب المصرى فى دافوس.. أنه أعاد مركزية القضية الفلسطينية فى قلب النقاش الدولى، ليس بوصفها مأساة إنسانية فقط، بل كعنصر حاسم فى معادلة الاستقرار. البيان المصرى شدد على أن تثبيت وقف إطلاق النار، وتدفق المساعدات، وإعادة الإعمار، لا يمكن فصلها عن مسار سياسى.. ينتهى بتمكين الشعب الفلسطينى من حقوقه المشروعة.


فى دافوس، جاء هذا الطرح فى سياق اقتصادى عالمى، ليحمل دلالة أعمق.. استمرار تجاهل جوهر الصراع التاريخى الفلسطينى – الإسرائيلى.. يعنى استمرار تصاعد حالة عدم الاستقرار، مهما تعددت المبادرات الاقتصادية، وهو ربط يكشف فشل مقاربة «إدارة الصراع» التى سادت لعقود طويلة.. دون أن تنتج سلاماً حقيقياً.


مشاركة مشروطة وليست رمزية..


الترحيب المصرى بالدعوة للانضمام إلى مجلس السلام لا يمكن فصله عن مضمون البيان ذاته الصادر من وزارة الخارجية، والذى ربط هذه المشاركة.. بدعم مرحلة متقدمة من خطة شاملة لإنهاء الحرب فى غزة، وفق مرجعيات دولية واضحة. وهذا يعنى أن الدولة المصرية لا تبحث عن مقاعد رمزية فى الأطر الدولية، بل عن أدوات فعلية للتأثير.


هنا تتجلى استراتيجية مصرية قائمة على تحويل المشاركة الدولية إلى منصة لإعادة توجيه النقاش، بدل الاكتفاء بردود الأفعال. وهو ما يتسق وينسجم مع خطاب السيسى فى دافوس، الذى لم يكتف بعرض فرص الاستثمار، بل حاول إعادة تعريف مرجعيته السياسية وشروطه.


 الهدنة مدخل..


فى خطاب السيسى فى دافوس وبيان وزارة الخارجية المصرية، تظهر معادلة السياسة الخارجية المصرية بشكل مباشر وواضح.. بأن الإشادة بالجهود الدولية لوقف الحرب لا تعنى الاكتفاء بها. مصر تتعامل مع وقف إطلاق النار كمرحلة انتقالية، وليس كمحطة وصول. ومن هنا جاء التأكيد على التعافى المبكر، وإعادة الإعمار، وتمكين الهياكل الفلسطينية من إدارة شئونها. هذا النهج يتجاوز الخطاب السياسى التقليدى، لأنه يعترف بتعقيد الواقع دون التخلى عن الهدف النهائى.. سلام عادل ودائم، وليس هدنة قابلة للانهيار والانفجار.


 الصمود والحكمة..


عرض السيسى خلال كلمات خطابه فى دافوس لمسار الإصلاح الاقتصادى.. ليس من مدخل استعراض ما تم من إنجازات فى البنية اللوجستية واصلاحات جوهرية، بل كرسالة سياسية مفادها أن الدولة المصرية.. القادرة اقتصادياً هى الأكثر قدرة على لعب دور إقليمى مسئول. الاقتصاد من منطلق هذه الرؤية يشكل قاعدة الصلابة التى تسمح للدولة بالتحرك الحقيقى نحو المستقبل دون مغامرات غير محسوبة.


يتقاطع هذا الطرح مع البيان المصرى الذى ربط إعادة إعمار غزة باستقرار أوسع.. مما يعكس ملامح الرؤية المرتكزة على أن التنمية لا تصدر من فراغ، بل تحتاج إلى دول مستقرة وقادرة على الالتزام طويل الأمد بتعهداتها والتزاماتها.


شراكة تتجاوز الربح..


ربط خطاب السيسى بين تمكين القطاع الخاص والاستقرار الإقليمى يحمل أبعاداً جديدة. رأس المال لا يزدهر فى مناطق النزاع المفتوح. وبناء عليه، فإن إنهاء الصراعات يصبح مصلحة مشتركة.. وليست مطلباً سياسياً فقط.


هذا الطرح.. فيما أعتقد، يحاول إشراك الفاعلين الاقتصاديين العالميين فى مسئولية السلام، بدل تركها حكراً على الحكومات، وهو تحول رئيسى فى خطاب دافوس نفسه.. لكونه يبشر بنهاية نظام عالمى قديم، وملامح تبلور نظام عالمى جديد تماماً.


زمن ما بعد الجغرافيا..


تأكيد السيسى فى كلماته على التحول الرقمى والذكاء الاصطناعى فى هذا السياق.. يعكس إدراكاً بأن النظام الدولى القادم لن يعاد تشكيله فقط عبر التسويات السياسية التقليدية، بل عبر امتلاك أدوات التأثير التكنولوجى. والدولة التى لا تستثمر فى المعرفة.. تفقد قدرتها على حماية مصالحها، مهما امتلكت من شرعية.


 نقطة ومن أول السطر..


يمكن استشراف مسار سياسى جديد.. تتجه فيه مصر إلى ترسيخ دورها كحلقة وصل بين الاقتصاد والسلام. الجمع بين خطاب دافوس والبيان الرسمى حول مجلس السلام.. ليس التطابق الفكرى والنصى فحسب، بل وحدة الرؤية بأن السلام لم يعد قيمة أخلاقية مجردة، بل شرطاً جوهرياً لبقاء الاقتصاد العالمى نفسه، وأن القضية الفلسطينية ليست ملفاً إقليمياً منفصلاً، بل اختباراً لمصداقية النظام الدولى وقدرته على الاستمرار والبقاء.


ومن المرجح أن تواصل مصر الدفع نحو ربط أى مسار اقتصادى عالمى بتسويات سياسية عادلة وشاملة، وفى مقدمتها القضية الفلسطينية. مصر فى هذا السياق.. لن تكون مجرد دولة تتكيف مع نظام دولى مأزوم، بل فاعلاً.. يسهم فى إعادة تعريف قواعده فى لحظة تاريخية.. أصبح فيها السلام نفسه قاعدة استراتيجية نادرة.

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط