rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

 كيف قدّم السيسي «كفاءات» مصرية أشاد بها العالم؟


هذه مناسبة تستدعى التوقف مع الإشادات الدولية التى تحظى بها كفاءات مصرية فى مجالات عدة، بَعد أن حظيت بثقة واختيار القيادة السياسية فى مناصب حكومية وتنفيذية خلال السنوات الأخيرة، واستطاعت أن تحقق أثرًا ملموسًا داخليًا وخارجيًا، كما تابعنا أخيرًا، التفاعل مع قدرات الفريق المصرى المفاوض لوقف الحرب فى قطاع غزة، وقبلها الخبرات المصرية، التى تقلدت مناصب فى مؤسّسات دولية رفيعة.

 


والواقع أنّ؛ هذه ليست المرّة الأولى التى تقدم فيها الدولة المصرية كفاءات وخبرات مصرية إلى محافل دولية، غير أن ما يستدعى التوقف هنا، مجموعة من النماذج الذين استعانت بهم الدولة المصرية فى مناصب حكومية وتنفيذية خلال السنوات الأخيرة، وكانت نافذة لهم نحو العالمية، فضلاً عن الإشادة بكفاءاتهم وقدراتهم فى مجال تخصُّصهم.


والمعنى هنا؛ أنّ الفلسفة التى يستند إليها الرئيس عبدالفتاح السيسي، فى اختيار المسئولين فى الحكومة، أو فريقه فى مواقع السُّلطة التنفيذية وحتى مستشارية؛ إنما تخضع لجملة من المعايير الواضحة، القائمة على الكفاءة والمهنية وامتلاك الخبرة والقدرة على تحقيق أثر إيجابى فى موقعه، بما فى ذلك مهارات إضافية غير الخبرة فى مجال التخصُّص.


فإذا كنا نتحدّث عن القيادة وامتلاكها القدرة على اتخاذ القرار الوطنى الصحيح وفى توقيته؛ فإنّ جزءًا من امتلاك القدرة؛ هو اختيار الكفاءات والكوادر التى تنفذ وتساعد القيادة فى الاضطلاع بمهامه.


ففى فترات وعهود سابقة، كثيرًا ما تداولت بعضُ النُخَب، أحاديث تتعلق بضرورة التفحص فى اختيارات الرئيس لبطانته، بما يعنى اختيار فريق العمل والمستشارين، من الكفاءات القادرة على تقديم المشورة الرشيدة والموضوعية، والواقع الذى نستطيع أن نحكم عليه على مدار أكثر من عقد؛ أنّ اختيارات الرئيس لفريقه، قائمة على التجرد التام بعيدًا عن أى حسابات، ولا تستند سوى للكفاءة وامتلاك القدرة على تحقيق الأثر الإيجابى.


ولا نريد هنا المقارنة بما كان يحدث فى عهود سابقة، ما بين اختيارات كانت تستند إلى الحزبية، أى من الحزب الذى ينتمى إليه الرئيس، أو اختيارات أيديولوجية، بما يعنى الاختيار وفقًا للتوجه والفكر السياسى الذى يتبنّاه الرئيس، أو وفقًا للموالاة والمَصالح الشخصية، وهذه أبعاد ليست قائمة حاليًا، فلا حسابات واضحة فى اختيارات المسئولين أو مَن يتولى مَواقع تنفيذية، أو بمعنى أوضح لا توجد فواتير لدى القيادة السياسية لدى تيار أو حزب أو فصيل معيّن لتسديدها، فالمصلحة الوطنية هى الحاكمة فى الاختيار.

 

 

قواعد دستورية


وفى الفترة المعاصرة، وتحديدًا، قبل الفعل الثورى فى يناير 2011، كانت هناك كثير من الرؤى التى تطرحها النُّخَب، بخصوص الفريق المعاون للرئيس، وتعدّدت وتناقضت الأفكار والمساهمات، إلى أن جاء دستور 2014، الذى أقَرَّ نظامًا سياسيًا، «شبه رئاسى» يجمع بين الجمهورية الرئاسية والبرلمانية، وصاغ بوضوح سُلطات ومهام الرئيس، باعتباره رئيس السُّلطة التنفيذية، ويشترك مع مجلس الوزراء فى وضع السياسة العامة للدولة، ويشرفان على تنفيذها.


من هذا المنطلق الدستورى، لم يَعد رئيس الجمهورية فى حاجة إلى هيئات استشارية، وفق ما كانت تتداوله النُّخَب السياسية، على غرار نماذج مستنسخة من الغرب، ذلك أن أداته الأولى فى ممارسة سُلطاته، هى مجلس الوزراء بما يضم من وزراء كلٌ فى مجاله، والمسئولين فى باقى الهيئات والجهات الحكومية والمَواقع التنفيذية، إلى جانب المكاتب الفنية والاستشارية التابعة لمؤسّسة الرئاسة، التى تتولى دراسة كل ما يُعرَض على الرئيس، حتى تُتخَذ القرارات، وفق أسُس علمية وبمنظور موضوعى شامل.


والشواهد على تلك الفلسفة عديدة، فكثيرًا ما تحدّث الرئيس عن أنه لا يوجد قرار يتم اتخاذه إلاّ وتتم دراسته بشكل علمى ومهنى، ومناقشة مختلف أبعاده، وخصّ بالذكر هذا الحديث، عند الحديث عن قرار الإصلاح الاقتصادى، ودراسة جوانبه المختلفة، وأبعاده الاجتماعية، وآثاره قبل تنفيذه.


الواقع الذى نتحدث عنه، هو أننا أمام نموذج للعمل المؤسّسى الشامل، فى اختيار الكوادر وفى الإدارة، يشمل مكاتب وهيئات تتولى إداراتها كفاءات وطنية وفنية، فى كل مجالات العمل الوطنى، وتشمل كل ما يتعلق بسُلطات واختصاصات الرئيس، والغاية منها الدراسة الموضوعية والرشيدة، وامتلاك القدرة على صناعة القرار؛ بكوادر وكفاءات تمتلك مهارات عديدة إلى جانب الأبعاد المهنية والخبرات التخصُّصية.


وهذا التنظيم المنضبط، وعملية الحَوكمة فى الإدارة، ليس لها أن تؤتى ثمارها إلاّ بالآليات والمعايير التى يحتكم إليها الرئيس، وأهمها معايير اختيار الكوادر والخبرات والكفاءات التى يعوّل عليها فى دراسة كل الأمور التى تُحال إليه، سواء ما يتعلق بالمواطن وشواغله، أو التى تتعلق بالقضايا السياسية، والجوانب الاقتصادية، وتقديرات المواقف الاستراتيجية والمتعلقة بالتطورات الإقليمية والخارجية.

 


مكاسب الإدارة والاختيار

لا نتحدّث هنا، عن أمنيات نظرية، ولكن نرصد واقعًا حقق مكاسب فعلية، فى تحقيق الأثر الإيجابى فى ملفات عديدة، وتغيُّر مشهود فى مختلف القطاعات.. فهكذا جاءت ثمار تلك الإدارة فيما تشهده مختلف قطاعات الدولة من تحسن وتغيُّر، رغم التحديات والتراكمات التى تمتد جذورها لعقود، وأصبحنا نتحدث عن طفرة فى مجالات تنموية وخدمية واقتصادية ولوجستية.. فلا يمكن فصل الحديث عن معدل الإنجاز عن السواعد والكوادر التى تنفذ وتعمل وسط التحدى.


وإلى جانب الأثر الإيجابى فى الإنجاز، هناك أثر آخر متعلق بالكوادر والكفاءات التى حظيت بثقة الاختيار من القيادة السياسية؛ لتولى مناصب تنفيذية وجهات حكومية، واستطاعت أن تحقق بصمة مشهودة داخليًا وخارجيًا.. وهنا نتوقف مع بعض النماذج فى بعض الملفات، وبداية الاستشهاد هنا، بالتقدير الأمريكى الذى حظى به الفريق المصرى فى إدارة ملف مفاوضات وقف إطلاق النار فى قطاع غزة، التى استضافتها مدينة شرم الشيخ، مع وفدىّ حركة حماس وحكومة الاحتلال الإسرائيلى، بمشاركة الوسطاء الدوليين.


أذكر فى هذا الصّدد، كلمات مبعوث الرئيس الأمريكى للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، عند لقائه الرئيس السيسي، بَعد نجاح المفاوضات، وقبل انعقاد قمة شرم الشيخ للسلام، حينما أشار إلى أنه «من دون جهود الرئيس السيسي، ما كان للوسطاء أن ينجزوا اتفاق شرم الشيخ»، وتحدّث فى نفس الوقت، عن «احترافية الفريق المصرى، حينما قال «من دونكم لم نكن لننتهى من ذلك».


ونقطة التوقف هنا، تتعلق بمهارة وكفاءة المفاوض المصرى فى هذا الملف، الذى قاد حراك المشاورات فى شرم الشيخ، بَعد عامين من الحرب؛ استنادًا إلى خبرات سابقة اكتسبها من نتائج الوساطة فى جولات الصراع السابقة فى غزة، والتى كان فيها محور الحل السياسى، إلى جانب ما يمتلكه من معرفة وأدوات للتأثير، لذلك كانت «مهارة الفريق المصرى» المحرك الأساسى للمُفاوَضات وإنجاز اتفاق وقف إطلاق النار؛ ومن هنا جاءت شهادات ويتكوف التى قال فيها إن «التاريخ سيسجل أنه لم نكن لننجز الاتفاق إلاّ بالفريق المصرى».


من هذا المنطلق، لم يكن مفاجئًا وجود تمثيل مصرى، ضِمْنَ أعضاء المجلس التنفيذى لغزة؛ للإشراف على تنفيذ خطته الشاملة لإنهاء الحرب فى القطاع وإعادة الإعمار، وذلك ضِمْن شخصيات دولية أخرى.. والمعنى هنا الذى نريد أن نسجله، هو انحياز الرئيس للكفاءة والمهنية فى اختيار فريقه؛ كان له الأثر الإيجابى الملموس فى واحد من أعقد ملفات الصراع المسلح فى المنطقة، التى عجزت معه كل التدخلات الدولية والأممية على مدار عامين.


الكفاءة الأمنية

الأمر لا يختلف كثيرًا مع نموذج آخر، مرتبط بالجهود الأمنية الداخلية، واستقرار الأمن الداخلى، بالصورة التى دفعت الرئيس الأمريكى؛ للإشادة بانخفاض معدل الجريمة فى مصر، خلال مشاركته فى قمة السلام بشرم الشيخ، أكتوبر 2025؛ حيث أثنَى ترامب وقتها على ما أسماه «العمل الرائع» الذى تقوم به مصر فى مكافحة الجريمة، وأشار إلى أنهم يتعاملون مع الأمور بجدية أكبر من الولايات المتحدة.


والمعانى من تلك الإشادة عديدة، كونها رسالة إيجابية عن الوضع الأمنى فى مصر، رغم المحيط الإقليمى المضطرب، وتشير أيضًا إلى التطور فى قدرات الجهاز الأمنى الداخلى؛ بإشراف وزارة الداخلية خلال الفترة الأخيرة، وهذا واقع نستطيع الحكم عليه بمقارنات ليست بعيدة، عن الواقع الأمنى الصعب، بَعد الفعل الثورى فى 2011، وفى فترة الإخوان، ثم التطور فى ضبط الأمن داخليًا، خلال السنوات الأخيرة، فى عهد الرئيس السيسي.


وإذا كنا نتحدث عن كفاءة الجهاز الأمنى، فلا يمكن فصل ذلك، عن كفاءة إدارة هذا الجهاز، بقيادة السيد اللواء محمود توفيق، وزير الداخلية، الذى يتولى حقيبة الوزارة منذ شهر يونيو 2018، وعلى مدار أكثر من ثمانية أعوام، كانت السمة الأساسية العمل فى صمت، والنتيجة مسموعة ومَرئية، فى تطور منظومة الجهاز الأمنى، من حيث امتلاك القدرة والكفاءة فى مكافحة الجريمة؛ خصوصًا الجريمة السياسية المتعلقة بالإرهاب وعناصر التنظيم الإخوانى الإرهابى، وأيضًا على مستوى الخدمة، من حيث المَيكنة والحَوكمة فى توفيرها للمواطنين، وصولاً بالتطور فى مراكز الإصلاح والتأهيل، والتغيير الشامل فيها الذى لاقى إشادات حقوقية داخلية ودولية.


كفاءات فى محافل دولية


ويمتد الاستشهاد بالكفاءات التى حظيت بثقة القيادة السياسية فى مواقع حكومية وتنفيذية، إلى نماذج فى مجالات الاقتصاد والثقافة والتراث والبيئة والتنمية المجتمعية، نجحت فى تولى مناصب دولية، وهنا نتوقف أولاً، مع الدكتور محمد معيط، الذى يتولى حاليًا، المدير التنفيذى الممثل عن مصر والمجموعة العربية بصندوق النقد الدولى، وهو كان وزيرًا للمالية لفترة نحو ست سنوات، امتدت من يونيو 2018 حتى يوليو 2024.


أيضًا، نجد أنفسنا، أمام نموذج الدكتور خالد العنانى، مدير عام منظمة اليونسكو، وهو من الكفاءات التى قدّمتها القيادة السياسية، حينما جرى اختياره وزيرًا للآثار والسياحة، من مارس 2016 حتى أغسطس 2022، وشهدت فترته إنجازات كبرَى مثل افتتاح المتحف القومى للحضارة المصرية وموكب المومياوات المَلكية، وافتتاح طريق الكباش بالأقصر.


وجاء اختيار الرئيس له؛ ليكون مرشح مصر لمنصب مدير منظمة اليونسكو، وبَعد حملة ترويج امتدت لنحو 30 شهرًا، جرى اختياره فى شهر أكتوبر الماضى؛ ليكون أول مصرى وعربى يتولى هذا المنصب الأممى، مع الوضع فى الاعتبار، أن مصر سبق أن قامت بثلاث محاولات سابقة بالمنافسة على منصب مدير عام منظمة اليونسكو، بترشيح الدكتور إسماعيل سراج الدين، والوزير فاروق حسنى، والسفيرة مشيرة خطاب، ولم يحالفهم النجاح.


الأمر نفسه لا يختلف مع الدكتورة ياسمين فؤاد، الأمين التنفيذى لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر؛ حيث تولت هذا المنصب الأممى الرفيع، بعد أن كانت وزيرة للبيئة فى الفترة من يونيو 2018 حتى يوليو 2025، وخلال هذه الفترة كان لها إسهامها فى مجال البيئة، ودورها فى استضافة مصر لمؤتمر الأمم المتحدة للمناخ COP27، فى شرم الشيخ عام 2022.


ونستطيع التوقف أيضًا، مع الدكتورة غادة والى، المديرة التنفيذية لمكتب الأمم المتحدة المعنىّ بالمخدرات والجريمة والمديرة العامة لمكتب الأمم المتحدة فى فيينا؛ حيث تولت هذا المنصب الأممى الرفيع فى عام 2020، بَعد رحلة فى العمل الحكومى، كوزيرة للتضامن الاجتماعى لمدة ست سنوات، بداية من عام 2014.

 


توطين الخبرة


ونقطة التوقف من استعراض نماذج لكفاءات وخبرات مصرية حققت بصمات وأثرًا مشهودًا له دوليًا، أنه لا يمكن فصلها عن السياق الأشمل المتعلق باستراتيجية الدولة الهادفة لتقديم أفضل بناء للشخصية المصرية، وخطة تقديم كوادر مؤهلة، فى مختلف القطاعات، ضِمْن استراتيجية شاملة لبناء الإنسان.


ورسالة هذه الاستراتيجية، أن بناء الأوطان لا يتحقق إلاّ ببناء الإنسان، لذلك؛ تأتى من أولويات الرئيس السيسي، مسألة الاستثمار فى الإنسان؛ لإعداد جيل واعٍ وقادر على مواجهة تحديات العصر، ومؤهّل للمساهمة فى مَسيرة البناء والتنمية.


والمعنى هنا، يتجاوز حدود برامج التعليم والتأهيل، وإنما فى الواقع أراه خير «استثمار» فى تعليم الشباب والأجيال الجديدة، ولتوطين الخبرات المصرية فى مختلف المجالات، ولعل هذا ما يفسر حرص الرئيس على تدشين الأكاديمية الوطنية للتدريب والتأهيل، فى 2016، بغاية أساسية تستهدف تأهيل الكوادر الشابة فى مختلف القطاعات.

 


هذا بالإضافة إلى مساهمات الأكاديمية العسكرية، فى تعزيز قدرات القوى الشاملة للدولة، من خلال استضافتها لبرامج تعليمية وتأهيلية، لقطاعات مدنية عديدة، كالتعليم والأوقاف والإعلام والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.

 


والخلاصة؛ إذا كنّا نتحدّث عن كفاءات مصرية تحقق أثرًا إيجابيًا ملموسًا خارجيًا، فهذا لا يمكن فصله عن فلسفة الإدارة التى يحتكم إليها الرئيس السيسي، والقائمة على التجرد فى الاختيار، والانحياز إلى الكفاءة والمهنية فى اختيار المسئولين بالمَواقع الحكومية، وهى فلسفة تستدعى الاستمرار فى إعداد أجيال جديدة من الكوادر المؤهلة والمدرَّبة، فى مختلف القطاعات، وهى واحدة من أولويات عمل القيادة السياسية هذه الفترة.

تم نسخ الرابط