ملتقى السيرة النبوية بالجامع الأزهر
عبدالرحمن بن عوف نموذج فريد يجمع بين الغنى والشكر والزهد
عقد الجامع الأزهر، مساء اليوم الأربعاء، عقب صلاة المغرب، ملتقى السيرة النبوية في حلقته السادسة والأربعين، لمناقشة موضوع: «من سير الصحابة: عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه.. دروس وعبر»، وذلك بمشاركة الدكتور صلاح عاشور، أستاذ التاريخ وعميد كلية اللغة العربية السابق بجامعة الأزهر، والدكتور حسن القصبي، أستاذ الحديث وعلومه بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بالقاهرة، وأدار اللقاء الإعلامي عمرو شهاب، بالتلفزيون المصري.
قال الدكتور صلاح عاشور، إن سيرة الصحابي الجليل عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه تُعد من أبرز النماذج الإنسانية التي جمعت بين صفات متعددة قلّ أن تجتمع في رجل واحد؛ فقد كان تاجرًا ناجحًا، ومسلمًا صادقًا، وزاهدًا في قلبه رغم سعة ماله.
وأوضح فضيلته أن عبد الرحمن بن عوف ينتمي إلى بني زهرة، أخوال النبي ﷺ، وهي قبيلة عُرفت بالتجارة قبل الإسلام، فشبّ رضي الله عنه على مهارة اقتصادية فطرية، ثم سخّرها بعد إسلامه في خدمة الدعوة والحق.
وأضاف أن عبدالرحمن بن عوف أسلم مبكرًا على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فكان من السابقين الأولين، ولم يتردد لحظة رغم مكانته التجارية واتساع تجارته بين الشام واليمن، مؤثرًا دعوة الإسلام على مصالح الدنيا. وأشار إلى أنه كان ثامن من دخلوا الإسلام، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وهو ما يعكس مكانته الرفيعة عند رسول الله ﷺ، ومكانه المتقدم في بناء المجتمع الإسلامي الأول.
وأوضح أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه تولّى أدوارًا كبرى في تاريخ الأمة، وكان من الستة الذين جعلهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه أهلًا للشورى واختيار الخليفة من بعده، لافتًا إلى أن توليه تلك المسؤوليات يعكس ثقة الصحابة في حكمته وتجربته واتزانه، مؤكدًا أن قراءة سيرته تكشف عن توازن نادر بين الإيمان والعمل، وبين الغنى وتحمل الأمانة.
وقال الدكتور حسن القصبي، إن الحديث عن الصحابة هو في جوهره حديث عن مدرسة النبي ﷺ في التربية؛ لأن الصحابي هو ثمرة المنهج النبوي، وإذا كان عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قد بلغ هذه المنزلة، فإن ذلك يعكس عظمة التربية المحمدية التي صنعت رجالًا جمعوا بين الدنيا والآخرة. وأشار فضيلته إلى أن من أعظم دلائل مكانته أن النبي ﷺ صلى خلفه ركعتين في صلاة الصبح، وهو موقف بالغ الدلالة على التزكية والثقة.
وأضاف أن سيرة عبد الرحمن بن عوف تطرح سؤالًا مهمًّا: هل يتعارض الغنى مع الإيمان؟ مؤكدًا أن هذا الصحابي قدَّم الإجابة العملية الواضحة؛ إذ كان «الغني الشاكر»، مبينًا أن المال في الإسلام نعمة وابتلاء، وأن الشكر الحقيقي لا يكون بالكلام وحده، وإنما بحسن توظيف النعمة فيما يرضي الله، وهو ما جسّده عبد الرحمن بن عوف في حياته كلها.
وأوضح أن البركة التي ظهرت في مال عبد الرحمن بن عوف لم تكن وليدة الصدفة، وإنما ثمرة صدق القرب من الله، وحسن التوكل عليه، حتى صارت قوافله مضرب المثل في السعة، ثم لا تلبث أن تتحول إلى إنفاق وبذل في سبيل الله. وأكد أن استحضار هذه السيرة اليوم ضرورة تربوية، لتعليم الناس كيف يحولون النعمة إلى وسيلة بناء لا أداة فتنة.
وفي ختام الملتقى، أكد الإعلامي عمرو شهاب، مدير اللقاء، أن سيرة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه تمثل نموذجًا متكاملًا للصحابي الذي جمع بين الإيمان العميق والعمل الجاد والنجاح الدنيوي، دون أن يشغله ذلك عن الآخرة. وأوضح أن هذا النموذج يقدم رسالة واضحة مفادها أن الإسلام لا يعادي العمل ولا المال، بل يهذبهما ويضبطهما بالقيم، داعيًا إلى قراءة سِيَر الصحابة قراءة واعية تستلهم المعاني لا تكتفي بالأحداث.
ويأتي هذا الملتقى برعاية كريمة من فضيلة الإمام الأكبر الدكتورأحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، وبتوجيهات الدكتورمحمد الضويني، وكيل الأزهر الشريف، وفي إطار إشراف ومتابعة الدكتورعبد المنعم فؤاد، المشرف العام على الأروقة الأزهرية، والدكتور هاني عودة، مديرعام الجامع الأزهر، تأكيدًا لحرص الأزهر الشريف على إحياء سِيَر الصحابة الكرام بوصفها رافدًا أصيلًا لبناء الوعي الديني، وترسيخ القيم الإسلامية الأصيلة في نفوس المجتمع.







