أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال الشهر الجاري أكثر من مرة أنه "يدير فنزويلا"، وأن بلاده "ستتسلم ما بين 30 و50 مليون برميل نفط" من الأخيرة، وأن العائدات ستُحفظ تحت "إدارته الشخصية" في حسابات مصرفية خاضعة للسيطرة الأمريكية لفترة "غير محددة" بعد إجراء رفع "انتقائي" للعقوبات، على أن تمر العائدات عبر "قنوات شرعية ومرخصة" ليجري توظيفها في النهاية "لصالح الشعب الفنزويلي والولايات المتحدة".
وجاء ردّ الحكومة الفنزويلية بإجراء "تعديل جزئي" على قانون المحروقات، حيث جرى إدماج النماذج الاقتصادية لقانون "مكافحة الحصار" لعام 2020 داخل قانون المحروقات نفسه مع توجيه الاستثمارات إلى مناطق "لا استثمار سابق فيها أو بلا بنية تحتية".
وهذا يعني أن كاراكاس تسعى إلى تحويل أدوات الالتفاف على العقوبات من إطار استثنائي إلى قاعدة قانونية مستقرة ضمن السياسة النفطية بهدف جذب استثمارات إلى قطاع النفط في بيئة غير مستقرة ومُعاقبة، إلى جانب فتح مساحات جديدة أمام رؤوس الأموال بتطوير حقول جديدة بدلاً من مجرد تحسين شروط الاستثمار القائم.
وقد تداولت وسائل الإعلام خلال الأسابيع الأخيرة رواية تفيد بحدوث عملية بيع لنفط فنزويلي تحت إدارة أمريكية أعقبت أحداث الثالث من يناير، جرى بموجبها إيداع عائدات قُدّرت بنحو 500 مليون دولار في حساب تابع للبنك المركزي الفنزويلي لدى بنك قطر الوطني.
وبحسب هذه الرواية، مُنحت خمسة مصارف فنزويلية خاصة تراخيص لتوفير ما يقارب 330 مليون دولار عبر آليات صرف بالعملة الأجنبية، مع إعطاء أولوية لواردات الصحة والبنية التحتية، شريطة أن تكون من شركات أمريكية. وبالمقابل، أكدت الحكومة الفنزويلية دخول 300 مليون دولار من هذه العائدات إلى الخزانة العامة لدعم القدرة الشرائية للعمال، وسط مطالب صينية بضمانات ديونها لدى فنزويلا وردود أمريكية تنفي استخدام عائدات النفط لسداد الالتزامات الخارجية؛ وهذا يوضّح أن المستهدف من التصعيد الأمريكي ليست فنزويلا وحدها، وإنما أيضاً شريكها التجاري الأكبر الذي استحوذ على ما يقارب 85% من إنتاجها النفطي خلال السنوات الماضية.
وقد عقد ترامب مؤخراً اجتماعاً مع ممثلي شركات نفطية أمريكية وغربية لبحث "فرص الاستثمار" في قطاع النفط الفنزويلي، مقترحاً أن تضخ الشركات "ما لا يقل عن 100 مليار دولار" من أموالها الخاصة لإعادة تأهيل البنية التحتية ورفع الإنتاج بهدف خفض أسعار النفط في الولايات المتحدة إلى نحو 50 دولاراً للبرميل.
وأبدت شركات مثل "شيفرون" انفتاحاً حذراً، فيما اعتبرت "إكسون موبيل" أن فنزويلا "غير قابلة للاستثمار حالياً"، ما دفع ترامب إلى التلويح باستبعادها.
وقد أظهر الاجتماع تردد الشركات الأمريكية، مقابل سعي ترامب للعب دور السمسار وتقديم أي صفقات محتملة كإنجاز داخلي يخدم المستهلك الأمريكي.
بيد أن مناورات ترامب تشير إلى مسعى يتجاوز الصفقات الظرفية ويتمثل في إعادة تموضع فنزويلا كمورّد للمواد الخام إلى الغرب، وهو خيار لم تعارضه الحكومة الفنزويلية يوماً.
فكاراكاس لم توقف تصدير النفط إلى الولايات المتحدة والشركات الغربية إلا بفعل العقوبات غير القانونية التي فرضتها واشنطن وحلفاؤها، والتي دفعتها قسراً إلى توسيع شراكاتها مع الصين وروسيا وإيران. ومع ذلك، واصلت بعض الشركات الأمريكية العمل بحصص محدودة داخل فنزويلا حتى بعد التصعيد العسكري في البحر الكاريبي والعدوان الذي أسفر عن اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته وسقوط أكثر من مئة ضحية.
وقد بات واضحاً الآن أن واشنطن تحاول العودة إلى سياق ما قبل عام 2019، أي قبل أن يفرض ترامب نفسه حصاراً كاملاً على قطاع النفط الفنزويلي، لكن هذه المرة وهو يضغط قوياً بورقة الرئيس مادورو وزوجته المخطوفين. ورغم أن مساعي ترامب للسيطرة على قطاع النفط الفنزويلي تبدو – حتى الآن – غير قابلة للتحقيق، فإنه يمكن قراءة تحركاته على أنها انتقال من منطق الحصار الصريح إلى إعادة ترتيب قنوات الاستفادة من القطاع النفطي في فنزويلا لصالح الولايات المتحدة.
إن ما نشهده حتى الآن ليس سوى إعادة تدوير للشركات التي استفادت من سياسة التراخيص في عهد جو بايدن، مع احتمال توسيع نطاق استثماراتها إلى جانب استدعاء شركات أصغر.
وبالمقابل، يمكن قراءة رد كاراكاس كعملية إعادة هندسة دقيقة للتوازن بين نموذج سيادي صارم وآخر مرن، عبر دمجهما في تشريع واحد يعترف قانونياً بأن السوق يعمل تحت حصار وعقوبات. فجوهر العقوبات والحصار لم يعد مجرد إغلاق المنافذ، وإنما فتح منفذ بيع مشروط وتحويل العائد نفسه إلى أداة ضغط، وهو ما تحاول فنزويلا تفاديه ضمن سياق سياسي ودبلوماسي معقد بعد اختطاف الرئيس.
ويكشف الموقف الأمريكي الحالي أن ما يجري مع فنزويلا الآن هو مزيج من الإكراه العسكري (الحضور العسكري في الكاريبي) والابتزاز القضائي (مادورو وزوجته) والوصاية على الموارد (الحصار البحري والقرصنة ومساعي إدارة المبيعات)، لكن على الأرض داخل البلد لم تنشأ حالة الفوضى التي تمنى الأمريكيون حدوثها بعد أحداث الثالث من يناير، وإنما حافظت مؤسسات الدولة على انضباطها واستمرت تعبئة شعبية واسعة دعمت الرئيسة بالوكالة والحكومة، مؤكدة مطالب الإفراج عن الرئيس الشرعي مادورو وزوجته وأن العدوان والأزمة هما موضوع كرامة وسيادة قبل أي شيء.
كاتب ومترجم مصري



