يبقى المسرح هو عمق التاريخ الإنساني، ويظل تاريخ الدراما يحمل تفسيراً للحياة وسلوك البشر.
وقد تلقيت الأخبار المنهمرة عن وثائق وملفات جيفري إبستين المسربة الأخيرة فبراير الجاري 2026 بشكل درامي، وأحالتني المفارقة إلى مسرحية "بلوتوس" للكاتب المسرحي الملهاوي الأكثر شهرة وتجدداً الإغريقي الفذ "أرستوفان".
وفيها يرصد حالة واقعية في المجتمع اليوناني القديم، الذي هو أصل العقل الأوروبي الأساس المشترك للعقل الغربي الحديث والمعاصر.
فأرستوفان يتهكم ساخراً على هؤلاء الصبية الذين يتم استخدامهم مقابل أجر في الأعمال الجنسية، وفي ذلك تم التعارف على تلك الممارسة بتعبير لا يزال متداولاً حتى الآن "بورنو" وهي كلمة تعود للأصل اليوناني pornai في إشارة للممارسة العامة للجنس مقابل المال، وفي إشارة إغريقية حقيقية لهؤلاء الصبية الأبرياء في هذا العالم المتوحش، حيث يتم استخدام الضحايا مقابل الهدايا أو المال، وهو استخدام قهري رغم أنه يبدو طوعياً لغياب الإرادة المستقلة لهؤلاء الصبية.
وقد تطور هذا الاصطلاح ليدل على تجارة الجنس بكل أنواعه وهو الجنس الذي يرفضه المجتمع، ويعبر عن إفراط غير إنساني خارج منطقة العلاقات الإنسانية الاختيارية التي تقوم على الإشهار والرضا والقبول والتكافؤ والتمييز الحر الاختياري.
وقد كانت تلك الممارسات الغرائبية عبر التاريخ الإنساني مرتبطة بالتأكيد بالمال والثروة، إذ يبقى المال والجنس ثنائيا تاريخيا للنفوذ يفقد البشر طاقتهم الإنسانية ويستعبدهم في حدود ضيقة الأفق تسحق تميزهم الإنساني، وحيويتهم الإنسانية في علاقتهم بالأرض والسماء.
ومع الزلزال الفضائحي العابر للقارات متجسداً في إلقاء الضوء على فساد شبكات القوة والسيطرة من وراء الستار، في ظاهرة يختص بها النصف الثاني من القرن الحادي والعشرين وهي ظاهرة الفساد متعدد الجنسيات.
ولتصبح جزيرة إبستين الخاصة سانت جيمس في جزر العذراء هي بؤرة مدهشة خارج العالم المعاصر تستعيد عبودية الجسد الإنساني من العالم القديم لعالم معاصر يؤكد دوماً صحة التفسير الفلسفي والسياسي للجنس كما رصده وعرفه سيجمونت فرويد.
إذ يبقى "الليبدو"، وهو الاصطلاح الأدق على الرغبة الجنسية هو القمة الأعلى التي يسعى إليها هؤلاء الذين حصدوا النفوذ والثروة والنجاح، وبنظرة للأسماء التي ترد في الملفات، يمكن رصد النخب السياسية والعلمية والمالية والتكنولوجية والإعلامية والأكاديمية كدليل على استمرار ظاهرة حضور النخب في هذا العالم الذي يريد الإفراط في الجنس ويعتبر الصبية والفتيات انتصاراً إضافياً يحقق المتعة والتميز، بعد أن حصد هؤلاء كل أسباب المتعة التي يمكن للبشر أن يحصل عليها.
ولهذا وبعيداً عن القراءة السياسية للفضيحة المدوية، وبعيداً عن عالم الجاسوسية والسيطرة والمعلومات يمكننا حقاً أن نرى هذا الضعف الإنساني عندما لا يملك الإنسان أن يشبع ولا يملك أن يرى نور الله في طاقته الإنسانية.
ولذلك فحقاً يبقى أمر جزيرة القديس جيمس مثيراً للضحك والسخرية على عالم معاصر مكبل برغبات صغيرة في المال والجنس، رغم كل ما حققته العلوم والفنون والفلسفة والقوانين وقدرة الإنسان في السيطرة على الأرض.
ربما يبقى ملف فضائح إبستين يحمل طابع الكاريكاتير الدرامي دالاً على المفارقات الإنسانية أما ما يبقى فيه من جدية فهي تلك الإشارة بالعطف والشفقة على المحرومين حول العالم من فرص الحياة الأساسية في الطعام والشراب والحب، والذين يقعون تحت طائلة القانون عندما يختلسون بعضاً من احتياجاتهم الأساسية تحت ضغط الحاجة الغريزية الإنسانية.
وبالتأكيد يثير الأمر خوفاً كبيراً على الروح الإنساني إذا سيطرت على المال والثروة والنفوذ والمكانة الاجتماعية ثم بحثت عن مزيد من المتعة والتفرد في طريق الهوس بالمال والجنس، وهو طريق ذهب بهم بكل ما تم حصده إلى حالة من الذل وانعدام التقدير والخروج من الجدارة الإنسانية.
إنها حقاً ملهاة سوداء تفتح إلهاماً إبداعياً ومعرفياً ضرورياً لإعادة فهم وقراءة الإنسان المعاصر، وإعادة تعيين نقاط التميز والقوة وإعادة تعريف التميز والنجاح وفقاً لمفاهيم تتسق مع ضرورة استعادة إنسانية الإنسان وترتيب سلم رغبات البشر في عالم معاصر هو قرية صغيرة حقاً، تبقى الفضائح فيها مثار اهتمام الجميع، مثل تلك القرى الصغيرة المغلقة التي تقتات على النميمة والتلصص وإذلال البشر بحكايات الإهانة الجنسية والانشغال الدائم بما يملك أثرياء القرى من نفوذ ومتع يراها المحرومون تميزاً وقدرة بينما حقاً هي انهيار وانكسار وضياع للطاقة الإنسانية.
ولا أجد أوضح من السخرية والضحك المر، كمقترب أساسي لفهم كل تلك التفاهة واللامعنى ممزوجة بمراكز القوة والثروة والنفوذ.



