رغم مرور أكثر من عقد على سقوط حكم تنظيم الإخوان الإرهابي في مصر، ورغم الضربات الأمنية والقانونية التي أفقدتها القدرة على الفعل المباشر داخل الشارع، لا يزال السؤال مطروحًا..هل انتهى خطر الجماعة، أم تغيّرت أدواته فقط؟
الواقع يؤكد أن التنظيم لم يختفِ من المشهد، لكنه انتقل من مرحلة الصدام المباشر إلى مرحلة الحرب غير التقليدية، معتمد على أساليب أكثر تعقيدًا وخفاءً لمحاولة خلخلة الدولة المصرية من الداخل.
لم تعد جماعة الإخوان الإرهابية تنظيمًا هرميًا قادرًا على الحشد الجماهيري أو السيطرة الميدانية كما كان الحال قبل 2013، لكنها تحوّلت إلى شبكة ممتدة تعمل من خارج الحدود، وتستخدم أدوات إعلامية واقتصادية ونفسية، في محاولة لإعادة التأثير على الداخل المصري.
هذا التحول يجعل التهديد أقل صخبًا، لكنه أكثر خطورة على المدى الطويل، لأنه يستهدف الوعي الجمعي، والثقة في الدولة، والاستقرار المجتمعي، بدلًا من المواجهة الأمنية المباشرة.
وتُعد نشر الشائعات والأخبار المفبركة السلاح الأساسي الذي تعتمد عليه الجماعة في المرحلة الراهنة، وتستهدف هذه الشائعات عدة محاور رئيسية منها التشكيك في الأوضاع الاقتصادية وتضخيم الأزمات، وضرب الثقة في مؤسسات الدولة، خاصة الأجهزة السيادية، وتشويه المشروعات القومية عبر معلومات مضللة أو مجتزأة، وبث الإحباط واليأس، خصوصًا بين الشباب.
وتعتمد الجماعة في ذلك على لجان إلكترونية منظمة، وحسابات وهمية، ومنصات إعلامية تبث من الخارج، تعمل وفق إيقاع واحد وتوقيتات متزامنة، بما يعكس تخطيطًا ممنهجًا لا عشوائيًا.
من الأساليب المستحدثة للجماعة هي الركوب على أي أزمة، سواء كانت اقتصادية عالمية أو توترات إقليمية، ومحاولة تحميل الدولة المصرية وحدها تبعات هذه الأوضاع، في تجاهل متعمد للسياق الدولي..كما تسعى الجماعة إلى تصوير الدولة كخصم للمواطن، وليس كإطار جامع له، وهي محاولات تهدف إلى كسر العلاقة النفسية بين المواطن والدولة، وهو أحد أخطر أشكال الهدم غير المباشر.
بعد انكشاف خطابها التقليدي، لجأت الجماعة إلى تغيير اللغة دون تغيير الجوهر، فلم تعد تستخدم الشعارات الدينية الصريحة كما في السابق، بل تتحدث بلغة حقوق الإنسان أحيانًا، وتستخدم مصطلحات الحريات والديمقراطية انتقائيًا، وتعتمد على وجوه غير معروفة تنظيميًا لتسويق أفكارها.
هذا الأسلوب يستهدف خداع الرأي العام وإعادة التسلل إلى النقاش العام من بوابات جديدة، ولا يزال الدعم المالي والإعلامي الخارجي أحد أعمدة بقاء الجماعة، حيث تسعى إلى تدويل القضايا الداخلية، تشويه صورة الدولة المصرية في الخارج، وهو ما يفسر استمرار الحملات الإعلامية المعادية، رغم التراجع الكامل للجماعة على الأرض داخل مصر.
إذا يمكن التأكيد على أن الجماعة الإرهابية اليوم لا يمثلون تهديدًا بنفس الشكل القديم، لكنهم يمثلون خطرًا من نوع مختلف، خطر يقوم على استنزاف الوعي، وضرب الثقة، وبث الفوضى المعنوية، ومحاولة إضعاف الدولة من الداخل دون إطلاق رصاصة واحدة.
ومن هنا، فإن مواجهة هذا التهديد لا تكون أمنية فقط، بل إعلامية واعية، ثقافية ومعرفية وقائمة على الشفافية، وكشف الأكاذيب، وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع، فالمعركة الحقيقية الآن هي معركة وعي، والانتصار فيها لا يقل أهمية عن أي انتصار آخر.



