كفاءة الدول فى الإدارة والجدارة.
الإدارة علم وفن، بينما الجدارة مرحلة تالية تفيد القدرة على تنفيذ علم الإدارة وفنونه فى المؤسسات المختلفة.
فى كتابه «لماذا تفشل الأمم»، أشار جيمس روبنسون إلى نظريات مثبتة بالسوابق وبالتاريخ فى أن نجاح الدول، نابع من أساس قدرة مؤسساتها على الأداء الجيد، وفق أهداف معروفة، وطرق مخططة.
يرى روبنسون أن المؤسسات الشاملة فى دولة ما هى السبب الأول للازدهار، خصوصًا بعد المراحل الصعبة وبعد الانتقالات الكبرى فى المجتمعات.
-1-
فى حديثه من الأكاديمية العسكرية أكد الرئيس السيسى، أن الكفاءة والجودة هما حجر الأساس فى بناء الدولة الحديثة.
قال إن الاستثمار فى الإنسان هو المسار الأهم لضمان أمن الوطن واستقراره.
كان حديثًا رئاسيًا عن الجدارة والإدارة، عكس رؤية شاملة للدولة لإعادة ضبط عملية الإدارة بمعناها الشامل داخل حدودها، برؤى جديدة وطرق جديدة واتجاهات مستحدثة إعدادًا لكوادر واعية منضبطة قادرة على اتخاذ قرار، والعمل عليه، ومواجهة ما يستجد من تحديات.
عودة لكتاب روبنسون، الذى قصد بالانتقالات الكبرى المراحل التى تواجه فيها الدول تهديدًا وجوديًا، كالحروب، أو التحولات الاجتماعية الكبيرة، أو المحطات الفارقة فى حياه الشعوب.
الإدارة ليست فقط فى المال والأعمال ودنيا التجارة؛ لكن الإدارة عنصر أساسى فى دفع دواليب الدولة المختلفة، ووزاراتها، وهيئاتها، ومؤسساتها إلى نمط إنتاجى، قائم على فكر وأهداف استراتيجية.
إحدى نظريات الإدارة تُعرِّف «الجدارة الإدارية» بالقدرة على الخروج من مقدمات واقعية، إلى نتائج مستهدفة.
بعض رواد علوم الإدارة وصل بهم الأمر إلى أن تطرفوا فى الأفكار للحد الذى أكدوا أن الفروق بين الدول الغنية وبين الفقيرة، راجعة فى آخر الأمر إلى مدى نجاح المؤسسات فى طبيعة أدائها لأعمالها، وقالوا إن عوامل الأداء الجيد للإدارة، قد تناهض مميزات الجغرافيا، ومواريث التاريخ.
عرفت علوم الإدارة البيروقراطية الشديدة، والإمعان فى الروتين فى بدايتها.
فى أزمنة ما، كان الروتين هو النظام الأمثل لحفظ الحقوق، وتقصى الحقائق، وضمان عدم التلاعب بالمقدرات والثروات.
لما تقدمت العلوم، والأزمنة والعصور، تطورت النظريات هى الأخرى، وبات الروتين أشبه بداء، يجلب معه كثيرًا من التراخى، والتقاعس، والقعود عن العمل، إضافة إلى أمراض الرشوة والانحرافات المالية والإدارية، بمساحات متاحة للقدرة على التلاعب بالمال وبطالب الخدمة وربما بالأهداف العامة للجهاز الإدارى.
هذا ما شهدته مصر طوال مراحل طويلة ومديدة فى تاريخها.
للإنصاف.. عانت المؤسسات المصرية على تنوعها من مسارات غير ناجزة، انعكست على شخصية وسمات عضو النظام الإدارى فى كثير من المؤسسات.
فى الفترة ما بين الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضى كان كثير من المؤسسات قد تكلس واقفًا، وتيبس منتصبًا، ومع دخول الألفية الجديدة.. دخل عضو النظام الإدارى فى حالة تيبس شديدة، امتزجت بلامبالاة جمعية، وغياب التزام عام، بقدرات غائبة عن رسم السياسات، أو تحقيق أهداف.
بعد أحداث يناير 2011، سألت الأستاذ عبدالله كمال -رحمه الله- لماذا تمنى أن يصوت المصريون بـ«لا» فى أول استفتاء بعد الأحداث؟
أجاب باعتقاده أنه الحل الأمثل لبقاء الجيش المصرى فى محله فى إدارة البلاد لأطول وقت ممكن.
الجيوش الوطنية هى المؤسسة الأقدر على حفظ البلاد والعباد والتراب فى المراحل شديدة الصعوبة التى تمر بها البلاد.
وعلى أثر الرجة الشديدة بعد 2011، كان الجيش بالتزام مؤسساته وبجدارتها هو الضمان الأوحد لحفظ الميزان وحفظ الشارع وحفظ الدولة وصون أركانها من الانهيار.
للآن ما زال كثير من تداعيات هوجة يناير 2011 قائمة، نعانيها، وتعانينا.
ضمن ما انعكس من تداعيات الهوجة، كثيرٌ من ترهلات فى الإدارة وفى القدرة على تحقيق الأهداف، مع تشوه كبير فى قطاعات كبيرة لمفهوم العمل والهدف منه، وفى حتميات الإنجاز للمصلحة العامة قبل الشخصية.
بعد يناير ظهر قادة الأعمال التوافقيون، الذين اقتصرت مهماتهم على التهدئة فى مواجهة المطالب الفئوية، والامتصاص فى مواجهة حالة السيولة الشديدة التى ضربت الناس وضربت الشارع.
لا خلاف فى أن «هؤلاء التوافقيين» كانوا واحدًا من أسباب «زيادة الطين بلة»، ليس فقط لمسئوليتهم عن إدخال عناصر غير جيدة وغير جاهزة وغير كفؤ لدواليب العمل فى المؤسسات المختلفة، إنما لأن هؤلاء التوافقيين رسخوا مزيدًا من مفاهيم اللامبالاة ومزيدًا من مشاعر الاستحقاق المبالغ فيها أحيانا، وغير المتطابقة مع الإمكانيات والخبرات والمؤهلات أحيانا أخرى، فوصموا مراكز القيادة فى كثير من كيانات دولة كانت تعانى بالفعل على الأرض فى الواقع.
كانت ضربة أخرى، لمفهوم الإدارة، وبالتالى مفهوم الفرد العامل، وفى النهاية كانت ضربة شديدة إضافية لعملية صناعة القرار فى المستويات الدنيا فى كثير من مؤسسات وهيئات الدولة.
-2-
فى الدول القوية، مؤسسات فعالة، ومؤسسات فاعلة.
ممكن توصيف الجهاز الإدارى فى مصر، والوزارات غير السيادية، والهيئات المختلفة المتعددة المهام والأنشطة بالمؤسسات الفاعلة.
فى الجانب الآخر، فإن المؤسسات الوطنية السيادية على رأسها القوات المسلحة وهو مؤسسات فعالة، بخصائص وميزات وقدرات، جعلت منها ضبطًا وحيدًا فى الملمات، بقدرة فريدة على إنجاز الأداء وتنفيذ التكليفات الوطنية.
فى هوجة يناير 2011 أطلق البعض على المؤسسات الفعالة المصرية «الدولة العميقة»، وهو وصف لم يخلُ من أغراض، ربما أولها محاولة الدفع بالشارع للدخول فى مواجهة المؤسسات الوحيدة القادرة على العمل فى المشهد العام فى مصر وقتها.
كان سقوط المؤسسات الفعالة.. مرادفًا لسقوط الدولة وطريقًا إليه.
فغير قدراتها ووطنيتها، فإن تلك المؤسسات تعمل وفق نظم شديدة الالتزام، بعناصر شديدة التنظيم، قادرة على أداء المهام بفاعلية، ورسم الخطط وتنفيذها وفق ضوابط شديدة الإحكام.
فى 2013 دخلت الدولة معركتها الضروس مع إخوان الإرهاب.
وبعدها، كان أمام الدولة، بمؤسساتها الفعالة، المعركة الأكثر ضراوة مع إرهاب، استهدف ليس فقط الأطراف الحدودية فى الشرق والغرب والجنوب، إنما استهدف فى الوقت نفسه النفاذ إلى أروقة المؤسسات الفاعلة فى الدولة، ووزاراتها، وهيئاتها، وفى معركة لم تشهد لها مصر مثيلا من قبل.
-3-
اجتازت الدولة كل المراحل الخطرة بامتياز.
دحرت الإرهاب ودحرت الإخوان، بالتوازى مع حركة تنمية كاملة شاملة، فى استراتيجية الحجر والبشر.
آن الأوان لإكمال رحلة بناء الإنسان المصرى، بتأسيس منهجى علمى لكادر وطنى، بمعناه الشامل، وبمفهومه الجامع.
من الأكاديمية العسكرية، أعاد الرئيس السيسى تأكيد الدولة المصرية على استراتيجية بناء كادر وطنى، وفق رؤية شاملة، تتجاوز حدود التدريب العسكرى التقليدى، تستهدف بالأساس أعضاء الدولاب بالمؤسسات التى تمثل خط الدفاع الأول عن الوطن واستقراره.
كلام الرئيس عن المعايير الدقيقة للانتقاء داخل الأكاديمية العسكرية هو مزيد من دعم مبدأ الكفاءة والجدارة بعيدًا عن أى اعتبارات أخرى.
الجدارة فى الإدارة، تبدأ من الاختيار، ثم التأهيل، ثم إتاحة الأدوات والوسائل تحقيقا للأهداف والمهام.
للإنصاف.. مرة أخرى، فإن الشخصية المصرية، بعد مراحل من الانقلابات الاجتماعية وتداعيات ما بعد يناير 2011، بالذات باتت فى حاجة لتطوير متكامل، بانضباط والتزام وفق منظومة هى الأخرى محكمة الإعداد والتطبيق.
لاحظ أن التعليم شىء.. وإعداد وتأهيل الشخصية شيء آخر.
الأولى منظومة، والثانية علوم ومهارات.
الآن هو أوان دخول الدولة بثقلها فى المسافة الفاصلة بين المنظومة وبين المهارة بعوائد وطنية.. بامتياز.
نقلًا عن مجلة صباح الخير



