حكاية بطل أولمبي.. عبير عبد الرحمن انتصرت للعدالة قبل الميداليات
ليست كل البطولات تُحسم فوق منصات التتويج، فبعضها يحتاج إلى صبر طويل، وإيمان بالحق، وانتظار عدالة قد تتأخر لكنها لا تغيب. هكذا كانت قصة عبير عبد الرحمن، البطلة الأولمبية المصرية في رفع الأثقال، التي لم تُهزم يومًا داخل المنافسة، حتى حين غابت عنها الميداليات مؤقتًا.
في هذا التقرير تروي "بوابة روزاليوسف"، حكاية بطلة خاضت اختبار المنشطات، فنجحت فيه، وأهدت مصر ميداليتين أولمبيتين بعد سنوات من الانتظار.
نشأة مبكرة وشغف مبكر بالحديد
وُلدت عبير في يونيو عام 1992 بمدينة الإسكندرية.
منذ سنواتها الأولى، وجدت طريقها إلى رياضة رفع الأثقال، بدعم كامل من والدها، الذي آمن بموهبتها ووقف إلى جوارها في اختيار لعبة شاقة تتطلب قوة جسدية وصلابة نفسية.
لم يكن شغف عبير عابرًا، بل ظهر نبوغها سريعًا، لتنضم إلى منتخب مصر لرفع الأثقال وهي في الحادية عشرة من عمرها فقط، في خطوة نادرة تعكس حجم موهبتها الاستثنائية.
بداية الإنجازات.. ذهبية مبكرة
تدربت عبير تحت قيادة المدرب رمضان عبد المعطي، والد البطلة نهلة رمضان، أحد أبرز الأسماء في تدريب رفع الأثقال بمصر.
وفي عام 2007، حققت أول إنجاز كبير في مسيرتها، حين شاركت في بطولة العالم للناشئين، ونجحت في حصد ثلاث ميداليات ذهبية دفعة واحدة.
بهذا التتويج، أعلنت عبير عن ميلاد مشروع بطلة أولمبية حقيقية.
أولمبياد بكين 2008.. المشاركة الأولى
في سن 16 عامًا فقط، شاركت عبير في أولمبياد بكين 2008، لتكون من أصغر اللاعبات المشاركات في رفع الأثقال على مستوى العالم.
قدّمت أداءً قويًا، وحققت المركز الخامس، وهو إنجاز كبير في حد ذاته بالنظر إلى صغر سنها وحداثة تجربتها الأولمبية.
مرت السنوات، وظلت نتيجة بكين مسجلة كما هي، إلى أن عاد القدر ليمنح البطلة حقها بعد ثماني سنوات كاملة.
مسيرة ثابتة ومنصات متعددة
بعد بكين، واصلت عبير عبد الرحمن طريقها بثبات، وشاركت في:
• دورة ألعاب البحر المتوسط
• بطولة العالم للناشئين
• البطولة العربية
• بطولات الجائزة الكبرى
وفي جميع هذه المشاركات، وقفت على منصات التتويج، مؤكدة أن مكانها الطبيعي بين الكبار.
لندن 2012.. الصورة الشهيرة والوجع الصامت
دخلت عبير أولمبياد لندن 2012 بطموح تحقيق أول ميدالية أولمبية مباشرة.
وخلال المنافسات، التُقطت لها صورة أصبحت واحدة من أشهر الصور في تاريخ الرياضة المصرية، حين سقط البار على عنقها أثناء محاولتها رفع وزن لم يسبق لها رفعه، في سعي شجاع نحو الميدالية البرونزية.
رغم الإصابة والألم، أنهت البطولة في المركز الخامس، لتغادر لندن دون ميدالية، لكن دون أن تعلم أن العدالة كانت في طريقها إليها.
اختبارات المنشطات.. حين يتكلم الزمن
في عام 2016، أُعيد تحليل عينات اختبارات المنشطات لأولمبياد لندن 2012، وأسفرت النتائج عن:
• ثبوت تعاطي لاعبات كازاخستان وروسيا وبيلاروسيا للمنشطات
• سحب الميداليات الذهبية والفضية والبرونزية منهن
وبناءً على ذلك، حصلت عبير على الميدالية الفضية لأولمبياد لندن 2012، لتصبح أول لاعبة مصرية تحقق فضية أولمبية في رفع الأثقال.
عدالة متأخرة في بكين أيضًا
لم تتوقف المفاجآت عند لندن، فبعد أيام قليلة، أعلن الاتحاد الدولي لرفع الأثقال سقوط بطلتَي الصين وأوكرانيا في أولمبياد بكين 2008 بعد ثبوت تعاطيهما المنشطات.
وبذلك، تم تتويج عبير عبد الرحمن بالميدالية البرونزية لأولمبياد بكين 2008، لتتحول مشاركتها الأولى من مركز خامس إلى منصة تتويج أولمبية.
إصابة قاسية ونهاية مشوار
بعد أولمبياد لندن، شاركت عبير في بطولة البحر المتوسط، ونجحت في تحقيق الميدالية الفضية، رغم معاناتها من:
• إصابة في الرباط الصليبي
• إصابة في الغضروف
هذه الإصابات، إلى جانب زواجها من المدرب محمد سلطان، دفعتها إلى اتخاذ قرار اعتزال الرياضة، بعد مسيرة حافلة بالعطاء.
اليوم، تعيش عبير حياة جديدة كأم لطفلين، سيف ونور، محتفظة بمكانتها كبطلة أولمبية صنعت التاريخ.
عبير عبد الرحمن قصة انتصار للقيم
قصة عبير عبد الرحمن ليست فقط قصة ميداليات، بل قصة انتصار للقيم، والالتزام، والنزاهة.
بطلة لم تتلوث بالمنشطات، ولم تحصل على حقها في حينه، لكنها صبرت حتى أنصفها الزمن.
ستظل عبير واحدة من أنقى النماذج في تاريخ الرياضة المصرية، ودليلًا على أن البطولة الحقيقية لا تُقاس فقط بما يُعلّق في العنق، بل بما يُثبت في الضمير.




