هل التكنولوجيا نقمة أم نعمة؟! سؤال يبحث عن إجابة منذ ظهور التقنيات التكنولوجية الحديثة، برغم أن السؤال طرح كثيراً خلال السنوات الماضية وكانت دائما الإجابة المتكررة له هي "على حسب الاستخدام"، فهناك من يستخدم التكنولوجيا الحديثة في الأمور الحياتية والمجتمعية والعملية بشكل منضبط ومفيد، وهناك من يستغلها في أمور ضارة وغير نافعة، بل وصل الأمر إلى تسخيرها في أمور قد تشكل تهديد للحريات والأرواح، برغم أن للتكنولوجيا مظاهر واستخدمات عديدة ومنها: الهاتف المحمول "الموبايل"، الإنترنت بما يتضمنه من مواقع التواصل الاجتماعي، الألعاب الإلكترونية، المنصات الرقمية وغيرها من أدوات تكنولوجية مختلفة الاستخدامات، إلا أن هناك شخصيات وأنماطا من البشر يصرون على انتهاك القيمة العلمية للتكنولوجيا، وتوجيهها نحو أفعال مرفوضة اجتماعياً وممنوعة قانونياً.
باتت ظاهرة صناعة المحتوى الرقمي تؤرق المجتمع بعد أن أصبح أغلب مستخدميه يتجهون بمحتوياتهم إلى التأثير على وجدان وعقول الأجيال، من خلال محتوى سطحي "هابط"، يصعدون من خلاله نحو عرش الشهرة "التريند"، بعد أن عاشوا وتوغلوا في قاع العشوائية الرقمية، مستغلين خوارزميات المنصات الرقمية مثل TikTok ،YouTube Reels بهدف الوصول إلى ملايين المراهقين والشباب والتأثير عليهم من خلال ما يقدمونه من محتوى فارغ للمحتوى، ومن الشخصيات التي ذاع صيتها فى الأيام الأخيرة على سبيل المثال لا الحصر: كروان مشاكل، عبد الحليم الأبيض، أولاد وأحفاد شعبان عبد الرحيم، إنجي حمادة، وغيرهم من هذه النوعية العجيبة ممن يستخدمون لغة هابطة وتصرفات غير متزنة أسهمت في انتشار الفوضى البصرية والسمعية، مما أسفر عن تدني مستوى الذوق العام.
هؤلاء من يهدمون المحتوى الرقمي فهم يلجأون إلى تقديم محتوى استفزازي يفتقر لأي قيمة إبداعية أو ثقافية، هؤلاء لم يفسدوا العقول بالمعلومات الخاطئة فحسب، بل تفننوا في إفساد منظومة القيم الإنسانية والأخلاقية، بسلوكيات مبتذلة يراها البعض أعمال مألوفة، ولكن للأسف يختفي خلف هذا البريق الزائف تدنٕ شديد وانحدار للأخلاق والقيم، فتحولت التفاهة إلى متعة.
عند الغوص في أعماق عالم صناع المحتوى الرقمي المتدني بهدف البحث عن حل مثالي لهؤلاء فهذا يعد تحديا كبيرا، حيث نجد أن التصدي لهذه الظاهرة لن يكن عن طريق الحجب أو المنع أو حتى بتشديد الرقابة الأمنية فقط، بل يأتي عن طريق التوعية بالآثار السلبية المترتبة على نتاج أعمال أنصاف العقول من الشخصيات الهاشة، خاصة بعد غياب المحتوى الهادف الجذاب، وهنا إذا لم يجد الشباب ما يملأ عقلهم ووجدانهم بما يفيد وينفع، فقد يملأها أمثال كروان والأبيض بالضجيج والإسفاف المبتذل الهش.
في ظل التقدم التكنولوجي السريع والمبهر، لم تعد الألعاب الإلكترونية مجرد وسيلة عابرة للتسلية أو المتعة، بل تحولت إلى عالم خفي محفوف بالمخاطر، حيث أصبح أولادنا يقضون ساعات أطول مما يقضونها مع عائلتهم، ربما تجد البعض منهم يتناولون الطعام وهم يمارسون هذه الألعاب الإلكترونية، والغريب في ذلك أن أغلب أولياء الأمور والأهل لا يدركون مدى مخاطرها الشديدة، ولا يعرفون شيئاً عن هذا العالم الافتراضي الذي خطف أولادهم من الحياة الحقيقية، وجعلهم في عزلة اجتماعية قد تؤثر على سلوكياته الحياتية، بالإضافة إلى التأثيرات السيكولوجية والجسدية التي تصيبهم.
شهدت مصر تحركاً هو الأول من نوعه لضبط "الفوضى الرقمية"، التي تستهدف عقول النشء، خاصة بعد عرض مسلسل "لعبة وقلبت بجد"، الذي دق ناقوس الخطر، فكانت الاستجابة السريعة من الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي وجه الحكومة والبرلمان بضرورة سن تشريعات تقنن استخدام الأطفال للهواتف المحمولة والإنترنت، الوضع الذي يعكس حرص واهتمام الرئيس على حماية أولادنا من مخاطر التطبيقات المخالفة والمراهنات الإلكترونية، بالإضافة إلى الاهتمام الشديد بالحفاظ على وعيهم وتكوينهم النفسي والفكري، خاصة أولادنا من الأطفال دون سن الرشد.
ختاماً.. عندما نتمعن في هذه المشكلة ومدى تأثيرها على عقول الشباب نلاحظ وجود خطة ممنهجة تهدف إلى إفراغ عقول أولادنا من محتواها لتسهيل استغلالهم وتوجيههم، فنجد أن الطريق الصحيح والحل السليم لحماية أولادنا وشبابنا الذين هم مستقبل الأوطان من هذه الهوجة التكنولوجية غير المنضبطة، تبدأ من الدور الذي تلعبه الأسرة في عملية التربية والمتابعة، ثم يأتي دور الجهات المنوطة بالدولة في خلق بدائل رقمية تحترم عقل المشاهد وتقدم له محتوى يتضمن المتعة وتحقيق الفائدة والمعرفة في آن واحد، بالإضافة إلى تسليط الضوء على النماذج المشرفة من شبابنا في كل المجالات، لكي تصبح قدوة حسنة حقيقية لكل الأجيال القادمة.. حفظ الله مصر وشبابها.



